700 يوم بلا بصمة.. هل وصل مشروع حسام حسن مع منتخب مصر إلى سقفه الفني؟
أنهى منتخب مصر مشاركته في بطولة كأس أمم إفريقيا 2025 بمشهد مُحبِط، بعدما خسر أمام منتخب نيجيريا بركلات الترجيح (4-2)، عقب تعادل سلبي في الوقتين الأصلي والإضافي، في مباراة تحديد المركز الثالث، ليكتفي المنتخب بالمركز الرابع، ويغادر البطولة دون ميدالية.
الخسارة جاءت بعد أيام قليلة من السقوط أمام منتخب السنغال بهدف دون رد في الدور نصف النهائي، لتتحول البطولة من حلم بالمنافسة على اللقب إلى محطة مراجعة شاملة لمشروع حسام حسن، الذي وجد نفسه لأول مرة تحت ضغط التقييم الحقيقي، بعيدًا عن لغة الأرقام المجردة.
حسام حسن مع منتخب مصر.. استقرار إداري وجدال فني
منذ تولي حسام حسن القيادة الفنية لمنتخب مصر، بدا واضحًا أن الاتحاد المصري اختار طريق الاستقرار، بعد سنوات من التغييرات السريعة على مستوى الجهاز الفني؛ ظاهريًا، لم تكن الأرقام سيئة، بل عكست قدرًا من الثبات في النتائج.
| المباريات | فوز | تعادل | خسارة | الأهداف | النقاط | معدل النقاط |
|---|---|---|---|---|---|---|
| 26 | 16 | 6 | 4 | 41 : 21 | 54 | 2.08 |
لكن الجدل الحقيقي لم يكن يومًا محصورًا في عدد الانتصارات أو التعادلات، بقدر ما انصب حول كيف يلعب المنتخب؟ وكيف يُدار فنيًا؟ بل وحتى كيف يتحدث مدربه؟ وهنا بدأت علامات الاستفهام تتزايد، خصوصًا مع اقتراب المنتخب من الاختبارات الكبرى.
فعند الحُكم فقط بالأرقام، فيمتلك روي فيتوريا معدل انتصارات أكبر من حسام حسن، وسجل منتخب مصر أهداف أكثر واستقبل أهداف أقل خلال فترة المدرب البرتغالي، بالرغم أنه خاض 8 مباريات كاملة أقل مما خاضه المدير الفني الحالي للفراعنة.

في مشوار التصفيات المؤهلة لكأس العالم وكأس الأمم الإفريقية، فرض منتخب مصر نفسه بوضوح، وحقق انتصارات متتالية أمام منتخبات أقل تصنيفًا، مع اعتماد واضح على الصلابة الدفاعية والحسم بهدف أو هدفين.
هذا التفوق عزز من صورة الاستقرار، لكنه في الوقت ذاته أخفى كثيرًا من العيوب الفنية، التي لم تظهر إلا عند مواجهة منتخبات تمتلك تنظيمًا وسرعة أعلى في التحول والضغط، وهو ما ظهر جليًا أمام السنغال ونيجيريا، ومن قبلهم كرواتيا وأوزباكستان وديًا.
على المستوى الفني، لم ينجح حسام حسن حتى الآن في تقديم هوية واضحة لمنتخب مصر، الفريق يلعب في الغالب بأسلوب مباشر، يعتمد على الكرات الطولية والتحولات السريعة، مع تركيز مفرط على الحلول الفردية، خاصة في الثلث الهجومي.
المشكلة لا تكمن فقط في بساطة الأسلوب، بل في غياب التطور من مباراة إلى أخرى، فلا توجد ملامح ضغط منظم، ولا تنوع هجومي حقيقي، ولا قدرة واضحة على التحكم في نسق المباريات، حتى أمام منافسين من مستوى متوسط أو أقل.

وفي عدد من المواجهات، بدا المنتخب وكأنه يكتفي بالحد الأدنى من الأداء، منتظرًا خطأ من المنافس أو لمسة فردية تنقذه، وهو نهج قد يحقق نتائج مؤقتة، لكنه لا يصنع منتخبًا قادرًا على المنافسة القارية أو فرض شخصيته في الأدوار النهائية.
وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل يلعب المنتخب وفق إمكانياته الحقيقية، أم بأقل منها؟
نصف النهائي كإنجاز.. ازدواجية المعايير
المثير للجدل في تقييم تجربة حسام حسن خلال أمم إفريقيا 2025 لم يكن الخروج في حد ذاته، بل طريقة التعامل مع هذا الخروج، فمجرد الوصول إلى الدور نصف النهائي جرى تقديمه – من قبل الجهاز الفني وعلى رأسه حسام حسن – باعتباره إنجازًا يُحسب للمنتخب، في خطاب بدا متناقضًا مع التاريخ، ومع الطموحات المعلنة.
الحديث المتكرر عن أن منتخب مصر يمتلك سبع بطولات قارية، ويُعد “الأفضل في إفريقيا”، يتناقض منطقيًا مع اعتبار نصف النهائي نجاحًا كافيًا؛ فالمنتخب الذي يرى نفسه الأقوى في القارة لا يفترض أن يكتفي بالمربع الذهبي، ولا أن يُعيد تعريف النجاح وفق ظروف اللحظة.

الأكثر إشكالية أن هذا “الإنجاز” لم يكن مدعومًا بأداء مقنع داخل الملعب، خاصة في المباراتين الحاسمتين أمام السنغال ونيجيريا؛ في المواجهتين، افتقد المنتخب لأي مبادرة هجومية حقيقية، وغابت الخطورة، وتراجع الأداء إلى حدٍّ بدا معه الفريق عاجزًا عن صناعة الفارق أو حتى فرض نسق لعبه.
أمام السنغال، لم يقدم المنتخب ما يشير إلى قدرة حقيقية على المنافسة، وأمام نيجيريا تكرر المشهد ذاته: استحواذ سلبي، تسديدات شبه معدومة، وانتظار دائم لخطأ من المنافس، وهو سيناريو بات معتادًا كلما واجه المنتخب فريقًا أقوى أو أكثر تنظيمًا.
منطق النجاح.. ولماذا يختلف الحُكم؟
الفارق الحقيقي بين ما يُسمى “نجاحًا” وما يُعتبر إخفاقًا لا يكمن فقط في النتائج، بل في طريقة تقييم هذه النتائج؛ فحين يعتبر البعض الوصول إلى نصف نهائي أمم إفريقيا إنجازًا، يُعاد تعريف النجاح بحسب ظروف اللحظة، بينما يُقاس مشروع المدربين السابقين بمعايير مختلفة تمامًا، حتى لو حققوا إنجازات أكبر داخل الملعب.
كارلوس كيروش قاد منتخب مصر إلى نهائي كأس الأمم الإفريقية، وخسر اللقب بركلات الترجيح، كما ودّع تصفيات كأس العالم بنفس السيناريو، وحقق المركز الرابع في كأس العرب، كل ذلك كان خلال حوالي 7 أشهر فقط بين تقديمه مديرًا فنيًا جديدًا، ورحيله من الباب الضيق!

رغم ذلك، لم يُحتسب له أي “نجاح” على غرار ما جرى مع حسام حسن، بل عومل كمسؤول عن إخفاقات المنتخب، رغم أنه حقق انتصارات مهمة مثل الفوز على السنغال 1-0 في القاهرة قبل الخسارة الإيابية في داكار بنفس النتيجة وتوديع تصفيات المونديال، ولم يحصل على فرصة أكبر لبناء مشروع طويل الأمد.
ما يثير التساؤل هو أن نفس المنطق نفسه يتم تبنيه من جانب الجهاز الفني، ومن الإعلام، وحتى الجماهير، حين يُقال إن نصف النهائي إنجاز؛ في حين أن المنتخب نفسه، بحسب الأداء، لم يقدم أي شيء يبرر هذا الوصف، خصوصًا في المواجهات الحاسمة، حيث افتقد الفريق المبادرة، وتراجع الأداء إلى حدّ سلبي، مع اعتماد شبه كامل على أخطاء المنافس أو الحلول الفردية.
المفارقة تكمن في الجمع بين خطاب “الأفضل في إفريقيا” واعتبار نصف النهائي إنجازًا، دون وجود أداء يُقنع أو يُبرر هذا الادعاء، هنا يبرز سؤال منطقي وبسيط: هل يُقاس النجاح بالأرقام فقط، أم بالأداء والهوية والقدرة على المنافسة الفعلية؟
حجة الإمكانيات.. إلى أي مدى تصمد؟
قد يكون من السهل تبرير تراجع المستوى بالحديث عن محدودية إمكانيات بعض اللاعبين، أو غياب العدد الكافي من المحترفين القادرين على مقارعة كبار القارة السمراء، وهي حجج تُطرح كثيرًا في النقاش العام حول منتخب مصر.
لكن هذه المبررات تفقد جزءًا كبيرًا من وجاهتها عند النظر إلى عامل الزمن، حسام حسن تولى القيادة الفنية للمنتخب منذ قرابة عامين، أي ما يزيد عن 700 يوم على رأس الجهاز الفني، وهي فترة كافية، بل وأكثر، لترك بصمة واضحة على مستوى التطوير الفني، سواء على صعيد الأداء الجماعي أو على مستوى الأفراد.

خلال هذه الفترة الطويلة، لم ينجح الجهاز الفني في إحداث تطور ملموس في مستوى اللاعبين الأساسيين، سواء من حيث اتخاذ القرار داخل الملعب، أو تنوع الأدوار، أو القدرة على تنفيذ أفكار تكتيكية أكثر تعقيدًا. الأداء بدا ثابتًا، بل أحيانًا متراجعًا، دون مؤشرات حقيقية على بناء مشروع طويل المدى.
الأكثر إثارة للتساؤل أن التشكيلة الأساسية ظلت شبه ثابتة، مع غياب واضح لدماء جديدة قادرة على كسر الرتابة أو فرض واقع مختلف. لم تظهر أسماء شابة تفرض نفسها، ولم يتم توسيع قاعدة الاختيارات بشكل يعكس عملًا منهجيًا على المدى المتوسط.
هنا يصبح من الصعب تحميل المسؤولية كاملة لإمكانيات اللاعبين وحدها، لأن دور المدرب لا يقتصر على اختيار الأفضل المتاح فقط، بل يمتد إلى تطوير الموجود، ورفع سقف الأداء، وخلق حلول بديلة عندما تصل المجموعة إلى حدودها القصوى.
وبينما قد تكون الموارد البشرية محدودة، فإن غياب التطوير وغياب التجديد يضعان علامات استفهام حول قدرة المشروع الحالي على القفز خطوة للأمام، خصوصًا في مواجهة منتخبات استطاعت، بإمكانيات قريبة، أن تبني فرقًا أكثر وضوحًا وتنوعًا.
بعد أكثر من 700 يوم على رأس القيادة الفنية، يصبح السؤال مشروعًا ومباشرًا، هل ما وصل إليه منتخب مصر هو أقصى ما يمكن تحقيقه بهذه المجموعة؟ أم أن المشكلة أعمق وتتعلق بغياب رؤية تطوير حقيقية؟