إينييجو مارتينيزالدوري الإسباني365TOPبرشلونة

قائدٌ منتظر أم مدافعٌ متهور.. روميرو يضع برشلونة أمام اختيار صعب قبل إتمام التعاقد

في برشلونة، لا تأتي الصفقات الكبيرة كقرار عابر، ولا تُقاس فقط بالأرقام أو الأعمار أو بنود العقود، هنا، في المدينة التي تتنفس كرة قدم، كل لاعب يُختبر قبل أن تطأ قدماه ملعب “مونتجويك” أو “كامب نو” الجديد: هل يحتمل ثقل القميص؟ هل يستطيع أن يكون جزءًا من الحكاية؟ وهل يملك الشخصية التي تسمح له بالنجاة وسط الضغط، والانتقاد، والمقارنات القاسية مع أساطير مرّوا من هنا؟

اليوم، يقف اسم كريستيان روميرو على أعتاب هذه الأسئلة جميعًا، مدافع أرجنتيني صلب، قائد في توتنهام، محارب لا يعرف أنصاف الحلول، لكنه في الوقت نفسه لاعب مثير للجدل، دائم المشي على الحافة، بين القوة والانفلات، بين البطولة والطرد، صفقة منتظرة لبرشلونة، لكنها صفقة “بين نارين”.

كريستيان روميرو - ماتيوس كونيا - كاسيميرو - مانشستر يونايتد - توتنهام - المصدر (getty images)
كريستيان روميرو – ماتيوس كونيا – كاسيميرو – مانشستر يونايتد – توتنهام – المصدر (getty images)

كريستيان روميرو ليس مدافعًا هادئًا، ولا لاعبًا يختفي في الظل، هو من أولئك الذين تسمع احتكاكاتهم قبل أن تراهم، وتقرأ حضورهم في لغة الجسد قبل لوحة النتائج، حين يدخل مباراة، يدخلها وكأنها معركة شخصية، لا يعرف التراجع، ولا يخشى الالتحام، ولا يطلب الإذن قبل التدخل.

في زمن يبحث فيه برشلونة عن التوازن، وعن إعادة ترميم هوية دفاعية تآكلت بفعل الغيابات والإصابات، يطل اسم روميرو كحل جاهز، لكنه حل محفوف بالمخاطر، مدافع قادر على القيادة، لكنه مهدد دائمًا بالغياب، قائد بالفطرة، لكنه يسير على خيط رفيع بين الانضباط والفوضى.

كريستيان روميرو - توتنهام - المصدر (Getty imges)
كريستيان روميرو – توتنهام – المصدر (Getty imges)

برشلونة وروميرو.. البحث عن طوق نجاة دفاعي

يدرس نادي برشلونة تدعيم صفوفه بضم مدافع جديد من الدوري الإنجليزي الممتاز خلال فترة الانتقالات الصيفية المقبلة، في ظل النقص العددي والغيابات المتكررة التي ضربت خط الدفاع هذا الموسم، الإصابات، تذبذب المستوى، وغياب الاستقرار، كلها عوامل جعلت الخط الخلفي نقطة ضعف واضحة في منظومة الفريق، رغم محاولات هانزي فليك إعادة ضبط الإيقاع.

الدفاع الذي كان يومًا مصدر فخر، أصبح مصدر قلق، برشلونة لم يعد ذلك الفريق الذي يخنق خصومه تنظيميًا، بل بات فريقًا يُجبر على الركض خلف الأخطاء، ومحاولة ترميم ما ينكسر خلال المباراة، ومن هنا، بدأ التفكير في اسم قادر على إحداث “صدمة إيجابية”، لاعب لا يأتي ليكمل العدد، بل ليقود، ليصرخ، ليعيد الهيبة.

كريستيان روميرو - فان دي فين - توتنهام - المصدر (Getty images)
كريستيان روميرو – فان دي فين – توتنهام – المصدر (Getty images)

وفقًا لصحيفة “موندو ديبورتيفو” الكتالونية، فإن برشلونة يستعد للتعاقد مع الدولي الأرجنتيني كريستيان روميرو، قائد فريق توتنهام هوتسبير، بعد أن قرر الأخير، صاحب الـ27 عامًا، مغادرة صفوف السبيرز رغم أن عقده يمتد حتى عام 2029.

قرار الرحيل لم يكن مفاجئًا داخل أروقة توتنهام، روميرو قدّم كل ما لديه، قاد الدفاع، تحمّل الضغوط، لكنه بات يبحث عن خطوة جديدة، خطوة أكبر، خطوة تضعه في نادٍ ينافس على كل الألقاب، لا يكتفي بالمحاولة، وبرشلونة كان حاضرًا في الخلفية، يراقب، ينتظر، ويحسب المخاطر.

كريستيان روميرو - توتنهام (المصدر:Gettyimages)
كريستيان روميرو – توتنهام (المصدر:Gettyimages)

كريستيان روميرو.. هل يسير على خطى بيكيه “الحمراء”

صفقة روميرو إذا تمت ستعيد للأذهان إسمًا سبق وأن قاتل بقميص البرسا، حين يُذكر اسم جيرارد بيكيه في ذاكرة برشلونة، لا يُستحضر فقط المدافع الأنيق القادر على بناء اللعب من الخلف وكسر خطوط الخصم بتمريرة واحدة، بل تطفو على السطح أيضًا شخصية صدامية لا تعرف الهروب من المواجهة، بيكيه لم يكن لاعبًا يقبل التراجع أو الصمت، بل كان حاضرًا في قلب الاشتباك دائمًا، سواء داخل الملعب أو خارجه، مدافعًا عن قميصه، عن أفكاره، وعن هيبة فريقه، حتى وإن كان الثمن بطاقة حمراء أو مواجهة مفتوحة مع الحكم والخصوم.

وخلال مسيرته الاحترافية مع برشلونة، حصل بيكيه على 10 بطاقات حمراء في مختلف المسابقات، رقم يعكس حجم اندفاعه وشراسته أكثر مما يعكس تهوره، المفارقة الدراماتيكية أن مسيرته مع النادي الكتالوني انتهت كما بالطريقة نفسها التي طالما استمرت بها.. كانت مشتعلة، ففي آخر ظهور له بقميص برشلونة أمام أوساسونا في نوفمبر 2022، تلقى بطاقة حمراء مباشرة، وهو على مقاعد البدلاء، في لقطة جسدت شخصيته حتى اللحظة الأخيرة، لاعب لم يتخلَّ عن حدّته حتى وهو خارج المستطيل الأخضر.

جيرارد بيكيه - برشلونة - المصدر (Getty images)
جيرارد بيكيه – برشلونة – المصدر (Getty images)

وعلى هذا الخط الأحمر نفسه، يسير كريستيان روميرو، ولكن بنسخة أكثر حدّة وأقل هدوءًا، مدافع لا يعرف أنصاف الحلول، يدخل الالتحام وكأنه إعلان حرب، ويخوض كل مباراة بعقلية “الكل أو لا شيء”، روميرو لا يشبه بيكيه فنيًا فقط في الجرأة والشخصية، بل يشترك معه في السير الدائم على الحافة، حيث البطولة والطرد يفصل بينهما قرار واحد، وحيث يمكن للمدافع أن يتحول من بطل إلى عبء في لحظة، هنا، تحديدًا، يكمن التحدي الأكبر لبرشلونة.

البيانالعددمع توتنهاممع جنوة
إجمالي البطاقات الحمراء963
بطاقات حمراء بسبب إنذارين642
بطاقات حمراء مباشرة321
9 بطاقات حمراء في مسيرة كريستيان روميرو

هذه الأرقام تضع علامات استفهام كبيرة حول مدى قدرة روميرو على الحفاظ على الاستمرارية داخل فريق مثل برشلونة، يعاني بالفعل من غيابات متكررة في خط الدفاع، ولا يحتمل فقدان مدافعه الأساسي في مباريات حاسمة بسبب الإيقاف، فبينما تعكس هذه الأرقام شراسة المدافع الأرجنتيني وشخصيته القتالية، فإنها في الوقت نفسه تُجسد الوجه الآخر للمخاطرة التي قد ترافق الصفقة المنتظرة.

مثال صارخ عن شخصية روميرو.. طرد تشيلسي الذي قلب كل شيء

أكثر اللقطات التي تُلخص شخصية كريستيان روميرو، جاءت في مواجهة توتنهام أمام تشيلسي خلال موسم 2023-2024، مباراة بدأها السبيرز بثقة، وتقدموا في النتيجة، وكان كل شيء يسير وفق الخطة، إلى أن جاءت لحظة واحدة غيّرت مسار اللقاء بالكامل، تدخل متهور، قرار لحظي بلا حسابات، وبطاقة حمراء مباشرة أٌشهرت في وجه روميرو، وضعت فريقه في مأزق مبكر، لم يكن الطرد مجرد نقص عددي، بل كان نقطة التحول النفسية والفنية التي كسرت توتنهام وأعادت تشيلسي إلى المباراة.

عند الدقيقة 33، غادر روميرو أرض الملعب، وكانت النتيجة تشير إلى تقدم توتنهام 1-0، بعد الطرد، انقلبت الموازين تمامًا، تشيلسي استغل المساحات، رفع الإيقاع، وضرب بلا رحمة، لتنتهي المباراة بخسارة قاسية للسبيرز بنتيجة 4-1، هذه اللقطة، بكل تفاصيلها، تكشف جوهر المعضلة في شخصية روميرو: مدافع يمنح فريقه قوة وشراسة، لكنه في لحظة اندفاع غير محسوبة قد يسحب الاستقرار بالكامل ويترك زملاءه يدفعون الثمن.

تشيلسي ضد توتنهام
تشيلسي ضد توتنهام

كريستيان روميرو ليس مجرد مدافع كثير البطاقات، بل أصبح الأكثر حصولًا على بطاقات حمراء مع توتنهام هوتسبير في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز، متساويًا مع يونس كابول بـ 4 بطاقات حمراء لكل منهما، رقم لا يمكن تجاهله، خاصة عندما نتحدث عن نادٍ مثل برشلونة، حيث كل بطاقة حمراء تتحول إلى قضية رأي عام، وكل غياب يُضاعف الضغط على منظومة تعاني أصلًا من هشاشة دفاعية وغيابات متكررة.

العنصرالتفاصيل
المباراةتوتنهام × تشيلسي
الموسم2023/2024
نتيجة توتنهام قبل الطردمتقدم 1-0
دقيقة الطردالدقيقة 33
نوع البطاقةحمراء مباشرة
النتيجة النهائيةفوز تشيلسي 4-1

هل يكون روميرو خليفة إينييجو مارتينيز؟

منذ غياب إينييجو مارتينيز، لم يفقد برشلونة مجرد مدافع في الخط الخلفي، بل خسر عنصر التوازن الذي كانت تُبنى عليه المنظومة الدفاعية بأكملها، التنظيم اهتز، المسافات بين الخطوط اتسعت، والارتباك تسلل إلى قلب الدفاع، ليظهر الفريق في كثير من المباريات وكأنه يفتقد البوصلة، في منظومة هانز فليك، التي تعتمد على الانضباط والتحكم في الإيقاع، بدا الغياب أكثر قسوة مما كان متوقعًا.

لكن الأخطر من ذلك لم يكن داخل المستطيل الأخضر، بل خارجه، غاب ذلك “الصوت القيادي” داخل غرفة الملابس، الصوت الذي لا يظهر في الإحصائيات ولا يُقاس بالأرقام، لكنه يُصنع الفارق في اللحظات الحرجة، مارتينيز كان القائد الذي يوبّخ، يوجّه، يفرض النظام، ويرفع سقف المسؤولية، النواقص الفنية يمكن تعويضها بخطة أو تبديل، أما غياب القائد الحقيقي، فهو فراغ نفسي وتنظيمي يصعب ملؤه.

إينيجو مارتينيز - برشلونة
إينيجو مارتينيز – برشلونة (المصدر:Gettyimages)

وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يكون كريستيان روميرو هو البديل؟ فالأرجنتيني يملك مواصفات مارتينيز ذاتها: قائد بالفطرة، سريع في التغطية، ذكي في قراءة اللعب، قوي في الالتحامات، وفعال في الكرات الثابتة، لاعب لا يكتفي بأداء دوره الدفاعي، بل يفرض حضوره وشخصيته، ويجبر زملاءه على رفع مستواهم، يبقى التحدي الأكبر هو قدرته على ضبط اندفاعه داخل منظومة برشلونة الصارمة، فهل يتحول إلى حجر الأساس المفقود، أم إلى مخاطرة جديدة؟

تزكية ميسي.. كلمة لها وزنها في برشلونة

تلك ليست المرة الأولى التي يرتبط فيها اسم كريستيان روميرو بنادي برشلونة، ففي وقت سابق، وبشهادة الصحافة الإسبانية، كان ليونيل ميسي نفسه قد رشّح زميله الأرجنتيني للانضمام إلى الفريق الكتالوني، مطالبًا الإدارة بتدعيم الخط الخلفي بمدافع يملك الشخصية والصلابة اللازمتين، وقتها، تحرك برشلونة بالفعل، وقدم عرضًا قُدّر بنحو 40 مليون يورو، في إشارة واضحة إلى حجم القناعة الفنية باللاعب، لكن الصفقة تعثرت في اللحظات الأخيرة لأسباب تتعلق بالتوقيت والظروف المحيطة.

ورغم فشل المحاولة الأولى، لم تُغلق الصفحة، تزكية ميسي لم تُنسَ، واسم روميرو ظل حاضرًا في كواليس النادي، يظهر ويختفي مع كل أزمة دفاعية يمر بها الفريق، واليوم، تعود القصة من جديد، لكن في سياق مختلف تمامًا؛ برشلونة أكثر احتياجًا، والمنظومة الدفاعية أكثر هشاشة، والبحث عن قائد في الخط الخلفي أصبح أولوية لا تحتمل التأجيل.

ليونيل ميسي.. المصدر: gettyimages
ليونيل ميسي.. المصدر: gettyimages

وإذا ما اكتملت الصفقة هذه المرة، فإن روميرو لن يكون مجرد مدافع جديد في قائمة الفريق، بل حلقة جديدة في السلسلة الأرجنتينية التي تركت بصمتها داخل أسوار برشلون من مارادونا إلى ميسي وصولًا إلى ماسكيرانو.. وربما الآن روميرو، مدافع يحمل روح التانجو وشراسة اللاتينيين، لكنه مطالب بتعلم فن “الهدوء الكتالوني”، حيث لا يكفي أن تكون مقاتلًا، بل أن تعرف متى تتراجع خطوة لتكسب الحرب.

برشلونة ورميرو بين نارين.. المجد أو اللعنة

يقف كريستيان روميرو اليوم بين نارين لا ثالث لهما، نار المجد، حيث يمكنه أن يتحول إلى القائد المنتظر، خليفة إينييجو مارتينيز، وصخرة الدفاع التي يعيد بها برشلونة هيبته المفقودة، مدافع يكتب اسمه في لحظة بحث النادي عن شخصية قبل أن يبحث عن لاعب، ويجد في القميص الكتالوني منصة لتأكيد مكانته بين نخبة مدافعي أوروبا.

وعلى الجانب الآخر، تشتعل نار اللعنة، سيناريو مدافع موهوب، لكنه أسير اندفاعه، كثير الغياب، كثير الجدل، تلاحقه البطاقات الحمراء في الليجا كما لاحقته في البريميرليج، في برشلونة، لا تُغتفر الأخطاء بسهولة، وكل طرد يتحول إلى قضية، وكل غياب يفتح باب الشكوك من جديد، خاصة في فريق لا يحتمل المزيد من المغامرات الدفاعية.

بين هاتين النارين، يراهن برشلونة، ويختبر روميرو نفسه، السؤال لم يعد عن القوة أو الجودة، بل عن القدرة على ترويض الاندفاع وضبط النفس، فهل ينجح الأرجنتيني في إعادة تعريف شخصيته داخل منظومة صارمة؟ أم أن الخط الأحمر سيظل يطارده؟ الإجابة إن تمت الصفقة، لن تُكتب بالحبر، بل ستتضح على أرض الملعب، حيث لا مكان للوعود، بل لأفعال فقط.

منصور مجاهد

صحفي مصري منذ 2019، خريج إعلام القاهرة، شغوف بكرة القدم الإنجليزية وصناعة التقارير العميقة، مقدم برامج ومعلق صوتي بخبرة أكثر من 7 سنوات بمجال الإعلام.