ألمانياالدوري الإيطالي365TOPتقارير ومقالات خاصة

بعد ألف يوم من الغياب.. كيف غيرت الإصابة مسيرة فولكروج للأفضل؟

لم تكن كرة القدم يومًا ساحة عادلة، لكنها أحيانًا تختار أن تمنح فرصها بأقسى الطرق الممكنة، نيكلاس فولكروج لم يولد نجمًا، ولم يتدرّج في أكاديمية أسطورية، بل شق طريقه من الهامش، محمّلًا بالألم والتوقفات والشكوك، المفارقة أن الشيء الذي كاد يضع نقطة النهاية لمسيرته، كان نفسه السبب في إعادة صياغتها من الجذور، ليظهر فولكروج لاحقًا كأحد أكثر المهاجمين إثارة للدهشة في الكرة الأوروبية الحديثة.

على امتداد مسيرته، خاض فولكروج حربًا طويلة مع جسده، أكثر من ألف يوم غياب بسبب الإصابات، و156 مباراة تبخّرت من عمره الكروي، أرقام لا تكسر الجسد فقط، بل تختبر العقل والإيمان قبل أي شيء آخر، لم تكن إصابة واحدة يمكن تجاوزها، بل سلسلة متلاحقة من الانتكاسات جعلت الاستمرارية حلمًا بعيد المنال، وحوّلته في أعين الجميع إلى لاعب “غير مضمون”، موهبة معلّقة دائمًا بشرط السلامة البدنية.

في تلك المرحلة، لم يكن فولكروج نجمًا ولا حتى اسمًا ثابتًا في التشكيل، بل مهاجمًا يقاتل من أجل البقاء، كل عودة كانت تبدو كفرصة أخيرة، وكل بداية جديدة تنتهي سريعًا بخيبة أخرى، القدم التي يفترض أن تكون سلاحه الأقوى بدت مثقلة ومهزوزة من كثرة الإصابات، والجسد بدا عاجزًا عن مجاراة إيقاع كرة القدم الحديثة، كان مستقبله معلقًا بين الاستمرار القسري والانسحاب الصامت، إلى أن جاءت اللحظة التي لم تغيّر مساره فقط، بل أعادت تعريفه كلاعب وكإنسان.

الإصابة الأخيرة لفولكروج.. المفارقة التي غيّرت المسار

لم تكن الإصابة الأخيرة مجرد حلقة جديدة في سلسلة الألم المعتادة، بل كانت لحظة كاشفة، مفترق طرق حقيقي أعاد ترتيب كل شيء، حين سقط فولكروج هذه المرة، لم ينظر إلى الأمر كضربة حظ سيئة أخرى، بل كرسالة لا يمكن تجاهلها، أدرك أن العودة بالطريقة نفسها لم تعد خيارًا، وأن الإصرار على النسخة القديمة من جسده هو الطريق الأسرع للنهاية، لا للبقاء.

خلال فترة التوقف بسبب الإصابة، تغيّر منظور فولكروج بالكامل، لم يعد سؤال “متى أعود؟” هو الأهم، بل “كيف أعود؟”.. دخل مرحلة تأهيل مختلفة، أعاد فيها بناء جسده بعقلية جديدة، وزن مختلف، وتوازن بدني لم يختبره من قبل، بدلًا من محاولة استعادة سرعة فقدها أو قوة لم تعد مضمونة، عمل على استغلال المساحات، تحسين التحركات، وفهم جسده وحدوده بشكل أدق.

كانت تلك اللحظة الفارقة، المرة الأولى التي يتوقف فيها عن محاربة الواقع، ويبدأ في التعايش معه بذكاء، تصالح مع ما خسره، ففتح لنفسه بابًا لما يمكن اكتسابه، ومن هنا، لم تعد الإصابة عائقًا، بل تحولت إلى نقطة انطلاق، إلى مفارقة غيّرت المسار بالكامل، وصنعت فولكروج الجديد الذي لم يكن ليولد لولا هذا التوقف القاسي.

مهاجم أكثر ذكاءً.. كيف غيرت الإصابة مسيرة فولكروج

هنا تكمن المفارقة الحقيقية، حين انقلبت النقمة إلى نعمة، وتحولت اللعنة التي تطارد أغلب لاعبي العالم إلى صديق وفيّ للمهاجم الألماني، الإصابة، التي غالبًا ما تُقصي اللاعبين من المشهد، أصبحت لدى فولكروج نقطة إعادة ضبط شاملة، التغيير البدني لم يكن مجرد فقدان أو زيادة وزن، بل كان إعادة تعريف كاملة لطريقة وجوده داخل الملعب.

فولكروج بدأ يتدرب بعقلية مختلفة تمامًا، لم يعد التركيز على الاندفاع أو القوة المباشرة، بل على التوازن، قراءة اللعب، واختيار التمركز المثالي، صار يتحرك أقل، لكن بفاعلية أكبر، لم يعد يراهن على سباق السرعة مع المدافعين، بل على التوقيت، على الخطوة الواحدة الصحيحة التي تفتح مساحة أو تصنع فرصة، وهنا تحديدًا أصبح اختراق الدفاعات مسألة ذكاء، لا مجهود بدني.

هو نفسه اعترف أن هذه المرحلة منحته فهمًا أعمق لجسده، ولحدوده، ولما يستطيع تقديمه دون أن يدمّر نفسه، لم يعد مهاجمًا يطلب الكرة باستمرار، بل مهاجمًا يعرف متى ينتظرها، متى يتحرك، ومتى يتوقف، ومتى يضرب بأقصى قسوة ممكنة، هذا النضج لم يأتِ مع السنوات فقط، بل خرج من رحم الإصابة ذاتها، كنتاج مباشر للألم والتوقف.

وقال فولكروج عن تلك المرحلة المفصلية:

لقد تغير الجانب البدني بسبب إصابتي الأخيرة، لقد وصلت إلى فئة وزن مختلفة وأتدرب بطريقة مختلفة تمامًا، هذا يمنحني خيارات أكثر لاختراق الدفاعات أثناء المباراة، وقد تعلمت ما يستطيع جسدي فعله

بهذا الفهم الجديد، لم يعد فولكروج مجرد مهاجم عاد من الإصابة، بل لاعب وُلد من جديد، بجسد أقل اندفاعًا، وعقل أكثر حسمًا، ونسخة أكثر اتزانًا.

فولكروج من الدرجة الثانية إلى قلب المشهد الألماني

قبل الانفجار الكبير، كان نيكلاس فولكروج يعيش بعيدًا تمامًا عن عدسات الضوء، لاعب في الدرجة الثانية مع هانوفر، ثم انتقال هادئ إلى فيردر بريمن، دون ضجيج أو توقعات، لم يكن أحد يضع اسمه في قائمة “المهاجمين القادمين”، ولم يكن مشروع نجم أو صفقة مستقبل، كان مجرد لاعب يحاول أن يجد لنفسه مكانًا في لعبة لا تنتظر المتأخرين.

لكن كرة القدم، كما تفعل دائمًا، تعيد ترتيب أوراقها في لحظة واحدة، موسم 2022 كان نقطة التحول الحقيقية، حين أصبح فولكروج هداف الدوري الألماني مع فيردر بريمن في وجود بايرن ميونخ بكامل نجومه، أن تسجل 16 هدفًا في فريق لا ينافس على اللقب أصلًا، فهذه ليست صدفة ولا ضربة حظ، هذا تتويج للاعب فهم حدوده، واستثمر كل فرصة، وعرف كيف يكون مؤثرًا دون أن يكون مبهرًا.

فولكروج – بوروسيا دورتموند – المصدر: Gettyimages

فولكروج لم يكن الأسرع ولا الأكثر مهارة، لكنه كان الأذكى داخل منطقة الجزاء، يعرف أين تقف الكرة، ومتى تتحرك، وكيف تقتل نصف الفرصة قبل أن تموت، تحوله إلى هداف أكد أن كرة القدم لا تكافئ دائمًا الأسماء اللامعة، بل تكافئ من يصبر، ويتعلم، ويؤمن بأن لحظته ستأتي مهما تأخرت.

فولكروجالمبارياتالأهدافالتمريرات الحاسمة
فيردر بريمن281625
أرقام فولكروج مع فيردر بريمن

ومن ثم أتت المرحلة التالية في مسيرة فولكروج، رحيل سباستيان هالير عن بوروسيا دورتموند فتح بابًا لم يكن مخططًا له، باب دخل منه فولكروج بثبات وثقة، لم يكن الخيار الجماهيري، ولا الاسم اللامع في السوق، لكنه كان الجاهز نفسيًا وبدنيًا، لاعب خرج لتوّه من أفضل نسخة في حياته، ويملك جوعًا لا يشبع لإثبات نفسه.

في دورتموند، لم يحتج فولكروج أكثر من موسم واحد ليؤكد أنه ليس حلًا مؤقتًا، تحوّل إلى رأس حربة يعتمد عليه فريق ينافس في القمة الأوروبية، وساهم في مشوار تاريخي وصل فيه الفريق إلى نهائي دوري أبطال أوروبا، لاعب كان قبلها بعام واحد فقط في الدرجة الثانية، أصبح فجأة في أكبر مسرح كروي في العالم.

فولكروجالمبارياتالأهدافالتمريرات الحاسمة
بوروسيا دورتموند431510
أرقام فولكروج مع بوروسيا دورتموند

قصة فولكروج هنا لم تعد قصة صعود لاعب فقط، بل قصة عدالة متأخرة، لاعب لم تسرقه الإصابات من حلمه، بل أعادته إليه بشكل مختلف، من الدرجة الثانية، إلى هداف البوندسليجا، إلى رأس حربة في نادٍ أوروبي كبير.. رحلة تؤكد أن كرة القدم قد تتأخر في الإنصاف، لكنها لا تنساه أبدًا.

موسم استثنائي ونهائي دوري أبطال أوروبا

ما قدمه نيكلاس فولكروج مع بوروسيا دورتموند لم يكن تفصيلاً عابرًا في موسم مزدحم، بل كان فصلًا كاملًا في قصة لاعب قرر أخيرًا أن يعيش لحظته، أهدافه لم تكن كثيرة فقط، بل كانت مؤثرة، تُسجل في التوقيت الصعب، وتمنح الفريق حلولًا حين تُغلق المساحات وتختفي الأفكار، حضوره البدني داخل الصندوق، وقدرته على تثبيت المدافعين وفتح المساحات لزملائه، جعلاه قطعة أساسية في منظومة دورتموند، خصوصًا في الليالي الأوروبية الثقيلة.

ومع توالي المباريات، وجد فولكروج نفسه في مكان لم يكن يتخيله حتى في أكثر أحلامه جرأة: نهائي دوري أبطال أوروبا على ملعب ويمبلي، أمام ريال مدريد، النادي الذي يُجسد معنى الهيبة القارية، المباراة انتهت بخسارة دورتموند بهدفين دون رد، لكن فولكروج خرج منها مرفوع الرأس، قاتل، ضغط، خلق مساحات، وكان حاضرًا ذهنيًا وبدنيًا حتى اللحظة الأخيرة، في مشهد لا يشبه على الإطلاق ذلك اللاعب الذي اعتاد الغياب والإصابات.

المفارقة هنا ليست في الخسارة، بل في الوصول ذاته، لاعب قضى سنوات بين غرف العلاج والشكوك، أصبح ينافس على أكبر لقب في كرة القدم الأوروبية، هذه القفزة لم تكن ضربة حظ، ولا صدفة موسمية، بل ثمرة تحول عميق بدأ من لحظة الألم، ومر بإعادة اكتشاف الجسد، وانتهى بثقة لاعب يعرف أخيرًا من هو، وماذا يستطيع أن يقدم. فولكروج لم يخسر النهائي.. بل ربح نفسه.

فولكروج من مشجع إلى بطل.. لحظة كأس العالم

اللحظة الأكثر إنسانية في مسيرة نيكلاس فولكروج لم تكن هدفًا في الدوري، ولا ظهورًا أوروبيًا كبيرًا، بل تلك الثواني التي وقف فيها أمام شباك إسبانيا بقميص المنتخب الألماني، قبلها بسنوات، كان فولكروج يشاهد كأس العالم كمشجع عادي، من المدرجات أو أمام شاشة التلفزيون، بلا أي شعور بأنه يومًا ما سيكون جزءًا من هذا المشهد، لم يكن ضمن الحسابات، ولم يكن اسمًا يُتداول في النقاشات الكبرى.

ثم جاءت كأس العالم 2022، وجاءت معها مباراة إسبانيا، في توقيت كان المنتخب الألماني فيه على حافة الخروج المبكر بعد السقوط أمام اليابان في الافتتاح، ضغط، توتر، شك، وتاريخ كامل يوشك أن يُهدد، في تلك اللحظة، ظهر فولكروج، وسجّل هدف التعادل الذي أنقذ ألمانيا في الدقيقة 83، هدف لم يكن مجرد كرة في الشباك، بل صرخة وجود لاعب انتظر طويلًا دوره في الحياة قبل كرة القدم.

نيكلاس فولكروج – المصدر (Getty images)

ذلك الهدف اختصر أكثر من ألف يوم غياب، ومئات الساعات من الألم والشك، لم يكن إعلان موهبة، بل إعلان استحقاق، فولكروج لم يصل بالصدفة، ولم يُستدعَ كحل مؤقت، بل فرض نفسه في اللحظة التي لا ترحم إلا من يستحق، كانت تلك اللحظة هي ميلاد فولكروج الجديد على المسرح العالمي، لاعب لا يحمل قصة إصابة فقط، بل قصة صبر.

ميلان وفولكروج.. فصل جديد في قصة متأخرة

اليوم، يفتح فولكروج صفحة جديدة بقميص ميلان بعد سلسلة من الإصابات مع وست هام، نادٍ يعرف جيدًا معنى القصص المتأخرة والعائدين من الألم، أول مباراة كانت بعد إصابة ، أداء قوي، حضور واضح، وثقة لاعب لا يبدو عليه أنه جاء ليكمل عددًا أو يمر مرور الكرام. هناك إحساس بأن هذا المهاجم، رغم كل ما مر به، لا يزال يملك ما يقوله داخل الملعب.

مسيرته الحقيقية لم تبدأ في سن التاسعة عشرة ولا الثانية والعشرين، بل في التاسعة والعشرين، حين فهم جسده، وتصالح مع محدوديته، وحوّلها إلى قوة، كأن كل ما سبق كان مجرد تمهيد لهذه المرحلة، وكأن التأخير لم يكن عقابًا، بل إعدادًا نفسيًا وذهنيًا لما هو آتٍ.

قصة نيكلاس فولكروج ليست عن لاعب تحدى الإصابة فقط، بل عن إنسان أدرك أن الانكسار قد يكون إعادة تشكيل، وأن الطريق الأطول أحيانًا هو الطريق الصحيح، في عالم يلهث خلف النجومية السريعة، جاء فولكروج ليقول إن الوصول المتأخر لا يقل قيمة… بل قد يكون أكثر صدقًا.

كرة القدم كما في الحياة.. وفولكروج الشاهد الأول

ليست الهزيمة دائمًا في السقوط، بل في الإصرار على الوقوف بطريقة خاطئة، نيكلاس فولكروج لم ينتصر لأنه الأقوى أو الأسرع، بل لأنه توقّف في اللحظة المناسبة، وأعاد اكتشاف نفسه بعيدًا عن وهم النسخة المثالية التي طاردها لسنوات، الإصابات التي أنهكت جسده، والغياب الطويل عن الملاعب، لم تكن عقوبة بقدر ما كانت رسالة، فرصة لإعادة التعلم وإعادة البناء.

قصته تطرح سؤالًا أعمق من مجرد أهداف وأرقام: ماذا لو كان الألم رسالة لا عقوبة؟ ماذا لو كانت الإصابات، بكل قسوتها، اللغة الوحيدة التي أجبرت هذا اللاعب على فهم جسده وحدوده، ومنحته وعيًا لم يكن ليكتسبه وهو سليم؟ كل توقف، كل جلسة علاج، كل مرحلة تأهيل، شكلت حجر أساس لبناء مهاجم ذكي يعرف متى يتحرك، ومتى يصنع الفرص، ومتى يصنع الفارق.

اليوم، فولكروج لم يُبعث من جديد فقط، بل وُلد لأول مرة حين تخلّى عن استعجال النجاح، وقبل أن مسيرته لا تشبه مسارات النجوم التقليدية، حضوره مع ميلان صادق، خالٍ من الادعاء، مهاجم يلعب وكأنه يعرف أن كل مباراة قد تكون الأخيرة، فيمنحها كل ما يملك دون خوف، وهنا تكمن أعظم مفارقة: اللاعب الذي تأخر في الوصول، وصل أكثر نضجًا من كثيرين سبقوه، والرجل الذي حُرم من البدايات اللامعة، نال في النهاية ما هو أثمن.. معنى الرحلة نفسها.

منصور مجاهد

صحفي مصري منذ 2019، خريج إعلام القاهرة، شغوف بكرة القدم الإنجليزية وصناعة التقارير العميقة، مقدم برامج ومعلق صوتي بخبرة أكثر من 7 سنوات بمجال الإعلام.