بنفيكاجوزيه مورينيوقصص 365Scores365TOP

بذكريات الرابعة عشرة.. هل يسير ريال مدريد على الأشواك ويحصد دوري الأبطال؟

في ليالي أوروبا، لا تُكتب الحكايات بالحبر ولا تُحفظ في الأرشيفات، بل تُصاغ بالعرق المتصبّب، والدموع الصامتة، وتلك اللحظات التي تقف فيها كرة القدم عاجزة عن تفسير ما يحدث، ريال مدريد لا يدخل دوري أبطال أوروبا كغيره من الفرق؛ هو لا يطرق الباب بل يفتحه بثقل تاريخه، ويدخل وكأنه يعرف النهاية، حتى عندما يبدو الطريق مظلمًا ومستحيلاً.

ومع تعقّد المشهد الأوروبي هذا الموسم، وتشابه التفاصيل بشكل يثير الريبة، يعود شبح موسم 2022–2023 ليخيّم من جديد على القارة العجوز، نفس الضغوط الخانقة، نفس الاختبارات القاسية، ونفس الأسماء الثقيلة التي تقف في طريق الحلم، كأن الزمن قرر أن يمنح ريال مدريد نسخة مكررة من معركته المفضلة، ليختبر مرة أخرى قدرته على النجاة وسط الفوضى.

توربين - بنفيكا - ريال مدريد - دوري أبطال أوروبا - المصدر (Getty images)
توربين – بنفيكا – ريال مدريد – دوري أبطال أوروبا – المصدر (Getty images)

في ذلك الموسم، لم يكن ريال مدريد الفريق الأجمل ولا الأكثر استحواذًا، لكنه كان الأكثر صلابة وشخصية، كلما أُغلق باب، فتح نافذة، وكلما أعلن المنطق النهاية، كتب التاريخ بداية جديدة، كانت العودة أمام الكبار، والانتصار في أصعب اللحظات، دليلًا على أن هذا الفريق يملك شيئًا لا يُدرَّس ولا يُشترى: روح لا تموت.

واليوم، يتجدد السؤال ذاته، بنفس النبرة المشككة ونفس الخوف الخفي: هل يفعلها ريال مدريد من جديد؟ التاريخ يبتسم لأنه يعرف الإجابة، المنطق يصرخ رافضًا، أما ريال مدريد.. فلا يصغي إلا لصوتٍ واحد، صوت أمجاده، حين يناديه ليكرر الحكاية مرة أخرى.

ريال مدريد - بنفيكا - المصدر (Getty images)
ريال مدريد – بنفيكا – المصدر (Getty images)

ريال مدريد وقرعة لا تعرف الرحمة.. حين يبدأ الألم من جديد

في يوم الجمعة الماضي، لم تكن قرعة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم مجرد إجراء روتيني يُنجز على عجل، بل جاءت كصفعة درامية أعادت فتح جراح لم تلتئم بعد، قرعة قاسية، بلا شفقة، وضعت ريال مدريد وجهًا لوجه مع ماضٍ مؤلم، وكأن القدر تعمّد أن يبدأ القصة من النقطة ذاتها التي توقّف عندها الألم، دون منح فرصة للنسيان أو الهروب.

الهزيمة الثقيلة التي تلقاها ريال مدريد في لشبونة من بنفيكا لم تكن نهاية الحكاية كما ظن البعض، بل لم تتجاوز كونها فصلًا تمهيديًا لدراما أكبر وأكثر قسوة، القدر رفض أن يخرج أي طرف سالمًا من المشهد، ليعود الصدام بين ريال مدريد وبنفيكا من جديد، وهذه المرة في مواجهة ذهاب وإياب لا تعترف بالأعذار ولا تمنح فرصة لتصحيح الأخطاء.

ريال مدريد - جوزيه مورينيو
ريال مدريد – جوزيه مورينيو

في هذه المرحلة، لا مجال للحسابات ولا مساحة للتجارب، فالهامش يختفي والضغط يتضاعف، كل تفصيلة صغيرة قد تصنع الفارق، وكل لحظة تردد قد تتحول إلى نقطة سقوط لا تُغتفر، إنها مواجهة تُقصي الضعف قبل أن تُقصي الفرق، المباراة هنا لا تُلعب بالأقدام وحدها، بل بالأعصاب والذاكرة والتاريخ المتراكم بين الطرفين. 

بنفيكا بقيادة السبيشيال وان مورينيو يدخل المواجهة مدفوعًا برغبة إثبات أن ما حدث لم يكن محض صدفة، وأنه قادر على تكرار التفوق، بينما يعود ريال مدريد مسلحًا بقاعدته الأزلية التي لم تخذله يومًا، وعندما يتعلق الأمر بالملكي، تبقى الحقيقة واحدة لا تتغير: من يوقظ الوحش، عليه أن يتحمّل العواقب كاملة.

ريال مدريد.. فريق الشخصية لا الحسابات

ريال مدريد لا يبحث عن الطرق السهلة، ولا يعرف معنى العبور الآمن، على العكس، كلما ازداد الطريق وعورة، بدا وكأنه في موطنه الطبيعي، فريق اعتاد السير حافي القدمين فوق النار، لا يلتفت للخلف، لا يطلب أعذارًا، ولا ينتظر رحمة من قرعة أو منطق، في ليالي دوري الأبطال، لا يحسب الملكي الاحتمالات، بل يختبر شخصيته.

وكأن التاريخ يبتسم بسخرية معتادة، فإن عبور بنفيكا لن يكون سوى بداية العاصفة، الطريق بعد ذلك لا يعرف الشفقة ولا يمنح فواصل للراحة؛ مانشستر سيتي بآلته الكروية التي لا تهدأ مع جوارديولا، آرسنال بشراسته الإنجليزية وطموحه الأوروبي المتصاعد، وبايرن ميونخ، العملاق الذي نادرًا ما يسقط دون قتال، ثلاثة وحوش، وثلاثة امتحانات قاسية للشخصية قبل القدم، وسيكون على ريال مدريد مواجهة اثنين منهم على الأقل قبل أن يرى النهائي.

ألفارو أربيلوا- فينيسيوس جونيور - ريال مدريد - المصدر (Getty images)
ألفارو أربيلوا- فينيسيوس جونيور – ريال مدريد – المصدر (Getty images)

لكن حتى إن تجاوز الملكي هذه المتاهة، فإن النهاية لن تكون أقل قوة، في انتظار المشهد الأخير، يقف أحد العمالقة الثلاثة: باريس سان جيرمان، أو برشلونة، أو ليفربول، أسماء لا تُهزم إلا بمن يملك الشجاعة الكاملة والذاكرة الأوروبية الثقيلة، إنه طريق لا يليق إلا بالفرق التي تعرف كيف تنجو من الجحيم، وريال مدريد، أكثر من أي فريق آخر، اعتاد الخروج حيًا من النار وهو يبتسم.

حين كانت المعجزة روتينًا.. نسخة الرابعة عشرة

من ينسى موسم التتويج باللقب الرابع عشر؟ موسم 2022-2023 لم يكن مجرد بطولة، بل درسًا قاسيًا في معنى الشخصية الأوروبية، لم يكن الطريق ممهدًا، ولم تُفتح الأبواب بسهولة، بل كان أشد وحشية مما يتخيل أي منطق، ريال مدريد حينها لم يواجه خصومًا عاديين، بل اصطدم بالكبار واحدًا تلو الآخر وسقطوا جميعًا.

مشوار لا يُمحى من ذاكرة أوروبا؛ تصدّر مجموعته محققًا 15 نقطة كاملة تقريبًا، ثم جاءت ليلة باريس سان جيرمان، حيث كُتبت واحدة من أعنف الريمونتادات في التاريخ، بعدها، أسقط تشيلسي رغم العواصف والتقلبات، قبل أن يصل إلى ملحمة مانشستر سيتي، تلك الليلة التي انهار فيها المنطق وبقي ريال مدريد واقفًا وحده.

محمد صلاح - فينسيوس جونيور خلال مباراة ريال مدريد ضد ليفربول (المصدر:Gettyimages)
محمد صلاح – فينسيوس جونيور خلال مباراة ريال مدريد ضد ليفربول (المصدر:Gettyimages)

وفي المشهد الأخير، لم يحتج الملكي سوى لحظة واحدة ليحسم المجد، هدف فينيسيوس جونيور كان كافيًا ليغلق القصة ويُضيف نجمة جديدة إلى صدر القميص الأبيض، لم تكن أجمل نسخة كرويًا، لكنها كانت الأقسى ذهنيًا، نسخة أثبتت أن المعجزة، مع ريال مدريد، قد تتحول إلى عادة.

هل يعيد ريال مدريد كتابة الأسطورة؟

السؤال هنا لا يتعلّق بالجودة الفنية، ولا بقيمة الأسماء، ولا حتى بلغة الأرقام والإحصائيات، فكل ذلك يذوب في ليالي دوري أبطال أوروبا، السؤال الحقيقي، والأكثر قسوة، هو: هل ما زالت روح ريال مدريد حيّة؟ تلك الروح التي لا تُقاس ولا تُشترى، لكنها تظهر حين يظن الجميع أن النهاية قد كُتبت.

ريال مدريد هو ذلك الفريق الذي لا يموت، ينهض دائمًا في اللحظة التي يُعلن فيها العالم سقوطه، فريق يحوّل الضغط إلى وقود يدفعه للأمام، ويحوّل الشكوك إلى سلاح يُشهره في وجه خصومه، دون خوف أو تردد.

تشكيل ريال مدريد ضد فياريال بالجولة 21 في الدوري الإسباني 2025-26
كيليان مبابي – فرانكو ماستانتونو – ريال مدريد (المصدر:Gettyimages)

وإن كان الطريق مفروشًا بالأشواك، فالتاريخ يشهد أن ريال مدريد اعتاد السير عليه دون حذاء، متحديًا الألم، غير عابئ بالجراح، مؤمنًا بأن المعاناة جزء من المجد، وفي بطولة لا تعترف إلا بالأقوى ذهنيًا قبل أي شيء آخر، يبقى ريال مدريد هو الرقم الثابت في المعادلة دائمًا بينما يتحول الجميع من حوله إلى مجرد اختبار جديد في طريق الأسطورة.

منصور مجاهد

صحفي مصري منذ 2019، خريج إعلام القاهرة، شغوف بكرة القدم الإنجليزية وصناعة التقارير العميقة، مقدم برامج ومعلق صوتي بخبرة أكثر من 7 سنوات بمجال الإعلام.