أرسنالالدوري الإنجليزي365TOPأرسنال

لندن تبايع أرسنال.. كيف تحوّلت أندية العاصمة إلى حلفاء في معركة إسقاط جوارديولا؟

في لحظات نادرة من تاريخ كرة القدم، تتوقف الخصومات المحلية مؤقتًا، وتُعلّق الأحقاد أمام عدو أكبر، هيمنة أطول، وانتظار أثقل من أن يُحتمل، ما يحدث هذا الموسم في الدوري الإنجليزي الممتاز يتجاوز كونه مجرد صراع على لقب، ويشبه اصطفاف قبائل مدينة واحدة في وجه قوة خارجية، قوة صنعت عقدًا كاملًا من الهيمنة، مدينة لندن بكل تناقضاتها وجدت نفسها للمرة الأولى منذ سنوات تميل بالكفة نحو طرف واحد، الكبير أرسنال.

تشيلسي وتوتنهام، خصمان تاريخيان للجانرز، لم يرفعوا راية بيضاء ولم يهتفوا باسم أرتيتا، لكن أفعالهما على أرض الملعب قالت كل شيء، تعادلات قاتلة أمام مانشستر سيتي بعد التأخر في النتيجة، نزيف نقاط جديد لآلة بيب جوارديولا، ونافذة أمل تتسع أمام أرسنال، الذي يراقب من بعيد بينما تتساقط النقاط من الفريق الأزرق.

القنوات الناقلة لمباراة أرسنال ضد ليدز يونايتد بالجولة 24 من الدوري الإنجليزي
جابرييل مارتينيلي – نوني مادويكي – أرسنال (المصدر:Gettyimages)

الأمر لا يقتصر على حسابات جدول أو نتائج جولات، بل يمتد إلى تاريخ ثقيل وموروث من الخيبة، منذ تتويج تشيلسي باللقب عام 2016، غاب الدوري الإنجليزي عن خزائن العاصمة لعشر سنوات كاملة، عقد كامل سيطر فيه مانشستر سيتي، بقيادة جوارديولا، على حلم لندن، وأسقط كل من حاول الاقتراب، وعلى رأسهم أرسنال، مرتين وبريمونتادا موجعة بعد أن تجاوز الفارق حاجز العشر نقاط.

اليوم، المشهد مختلف، لندن لم تعد مدينة منقسمة على نفسها فقط، بل أصبحت لاعبًا حاسمًأ ضمن معركة الصراع على اللقب، الدعم لم يأتِ عبر تصريحات أو شعارات، بل عبر أقدام فرق العاصمة نفسها التي أظهرت، بطريقة غير مباشرة، أن الكفة يمكن أن تنحاز لمصلحة أرسنال، وأن الهيمنة التي استمرت لعقد كامل يمكن أن تتزعزع.

إيرلينج هالاند - مانشستر سيتي - (المصدر: Getty imgaes)
إيرلينج هالاند – مانشستر سيتي – (المصدر: Getty imgaes)

هذه المرة، لا يتعلق الأمر بلاعب واحد أو مدرب عبقري، بل بتاريخ المدينة، بعاطفة جماهيرها، وبحسابات لم تكن واضحة منذ سنوات، لندن تريد كسر اللعنة، تريد أن ترى اللقب يعود إلى المدينة، حتى لو كان ذلك عبر أقدام الغريم، وأن تعود العاصمة لتكتب فصلًا جديدًا في سجل البريميرليج بعد عشر سنوات من الصمت.

مانشستر سيتي ضد تشيلسي.. إنزو يسرق نقطتين في الدقيقة 94

في الجولة العشرين من البريميرليج، بدا كل شيء يسير وفق سيناريو جوارديولا المعتاد، مانشستر سيتي يسيطر، يضغط، ويصنع الفرص كما لو كان يقرأ المباراة مسبقًا، هدف تيجاني رايندرز في الدقيقة 42 أعاد الشعور بأن السيتي قد تعلم من دروس التعثر السابقة، وأن كل خطأ صغير يمكن تعويضه بتكتيك دقيق وانضباط جماعي.

لكن تشيلسي لم يكن مجرد ضيف عابر على ملعب الاتحاد، الفريق يعاني هذا الموسم، لكن الكبرياء لا يموت بسهولة، والروح القتالية تبقى حاضرة، ومع اقتراب صافرة النهاية، بدا السيتي مستعدًا لجمع ثلاث نقاط جديدة في سباق الهيمنة على الدوري، إلا أن لحظة سحرية من إنزو فيرنانديز قلبت المعادلة رأسًا على عقب.

أرسنال - تشيلسي
أرسنال – تشيلسي

الدقيقة 94 لم تكن مجرد توقيت هدف، بل لحظة تحوّل حقيقية، هدف التعادل لم يغيّر النتيجة فقط، بل ضرب السيتي نفسيًا وأعاد تذكير الجميع أن مانشستر سيتي لم يعد محصنًا في الدقائق الأخيرة كما كان في السنوات السابقة، نقطتان ضاعتا، وأرسنال تابع المشهد من بعيد بابتسامة صامتة، يدرك أن المنافس صار قابلاً للتصدع وأن ألة جوارديولا لم تعد حصينة كما كانت.

توتنهام ضد مانشستر سيتي.. حين انقلب الملعب إلى فخ

بعد أيام قليلة من تعادل السيتي مع تشيلسي، تكرّر السيناريو بطريقة أكثر قسوة خارج ملعب “توتنهام“، السيتي بدأ المباراة بثقة عالية، متقدمًا بثنائية نظيفة قبل نهاية الشوط الأول، ريان شرقي في الدقيقة 11، وأنطونيو سيمينو في الدقيقة 44، وكل شيء يوحي بأن الفريق الأزرق قد يضيف ثلاث نقاط جديدة إلى رصيده في صراع الهيمنة على الدوري.

لكن الشوط الثاني قلب الموازين بالكامل، توتنهام، رغم أنه لا يُعرف عنه خوض سباقات اللقب، قرر أن يلعب دور المعطل بكل جرأة، دومينيك سولانكي سجّل الهدف الأول الذي أعاد الأمل للنادي اللندني، ثم فجّر الملعب بالهدف الثاني بكعبٍ طائر على طريقة العقرب، لقطة ستظل محفورة في ذاكرة الدوري الإنجليزي.

مانشستر سيتي - توتنهام - دومينيك سولانكي - المصدر (Getty images)
مانشستر سيتي – توتنهام – دومينيك سولانكي – المصدر (Getty images)

التعادل 2-2 لم يكن مجرد نتيجة عابرة، بل رسالة قوية لكل الفرق: مانشستر سيتي لم يعد الفريق الذي يُنهي المباريات مبكرًا، وأن الضغط على السيتي صار ممكنًا، نقاط ضائعة هنا وهناك تصب في مصلحة أرسنال، الذي يقترب أكثر فأكثر من استعادة الدوري الإنجليزي إلى مدينة لندنا بعد عقد كامل من الغياب، كل ذلك دون أن يحرك ساكنًا على أرض الملعب.

بيب جوارديولا وأرسنال.. عقد من الهيمنة وذاكرة لا تُنسى

منذ أن وطأت أقدام بيب جوارديولا ملعب الاتحاد في صيف 2016، تغيّر ميزان القوى في الدوري الإنجليزي بالكامل، ستة ألقاب دوري خلال عشر سنوات ليست مجرد رقم، بل إعلان هيمنة مكتمل الأركان، لكن بالنسبة لجماهير أرسنال، لا تُختصر المعاناة في عدد مرات التتويج، بل في الكيفية التي كان يُسلب بها الحلم في اللحظات الأخيرة، وبالطريقة التي كان فيها السيتي يعود دائمًا حين يظن الجميع أن السباق قد انتهى.

مرتان على وجه التحديد حفرتا جرحًا عميقًا في ذاكرة شمال لندن، أرسنال في الصدارة، الفارق يتجاوز عشر نقاط، والثقة في أعلى مستوياتها، ثم يبدأ السيناريو المألوف: تعثر هنا، تعادل هناك، وفي المقابل، سيتي صامت، لا يحتفل، لا يلاحق إعلاميًا، لكنه يجمع النقاط كما يجمع المحاسب الأرقام، وعندما يصل الموسم إلى مراحله الأخيرة، يكون كل شيء قد انقلب دون ضجيج.

بيب جوارديولا وميكيل أرتيتا
بيب جوارديولا وميكيل أرتيتا

جوارديولا لم يكن مدربًا يطارد اللقب بانفعالات أو تصريحات نارية، قوته الحقيقية كانت في الصبر البارد، يعرف متى يضغط، ومتى يترك المنافس ينهك نفسه نفسيًا، كل سقطة لأرسنال كانت تُقابل في مانشستر بابتسامة هادئة، وكأن الرسالة واضحة بأن الطريق لا ينتهي في يناير أو فبراير، بل في مايو.

لهذا السبب تحديدًا، لا يتعامل جمهور أرسنال مع تعادلات السيتي الأخيرة على أنها مجرد نتائج عابرة، في مدينة تعلّمت الألم من التجربة، تُقرأ التفاصيل الصغيرة بعين الشك، هذه التعادلات تبدو كشقوق في جدار ظل لسنوات عصيًا على الكسر، السؤال لم يعد هل يسقط السيتي، بل متى، وهل يكون هذا الموسم هو اللحظة التي تُمحى فيها ذاكرة عقدٍ كامل من الهيمنة؟

تشكيل أرسنال ضد نوتنجهام فورست بالجولة 22 من الدوري الإنجليزي 2026
أرسنال (المصدر:Gettyimages)

لندن تريد اللقب من مانشستر.. حتى لو لم يكن لها وحدها

في سردية كروية تبدو أشبه بالروايات الملحمية، تكشف أحداث هذا الموسم أن ما يحدث في شوارع لندن ليس مجرد منافسة عابرة، بل استراتيجية غير معلنة، قد نجد أن تشيلسي وتوتنهام لا يقاتلان أرسنال بدافع المحبة أو الولاء، بل بفعل رغبة دفينة في كسر احتكار مانشستر سيتي للبطولات، كرة القدم في بعض اللحظات تعيد ترتيب الأولويات، والخصم القريب قد يصبح أقل تهديدًا من العدو الذي لا يعرف الرحمة.

النتائج الأخيرة، سواء تعادل البلوز مع السيتي أو عودة توتنهام من تأخر هدفين، لا تُقرأ كحوادث عشوائية، إنها إشارات واضحة على أن لندن تتوحد على نحو غير معلن، وأن كل فريق من العاصمة يحسب حساب كل نقطة، وكل هدف، وكل هجمة، ليس فقط لمصلحته، بل لمصلحة المدينة جمعاء في سباق الهيمنة على البريميرليج.

لأول مرة منذ موسم 2015-2016، تبدو لندن وكأنها كيان واحد في وجه مانشستر، ليس تحالفًا رسميًا، ولا اتفاقات مكتوبة، بل سلسلة من المواقف والتعادلات القاتلة التي قد تغيّر مسار الموسم، هنا تتجلى قوة العاصمة، مدينة منقسمة داخليًا لكنها تتوحد تلقائيًا حين يكون الخصم أكبر، ومعركة لقب البريميرليج لم تكن يومًا أكثر إثارة وتشويقًا.

هل تنجح قبائل لندن في كسر لعنة مانشستر سيتي؟

الطريق نحو اللقب لا يزال محفوفًا بالصعاب، ومانشستر سيتي ليس خصمًا سهلاً على الإطلاق، بيب جوارديولا يعرف تمامًا كيف يعيد فريقه من تحت الرماد، كيف يحوّل أي هفوة بسيطة إلى سلسلة انتصارات قاتلة، لكل تعادل، لكل فقدان نقطة، هناك لحظة من الصبر المخطط بدقة، تجعل السيتي يظل حاضرًا في المعركة رغم أي ضغوط.

لكن ما تغيّر هذا الموسم هو الشعور العام في لندن، أرسنال يبدو أكثر ثباتًا، أقل تأثرًا بخسائر مفاجئة، بينما السيتي بدأ يُنزف تدريجيًا تحت الضغط المستمر من تشيلسي وتوتنهام، المدينة كلها، بطريقة غير معلنة، تُضيف ثقلًا نفسيًا على حامل اللقب، وكأنها تقول: لن يكون الهيمنة المطلقة بسهولة هذه المرة.

مانشستر سيتي (المصدر: Getty images)
ريال مدريد ضد مانشستر سيتي (المصدر: Getty images)

إذا عاد الدوري الإنجليزي إلى لندن بعد عقد من الغياب منذ تتويج تشيلسي عام 2016، فلن يكون ذلك مجرد إنجاز أرسنال وحده، سيكون انتصارًا جماعيًا للمدينة بأكملها، التي قررت، ولو لمرة واحدة، أن تتحد ضد من سرق أحلامها لعشر سنوات، كل نقطة، كل هدف، كل تعادل لصالح الفرق اللندنية أصبح بمثابة حجر في أساس هذا الحلم الجماعي.

كرة القدم قد لا تعترف بالتحالفات الرسمية، لكنها دائمًا تعترف باللحظات الفارقة، والمفارقات الواضحة  ولندن الآن، لأول مرة منذ سنوات طويلة، تعيش لحظة استثنائية، لحظة قد تُعيد الكرة الإنجليزية إلى العاصمة وتكسر لعنة سيتي الطويلة.

منصور مجاهد

صحفي مصري منذ 2019، خريج إعلام القاهرة، شغوف بكرة القدم الإنجليزية وصناعة التقارير العميقة، مقدم برامج ومعلق صوتي بخبرة أكثر من 7 سنوات بمجال الإعلام.