على خطى ميسي.. ساديو ماني ملكاً متوجاً فوق أكتاف أسود التيرانجا
تحت أضواء القارة السمراء، وفي لحظة تجمد فيها الزمن، ارتفع ساديو ماني فوق الأكتاف محمولاً على سواعد رفاقه، في مشهد لم يكن مجرد احتفال بلقب، بل كان تجسيداً لملحمة وفاء نادرة. تلك اللقطة التي حبست الأنفاس أعادت إلى الأذهان صورة الأسطورة ليونيل ميسي وهو يُحمل ملكاً في ملعب لوسيل بعد مونديال قطر؛ حيث لم تكن الفرحة حينها بالكأس وحدها، بل بإنصاف كرة القدم لرجل أعطاها كل شيء، تماماً كما أنصفت ساديو ماني وهو يلامس السماء على أكتاف “أسود التيرانجا”.
لم تكن تلك الأكتاف التي حملت ماني ترفع جسداً فحسب، بل كانت تحمل تاريخاً من الكفاح ومشاعر جيل كامل يدرك أن “الرقصة الأخيرة” قد اقتربت. في عيون زملائه، كان ثمة حزن خفي يمتزج بصهيل الانتصار، فاليقين بأن ماني قد يودع القميص الوطني بعد المونديال القادم جعل من كل ثانية في هذا التتويج لحظة وداع استباقية.
أراد رفاقه أن يمنحوه التكريم الذي يليق بقائد لم يخذلهم يوماً، ليخرج من المحفل الإفريقي وفي جعبته ما عجز عنه الآخرون، محاطاً بحب رفاقه الذين رأوا فيه رمزاً لا يتكرر.
وفي ليلة الدراما الكبرى، حين بلغت القلوب الحناجر وكادت السنغال أن تخرج من المشهد الأخير اعتراضاً على ركلة جزاء في الدقائق القاتلة، كان ماني هو الملاذ والحكمة وسط العاصفة.
هو من أعاد الانضباط لصفوف “الأسود” حين تملكهم الغضب وقرروا الانسحاب، ليكون قراره بالعودة هو نقطة التحول التي قادتهم للتصدي للكرة، ثم الانقضاض في الأشواط الإضافية لتحقيق فوز تاريخي بهدف نظيف. هي البطولة الثانية في تاريخ السنغال، والمصادفة أن النجمتين اللتين تزينان قميص المنتخب اليوم، كُتبتا بمداد من عرق وروح ساديو ماني.
ماني وميسي.. الرمزية والوداع الأخير
في الأرجنتين، كان الدافع وراء احتفالية ميسي هو إدراك اللاعبين أن “البرغوث” استحق إنهاء مسيرته باللقب الأغلى الذي استعصى عليه سنوات طويلة.
وفي السنغال، تكرر المشهد ذاته مع ساديو ماني، حيث تشير التقارير المقربة من اللاعب إلى أنه ينوي الاعتزال دولياً عقب نهاية كأس العالم، مما جعل هذه النسخة من كأس أمم إفريقيا بمثابة تكريم لمسيرته الأسطورية.
أراد لاعبو السنغال رد الدين لماني في ظهوره القاري الأخير، اعترافاً بدوره القيادي وتأثيره الكبير على جيل ذهبي نجح في وضع السنغال على عرش الكرة الإفريقية، وتحويل حلم اللقب إلى واقع ملموس للمرة الثانية.
لحظة الانكسار التي تحولت إلى نصر
لم تكن المباراة النهائية مجرد مواجهة فنية، بل كانت اختباراً حقيقياً للشخصية والقيادة. ففي الدقائق الأخيرة من عمر اللقاء، كادت الأمور أن تخرج عن السيطرة بعد احتساب ركلة جزاء لصالح المنتخب المغربي، وهو ما أثار احتجاجات عارمة لدى لاعبي السنغال الذين فكروا جدياً في مغادرة الملعب وعدم استكمال اللقاء.
هنا تجلى دور القائد؛ حيث تدخل ساديو ماني لتهدئة الثائرين وإقناعهم بالبقاء والقتال حتى الصافرة الأخيرة. وكانت هذه اللحظة هي المفصل التاريخي في المباراة، إذ ضاعت ركلة الجزاء المغربية، لتنتقل السيطرة النفسية للسنغال التي حسمت اللقاء في الوقت الإضافي بهدف نظيف قتل أحلام الخصم ومنح السنغال تاج القارة.
ساديو ماني.. صانع تاريخ السنغال الحديث
بدخول الكأس الثانية لخزائن السنغال، يرسخ ساديو ماني اسمه كأعظم لاعب في تاريخ بلاده دون منازع. فالبطولتان اللتان حققتهما السنغال عبر تاريخها كان ماني هو القاسم المشترك والأبرز فيهما، ليس فقط بأهدافه، بل بروحه التي كانت تدفع المجموعة نحو الأمام.
بهذا التتويج، يغادر ماني الساحة القارية وهو في قمة المجد، تاركاً خلفه إرثاً كبيراً وصورة ستظل محفورة في أذهان الجماهير، وهو محمول على الأعناق، تماماً كما تُحمل الأساطير التي لا تُنسى.