قرية نائية والعمل بلا راتب.. كيف أصبح باجو مدرب منتخب الكاميرون؟
في كرة القدم الإفريقية، لا يصل الجميع إلى القمة عبر الأضواء، بعضهم يصل مشيًا على طرقٍ وعرة، محمّلًا بالصبر أكثر من الطموح، وبالإيمان أكثر من العقود، ديفيد باجو واحد من هؤلاء، مدرب لم يأتِ إلى مقعد منتخب الكاميرون لأنه الأعلى صوتًا، بل لأنه الأكثر صبرًا.
باجو، المدير الفني الحالي للأسود غير المروّضة، يُعد من الأسماء التي لم تحصل على ما تستحقه من تقدير، رغم أن رحلته وحدها تصلح لأن تكون درسًا كاملًا في معنى الانتماء، لم يكن مدربًا عابرًا فرضته الظروف، بل رجلًا اختبر كل ما يمكن أن يكسره… ولم ينكسر.
مدرب منتخب الكاميرون.. من المجد المحلي إلى الظل
قبل سنوات من دخوله أروقة المنتخب، كان باجو اسمًا لامعًا في الكرة الكاميرونية المحلية، قاد فريق بي دبليو دي بامندا للتتويج بلقب الدوري عام 2020، ثم أضاف كأس الكاميرون إلى خزائنه في 2021، إنجازات صنعت له احترامًا واسعًا، لكنها لم تمهّد له طريقًا مفروشًا بالورود.

حين دخل عالم منتخب الكاميرون، وجد نفسه في قلب صراع أكبر من كرة القدم، صراع سلطة بين الاتحاد الكاميروني ووزارة الرياضة، جعل الجهاز الفني ساحة تصفية حسابات، لا مكانًا للعمل الهادئ.
القرية التي اختبرت الإيمان
في إحدى أكثر اللحظات قسوة، تم تعيين باجو مساعدًا للمدرب البلجيكي مارك بريس، قبل أن تصدر أوامر مفاجئة من الوزارة بنقله إلى قرية نائية على الحدود مع الكونغو، رحلة تستغرق يومين كاملين من منزله، وكأنها قرار بنفي صامت.
لم يكن النقل مجرد تغيير مكان، بل كان إبعادًا متعمدًا، تهميشًا قاسيًا، ورسالة غير مكتوبة مفادها: “مكانك ليس هنا”، ومع ذلك، لم يغادر، ولم يحتج، ولم يتحدث للإعلام، اختار الصمت… والعمل.
ستة أشهر بلا راتب… ولا شكوى
الأقسى لم يكن الموقع، بل الواقع، عمل باجو قرابة ستة أشهر دون أن يتقاضى راتبه، بعد أن حجبت الوزارة مستحقاته، ستة أشهر من العمل المجاني، في مهنة تُقاس عادة بالأرقام والعقود، لكنه كان يقيسها بشيء آخر: خدمة الوطن.
Singing, dancing, and ready to roar. 🇨🇲#TotalEnergiesAFCON2025 pic.twitter.com/W33M6XLVjU
— TotalEnergies AFCON 2025 (@CAF_Online) December 28, 2025
لم يُسمع له تصريح غاضب، ولا شكوى علنية، كان حضوره ثابتًا، كأن الراتب تفصيلة، وكأن الكاميرون هي العقد الحقيقي الذي وقّع عليه.
وسط وجود جهازين فنيين متوازيين، وقوائم مختلفة، واستعداد مضطرب قبل كأس الأمم الإفريقية 2025، برز اسم باجو فجأة… لا كحل مؤقت، بل كضرورة، تم تثبيته مدربًا رسميًا، ليقود منتخبًا يبحث عن الاستقرار قبل النتائج.
تحت قيادته، وصل منتخب الكاميرون إلى الأدوار الإقصائية، وبدأ في إعادة ترتيب الفريق، مع الاعتماد على أسماء بارزة مثل برايان مبويمو، في محاولة لإعادة الروح قبل التكتيك.
مدرب منتخب الكاميرون الذي يُنصت قبل أن يأمر
داخل غرفة الملابس، لا يُعرف باجو بالصراخ ولا بالاستعراض، يصفه اللاعبون بالتواضع والاتزان، مدرب يستمع أكثر مما يتحدث، ويكسب احترام اللاعبين بخُلُقه قبل أفكاره. لا يفرض سلطته، بل يبنيها بهدوء.
« Tous les camerounais sont derrière nous et c’est ça le plus important. »
— The Cameroonian 🇨🇲 (@TheCameroonianZ) January 3, 2026
🎙️ David Pagou, @LIndomptables #Cameroon #TotalEnergiesAFCON25 pic.twitter.com/cB3G8rKpmw
خبرته المحلية منحته قدرة على تشكيل فرق منضبطة، تعرف واجباتها، وتعمل كجماعة، واليوم، مهمته أكبر من الفوز بمباراة: توحيد منتخب أنهكته الصراعات، وإعادته إلى صورته التي تليق بتاريخه.
قصة ديفيد باجو ليست عن منصب، بل عن ثبات، عن رجل ذهب إلى قرية نائية، وعمل بلا راتب، وانتظر بلا ضجيج، حتى وجد نفسه أخيرًا حيث يستحق… في زمن تُشترى فيه الفرص، وصل باجو لأنه لم يبع نفسه… ولا بلده.