الأهليالدوري المصري365TOPالأهلي المصري

بلعمري بين الجاهزية والثقة.. كيف تحوّل مركز الظهير الأيسر إلى عقدة في الأهلي

يقال إن الحاجة أم الاختراع، مقولة وُلدت من رحم العجز، من لحظة اضطرار لا تملك فيها بديلًا، فتُجبر على الابتكار، في كرة القدم، كثيرًا ما تتحول هذه الفكرة إلى واقع حين تضرب الإصابات مركزًا حساسًا أو تتراكم الغيابات، فيلجأ المدرب إلى حلول غير تقليدية، لكن المفارقة في حالة الأهلي الحالية أن الحاجة موجودة فعلًا، بينما يبدو الاختراع بلا سبب واضح، وكأن الأزمة لم تُفرض فرضًا، بل صُنعت بقرار.

الأهلي يدخل مباراة جديدة أمام البنك الأهلي وهو يعاني نقصًا صريحًا في مركز الظهير الأيسر، مركز كان لسنوات أحد أعمدة الاستقرار داخل الفريق، ومصدر قوة تكتيكية لا غنى عنها، هذا الفراغ لا يرتبط فقط بعدد اللاعبين، بل بتأثير المركز نفسه في بناء اللعب والتحول الهجومي، ورغم ذلك، يتكرر استبعاد يوسف بلعمري للمباراة الثانية على التوالي، في وقت لا يملك فيه الفريق سوى خيار واحد تقريبًا، ما يحوّل القرار من مجرد اختيار فني إلى علامة استفهام ثقيلة.

ما موعد مباراة الأهلي ضد وادي دجلة والقنوات الناقلة في الدوري المصري 2026؟
الأهلي (تصوير: مصطفى الشحات)

هنا يبدأ السؤال الحقيقي في الظهور: هل المشكلة في جاهزية بلعمري أم في الثقة به؟ إذا كان اللاعب غير جاهز بدنيًا أو فنيًا، فلماذا تم التعاقد معه من الأساس، ولماذا شغل مقعدًا أجنبيًا ثمينًا في القائمة؟ وإذا كان جاهزًا، فلماذا لا يُمنح الفرصة في مركز يعاني من نقص واضح؟ هذا التناقض هو ما يجعل مركز الظهير الأيسر يبدو كعقدة مزمنة، لا تُحل بالصفقات، بل تتعقد بالقرارات.

الأزمة لا تتعلق بيوسف بلعمري وحده، بل بمنظومة اتخاذ القرار داخل الأهلي، منذ رحيل علي معلول، والمركز يبحث عن بديل حقيقي، وكل محاولة جديدة تُفتح معها دائرة شكوك جديدة، ومع كل استبعاد غير مفهوم، تتعمق الفجوة بين الحاجة والحل، في فريق بحجم الأهلي، لا يكفي أن تمتلك اللاعب، بل يجب أن تملك القناعة به، لأن غياب الثقة في مركز حساس كهذا قد يكون أخطر من غياب اللاعب نفسه.

يوسف بلعمري - منتخب المغرب (تصوير عمر الناصري)
يوسف بلعمري – منتخب المغرب (تصوير عمر الناصري)

الاستبعاد الثاني ليوسف بلعمري.. قرار يتجاوز كونه فنيًا

استبعاد يوسف بلعمري من قائمة الأهلي لمواجهة البنك الأهلي في الجولة السابعة عشرة من الدوري المصري الممتاز لا يمكن التعامل معه كتفصيلة عابرة، هو الاستبعاد الثاني على التوالي للاعب، وهو تكرار كافٍ لتحويل القرار من مجرد رؤية خاصة بمباراة إلى مؤشر واضح على موقف فني ممتد، يفتح باب الجدل حول مستقبل اللاعب داخل المنظومة.

الأكثر إثارة للتساؤل أن قائمة الأهلي للمباراة تخلو عمليًا من أي حلول في مركز الظهير الأيسر سوى محمد شكري فقط، لاعب يملك خبرات قليلة وحديث السن، ويظل خيارًا وحيدًا في مركز معروف بحساسيته البدنية والتكتيكية، ويحتاج دائمًا للتدوير، خاصة في ظل ضغط المباريات، غياب البدائل لا يضع عبئًا على اللاعب وحده، بل يقيّد المدرب نفسه، ويجعل أي ظرف طارئ مخاطرة حقيقية.

يوسف بلعمري - الرجاء (تصوير عمر الناصري)
يوسف بلعمري – الرجاء (تصوير عمر الناصري)

في مثل هذا السيناريو، لا يعود استبعاد بلعمري مسألة فنية بسيطة، بل يتحول إلى لغز، إذا كان اللاعب غير جاهز بدنيًا، فلماذا استمر في القائمة منذ البداية؟ وإذا كانت المشكلة فنية أو تكتيكية، فلماذا لا يُمنح فرصة في وقت يعاني فيه الفريق من نقص صريح؟ القرار هنا يبدو وكأنه يتجاوز حدود مباراة بعينها، ويدخل في إطار قناعة عامة بالجودة أو الجاهزية.

وهنا تتسع دائرة الأسئلة بدلًا من أن تضيق، هل الجهاز الفني بقيادة توروب غير مقتنع ببلعمري من الأساس؟ وهل كان التعاقد معه خيار إدارة أكثر منه خيار مدرب؟ أم أن هناك أسبابًا داخلية لم تُعلن بعد؟ في كل الأحوال، الاستبعاد الثاني يضع اللاعب تحت المجهر، ويضع الجهاز الفني بدوره أمام تساؤلات مشروعة، لأن تجاهل لاعب في مركز شاغر لا يمكن أن يمر دون تفسير.

ييس توروب - الأهلي - تصوير: مصطفى الشحات
ييس توروب – الأهلي – تصوير: مصطفى الشحات

لماذا تعاقد الأهلي مع بلعمري من الأساس؟

السؤال الأكثر منطقية، وربما الأكثر إيلامًا في هذا الملف هو: لماذا تعاقد الأهلي مع يوسف بلعمري من الأساس؟ حين أُعلن عن الصفقة، قُدِّمت باعتبارها حلًا مباشرًا لأزمة مزمنة في مركز الظهير الأيسر، أزمة تفجّرت منذ رحيل علي معلول في ظروف غامضة لم تُغلق فصولها حتى الآن، الأهلي لم يكن يبحث عن رفاهية فنية أو تجربة محسوبة المخاطر، بل عن ضرورة ملحّة، عن لاعب قادر على سد فراغ واضح ومؤلم.

يوسف بلعمري لم يأتِ كمشروع مستقبلي أو موهبة تحتاج للصقل، بل كمحترف جاهز، أُحضر تحديدًا ليكون حلًا فوريًا، لاعب يُفترض أن يدخل التشكيل أو على الأقل حسابات المباريات، خاصة في أوقات العجز، وعندما لا يحدث ذلك، وعندما يُستبعد في لحظة الحاجة القصوى، تتحول الصفقة من حل منتظر إلى علامة استفهام ثقيلة.

يوسف بلعمري وجمال حركاس

المسألة هنا تتجاوز فكرة المشاركة من عدمها، بلعمري يشغل مقعدًا أجنبيًا في قائمة الأهلي، وهو مقعد شديد القيمة، كان يمكن توظيفه في مركز آخر يعاني، أو في لاعب يملك ثقة الجهاز الفني الكاملة، تجاهل هذا البُعد يجعل السؤال أكثر حدة: هل كان التعاقد مبنيًا على قناعة فنية حقيقية، أم أنه قرار إداري لم يجد طريقه إلى الملعب؟ وفي كلتا الحالتين، يدفع الفريق ثمن غياب الانسجام بين القرار والتنفيذ.

بلعمري وقناعات المدرب.. بين الرؤية والرسالة

منذ لحظة توليه المهمة، بدا ييس توروب حريصًا على ترسيخ بصمته الخاصة داخل الأهلي، وهو حق مشروع لأي مدرب جديد يسعى لإعادة ترتيب الأوراق وفرض منطقه الفني، لكن في نادٍ بحجم الأهلي، لا تُقرأ القرارات فقط من زاوية الرؤية التكتيكية، بل من زاوية الرسائل التي تُرسلها لغرفة الملابس وللجمهور في آن واحد.

استبعاد يوسف بلعمري للمرة الثانية على التوالي، رغم النقص الواضح في مركز الظهير الأيسر، لا يمكن اعتباره تفصيلة عابرة، القرار يحمل أكثر من قراءة محتملة، وكلها ثقيلة الدلالة، إما أن توروب غير مقتنع باللاعب من الأساس، أو أن بلعمري فشل في إقناع المدرب خلال التدريبات، أو أن هناك اعتبارات داخلية لم تُعلن بعد وتتجاوز الجانب الفني البحت.

ما صفقات الأهلي الجديدة في الانتقالات الشتوية 2026؟
ييس توروب – الأهلي (تصوير: مصطفى الشحات)

في جميع السيناريوهات، تبقى النتيجة واحدة ومقلقة: لاعب أجنبي خارج الحسابات، مركز حساس بلا حلول كافية، وفريق يُجبر على إدارة المباريات بخيارات محدودة، في بطولة لا تعرف المجاملات ولا تمنح فرصًا للتجريب الطويل، وهنا، لا يصبح السؤال عن بلعمري فقط، بل عن منطق الإدارة الفنية للأزمة، وعن مدى انسجام الرؤية مع احتياجات الواقع داخل الملعب.

مركز الظهير الأيسر.. عقدة الأهلي المستمرة

لسنوات طويلة، لم يكن مركز الظهير الأيسر في الأهلي مجرد خانة داخل التشكيل، بل أحد أعمدة القوة والاستقرار، علي معلول حوّل هذا المركز إلى مصدر دائم للتفوق، لاعب لا يكتفي بالدور الدفاعي، بل يصنع الفارق هجوميًا، يسجل، يمرر، ويقود، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بالمركز أكثر من أي بديل محتمل.

رحيل معلول، في ظروف ظلت غامضة ومفتوحة للتأويل، ترك فجوة حقيقية لم تُغلق حتى الآن، الأهلي جرّب أكثر من اسم، غيّر اختياراته، حاول الترقيع أحيانًا والابتكار أحيانًا أخرى، لكن دون أن يصل إلى حالة الاطمئنان التي اعتادها في هذا المركز الحساس، كل موسم يبدأ والسؤال نفسه يفرض حضوره بقوة: من هو ظهير الأهلي الأيسر الحقيقي؟

علي معلول - الأهلي - تصوير: عمر ناصيري
علي معلول – الأهلي – تصوير: عمر ناصيري

يوسف بلعمري جاء في هذا السياق تحديدًا، صفقة كان من المفترض أن تُنهي حالة الجدل، لا أن تُعمّقها، لاعب أُحضر ليكون حلًا مباشرًا لأزمة قائمة، لا مشروعًا مؤجلًا ولا تجربة مفتوحة، ومع استبعاده المتكرر، يتحول مركز الظهير الأيسر من أزمة فنية إلى عقدة ذهنية، تفتح باب الشكوك حول التخطيط، والاختيارات، وقدرة الأهلي على استعادة الاستقرار في أحد أهم مفاتيح لعبه التاريخية.

قائمة الأهلي أمام البنك الأهلي.. الأرقام لا تكذب

لغة الأرقام في كرة القدم غالبًا ما تكون أكثر صدقًا من أي تبرير شفهي، قائمة الأهلي لمواجهة البنك الأهلي تكشف بوضوح أن الجهاز الفني لا يتحفظ على إشراك الصفقات الجديدة، بل على العكس، ضم 4 صفقات شتوية من أصل 6 يؤكد أن معيار المشاركة هو القناعة الفنية لا عامل الزمن أو حداثة الانضمام.

القائمة جاءت متوازنة في كل الخطوط تقريبًا، في حراسة المرمى حضر الشناوي وشوبير وحمزة علاء، وفي الدفاع تواجد ياسين مرعي وبيكهام والجزار إلى جانب محمد شكري ومحمد هاني وأحمد عيد، خط الوسط ضم بن رمضان ومروان عطية وديانج وزيزو وكريم فؤاد وكوكا، بينما حمل الخط الأمامي أسماء ثقيلة مثل تريزيجيه والشحات وبن شرقي وطاهر ومروان عثمان وكامويش.

وسط هذا الزخم، يبرز الغياب الوحيد اللافت: يوسف بلعمري، للمباراة الثانية على التوالي، غياب لا يمكن تفسيره بقلة الثقة في الصفقات الجديدة، ولا بمنطق التدرج، ولا حتى بازدحام المركز، الأرقام هنا لا تكذب، بل تطرح سؤالًا مباشرًا: لماذا يُستثنى بلعمري وحده من معادلة المشاركة، رغم الحاجة الواضحة لمركزه؟

بين الجاهزية والثقة.. أين يقف بلعمري؟

الفارق بين لاعب غير جاهز ولاعب غير موثوق قد يكون الفارق بين قرار قابل للتبرير، وأزمة مفتوحة بلا تفسير، اللاعب غير الجاهز يمكن إعداده، منحه وقتًا، وإدخاله تدريجيًا في المنظومة، أما اللاعب الذي لا يحظى بالثقة، فوجوده نفسه يصبح موضع شك، وهنا يقف يوسف بلعمري في منطقة رمادية مربكة، لا هو مصاب، ولا هو حاضر، ولا توجد رواية واضحة تشرح غيابه.

إذا كان بلعمري غير جاهز بدنيًا، يبقى السؤال المنطقي: لماذا تم قيده من الأساس؟ ولماذا يُترك مركز حساس بلا بدائل حقيقية؟ وإذا كانت المشكلة فنية، وقناعة المدرب غائبة، فالأمر أخطر، لأن الصفقة عندها لم تكن مبنية على رؤية مشتركة، بل على قرار منفصل لا يخدم اللحظة الحالية للفريق.

أشرف داري - أشرف بن شرقي - الأهلي - تصوير: مصطفى الشحات
أشرف داري – أشرف بن شرقي – الأهلي – تصوير: مصطفى الشحات

أما إذا كان اللاعب يحتاج وقتًا للتأقلم، فهنا يظهر التناقض الأكبر، الأهلي لا يلعب موسم بناء، ولا يملك ترف الانتظار، خصوصًا في مركز يعاني منذ رحيل علي معلول، كل سيناريو محتمل يقود إلى علامة استفهام جديدة، وكل غياب متكرر يعمّق الإحساس بأن الأزمة ليست في بلعمري وحده، بل في إدارة الفكرة من جذورها.

قرار يحتاج تفسيرًا قبل أن يتحول لأزمة

استبعاد يوسف بلعمري لم يعد مجرد اختيار فني عابر أو اجتهاد مدرب في قراءة مباراة، بل أصبح علامة استفهام ثقيلة في موسم لا يحتمل المزيد من الرماديات، الأهلي لا ينافس خصومه فقط داخل الملعب، بل يواجه ضغط الزمن، وضيق الخيارات، وتراكم الأسئلة التي لا تجد إجابات واضحة، ومع كل مباراة تمر، يتحول الغياب من تفصيلة صغيرة إلى ملف مفتوح.

الحاجة موجودة وبوضوح، لكن الاختراع هذه المرة بلا مبرر، عندما تمتلك لاعبًا في المركز، وتُعاني من نقص فيه، ثم ترفض استخدامه، فأنت لا تبحث عن حلول مبتكرة، بل تؤجل المواجهة مع المشكلة، التأجيل قد يمر مرة، أو مرتين، لكنه في نادٍ بحجم الأهلي يتحول سريعًا إلى أزمة رأي عام.

ويبقى السؤال معلقًا فوق رأس الجهاز الفني والإدارة: هل يعود بلعمري إلى الحسابات قريبًا؟ أم أن صفقة الظهير الأيسر ستنضم إلى قائمة الصفقات الغامضة التي لم تُفهم يومًا لا في توقيتها ولا في مصيرها؟ في الأهلي، هناك قرارات يمكن تجاوزها بالنقاط والانتصارات، وأخرى تبقى عالقة في الذاكرة… خاصة حين تتعلق بمركز لا يحتمل التجربة، ولا يسمح بالصمت.

منصور مجاهد

صحفي مصري منذ 2019، خريج إعلام القاهرة، شغوف بكرة القدم الإنجليزية وصناعة التقارير العميقة، مقدم برامج ومعلق صوتي بخبرة أكثر من 7 سنوات بمجال الإعلام.