طوق النجاة في شتاء 2026.. كيف يخطط الاتحاد لحل أزمته بـ “لعبة التبادل”؟
يواجه نادي الاتحاد تحدياً معقداً في الميركاتو الشتوي الجاري، حيث تجد إدارة “العميد” نفسها محاصرة بين مطرقة النتائج المتذبذبة وسندان اللوائح المالية الصارمة التي تحد من القدرة على إبرام صفقات شراء ضخمة بالكاش. وفي ظل هذا المشهد الضبابي، يبدو أن مسيري القرار في النادي الغربي قد اهتدوا إلى “طوق نجاة” ذكي قد يقلب الموازين، يتمثل في تفعيل نظام “الصفقات التبادلية” مع كبار المنافسين.
هذه الاستراتيجية لم تأتِ من فراغ، بل فرضتها الحاجة الماسة لترميم صفوف الفريق الذي يقوده البرتغالي سيرجيو كونسيساو، والذي يعاني من ثغرات واضحة في العمق الدفاعي ووسط الميدان. فبدلاً من استنزاف الخزينة في صفقات قد تكلف عشرات الملايين، اتجه التفكير نحو استغلال الأصول الموجودة في الفريق – أي اللاعبين الذين قد لا يمانع المدرب في رحيلهم – لمقايضتهم بنجوم محليين جاهزين من أندية الصندوق الأخرى.
وتشير التحركات الأخيرة في الكواليس إلى أن الاتحاد قرر طرق أبواب العاصمة بقوة، مستهدفاً قطبي الرياض (الهلال والنصر) في مفاوضات جريئة ومعقدة. الهدف منها ليس مجرد بيع وشراء، بل إعادة تدوير الجودة الفنية بما يخدم مصالح جميع الأطراف، في وقت تبحث فيه جميع الأندية عن سد النواقص قبل الدخول في معترك الحسم بالمراحل الأخيرة من الدوري وكأس الملك وآسيا.

وإذا ما نجحت هذه الخطة الجريئة، فإن الاتحاد لن يكتفي فقط بسد الثغرات المحلية، بل سيمهد الطريق لضربة كبرى في سوق الأجانب. فالتخلص من بعض الأحمال الفنية والمالية عبر المبادلات سيمنح “النمور” مساحة للحركة والمناورة للتعاقد مع اسم عالمي جديد، ليكون بمثابة “الكريزة” التي تزين كعكة الميركاتو الشتوي، وتعيد الفريق لسكة الأمجاد التي تنتظرها جماهير “الذهب”.
مفاوضات “الأول بارك”.. العمري مقابل “السهم” الفرنسي
أولى حلقات هذا المسلسل المثير بدأت برغبة اتحادية ملحة في تدعيم الخط الخلفي، حيث وقع اختيار كونسيساو على المدافع الدولي عبد الإله العمري، لاعب نادي النصر. التحرك الاتحادي كان سريعاً بإرسال عرض رسمي لضم اللاعب، مستغلين ربما عدم مشاركته بصفة مستمرة ورغبته في اللعب أساسياً لضمان مكانه في المنتخب، إلا أن رد “العالمي” جاء مفاجئاً وبسقف طموحات مرتفع للغاية.
إدارة النصر، بقيادة المدرب البرتغالي خورخي جيسوس، لم ترفض العرض، لكنها وضعت شرطاً فنياً قاسياً للموافقة، وهو الحصول في المقابل على خدمات الجناح الفرنسي الطائر موسى ديابي. جيسوس يرى في ديابي القطعة الناقصة التي ستضيف سرعة خيالية لهجومه الناري، خاصة في التحولات، وهو ما جعل المفاوضات تتحول من مجرد طلب شراء مدافع إلى صفقة تبادلية من العيار الثقيل قد تغير شكل الفريقين.
هذه المقايضة تضع الاتحاديين في حيرة؛ فالتفريط في ديابي يعتبر تضحية كبيرة بقيمة فنية وتسويقية عالية، ولكنه في المقابل سيجلب لهم “قائداً” للدفاع عانى الفريق بدونه طويلاً. إذا تمت هذه الصفقة، فسيكون الاتحاد قد أغلق صداع الدفاع المزمن بصفقة محلية (لا تشغل خانة أجنبي)، بينما يحصل النصر على جناح عالمي يعزز ترسانته الهجومية.
صراع مع إنزاجي.. العبود مفتاح “الدينامو” كنو
على الجانب الآخر من العاصمة، تدور معركة تفاوضية لا تقل شراسة مع نادي الهلال. بطل القصة هنا هو المدرب الإيطالي سيموني إنزاجي، الذي أبدى إعجابه بقدرات الجناح الاتحادي عبد الرحمن العبود، طالباً ضمه لتعزيز خياراته على الأطراف. وكما فعل النصر، لم يفوت الاتحاد الفرصة لتحويل هذا الاهتمام إلى مكسب فني استراتيجي، بدلاً من الاكتفاء بالمقابل المادي.
الرد الاتحادي جاء فورياً ومباشراً: “تريدون العبود؟ نحن نريد محمد كنو”. إدارة الاتحاد تدرك تماماً أن وسط ملعبها يحتاج إلى القوة البدنية والطول الفارع والقدرة على الزيادة العددية التي يمتلكها “كنو”. هذه الصفقة التبادلية تبدو مثالية للطرفين على الورق؛ فالهلال يحصل على جناح سريع يناسب خطط إنزاجي، والاتحاد يحصل على “وحش” في الوسط يعيد الهيبة لمنطقة المناورات.
المفاوضات هنا قد تكون أكثر تعقيداً نظراً لأهمية كنو في تشكيلة الهلال، لكن رغبة إنزاجي في ضم جناح إضافي قد تكون العامل الحاسم. نجاح الاتحاد في إتمام هذه المبادلة سيعني ترميم خط الوسط بلاعب دولي خبير، دون دفع مبالغ طائلة، ودون خسارة خانة أجنبي، وهو قمة الذكاء الإداري في التعامل مع “الزائدين عن الحاجة” لتحقيق مكاسب فنية كبرى.
تضحية “سيميتش”.. والتمهيد للصفقة الكبرى في الاتحاد
كل هذه التحركات التبادلية (العمري وكنو) تصب في مصلحة هدف واحد أكبر: إفساح المجال لصفقة أجنبية “سوبر”. المدرب كونسيساو حسم أمره بشأن المدافع الصربي الشاب يان كارلو سيميتش، الذي بات خارج الحسابات تماماً وعلى أعتاب الرحيل، سواء بالإعارة أو البيع النهائي، بعد فشله في إقناع الجهاز الفني خلال النصف الأول من الموسم.
خروج سيميتش سيحرر خانة لاعب أجنبي (أو خانة مواليد يمكن استبدالها بأجنبي حسب اللوائح المرنة)، وهنا تكمن عبقرية خطة التبادل. فلو نجح الاتحاد في ضم “العمري” (مدافع محلي) و”كنو” (وسط محلي) عبر المقايضة، فلن يكون مضطراً للتعاقد مع أجانب في هذه المراكز. وبالتالي، يمكن توجيه كامل الميزانية والخانة الشاغرة للتعاقد مع مهاجم عالمي أو صانع ألعاب من الطراز الرفيع.
بهذا السيناريو، يكون الاتحاد قد ضرب عدة عصافير بحجر واحد: تخلص من لاعبين غير أساسيين (أو يمكن تعويضهم)، دعم مراكز الضعف (الدفاع والوسط) بأفضل العناصر المحلية المتاحة، ووفر خانة وسيولة مالية لجلب نجم أجنبي يصنع الفارق. إنها “لعبة شطرنج” يمارسها الاتحاد في شتاء 2026، وإذا نجحت، فقد نرى “العميد” بوجه مرعب في النصف الثاني من الموسم.