الدوري الإنجليزينوتينجهام فورستقصص 365Scores365TOP

مفارقة المباريات الثلاثة.. هل يتسبب نونو سانتو في هبوط نوتينجهام إلى التشامبيونشيب

في كرة القدم، لا شيء يسير في خط مستقيم، الخطوات تتعرّج، والطرق تلتف، والقدر يحب أن يختبر القلوب قبل الأقدام، يضع المدربين في مواجهة أنفسهم، ويحوّل الأمس إلى خصم ينتظر في المرآة، نونو إسبيريتو سانتو، الرجل الهادئ الذي لا يتخلى عن عناده، قد يجد نفسه بطلًا لقصة مشبعة بسخرية القدر، فقد ينجو بوست هام من الهبوط في موسم مضطرب، وعلى حساب نوتنجهام فورست، النادي الذي أقاله بعد ثلاث مباريات فقط من انطلاق الموسم، كأن الزمن أراد أن يختبر من كان على صواب ومن استعجل الحكم.

أحيانًا يمنحنا القدر درسًا قاسيًا في لعبة لا ترحم؛ القرار السريع قد يرتد ككرة من العارضة، والثقة المهتزة قد تصنع خصمًا أكثر صلابة مما كان، نونو خرج من “سيتي جراوند” ببيان شكر رسمي، كلمات مهذبة تخفي خلفها استعجالًا واضحًا، لكنه لم يخرج مهزومًا من داخله، عاد إلى مقعد آخر، في نادٍ يعيش صراع البقاء، وكأن التحدي خُلق له، الصمت الذي يحيط به ليس ضعفًا، بل إصرار مدرب يعرف أن الرد الحقيقي لا يكون في المؤتمرات، بل في جدول الترتيب.

نونو سانتوس - اتحاد جدة (المصدر:Gettyimages)
نونو سانتوس – اتحاد جدة (المصدر:Gettyimages)

اليوم يقف وست هام في المركز الثامن عشر بـ24 نقطة، على حافة الهاوية، يفصله عن مناطق الأمان خيط رفيع، بينما يتقدم نوتنجهام بنقطتين فقط، المشهد يبدو كسباق نجاة بين ماضٍ لم يكتمل وحاضر يقاتل من أجل البقاء، لو انقلبت الموازين في الأسابيع الأخيرة، ونجا وست هام بفارق ضئيل، فستكون المفارقة مكتملة.. مدرب أُقيل سريعًا، يعود ليؤثر في مصير ناديه السابق من بعيد، هكذا هي كرة القدم، تمنح الفرص لمن يصبر، وتترك للقدر الكلمة الأخيرة.

نونو سانتو من الإقالة السريعة إلى مهمة إنقاذ مستحيلة

تبدو رحلة نونو إسبيريتو سانتو هذا الموسم كأنها انتقال مفاجئ من ضفة إلى أخرى في نهر هائج، حين أعلن نوتنجهام فورست إقالته بعد ثلاث جولات فقط من موسم 2025-2026، بدا القرار صادمًا حتى لمن اعتادوا قسوة الدوري الإنجليزي، البيان الرسمي تحدّث عن “ظروف أخيرة” ووجّه الشكر للرجل على إنجازاته في الموسم السابق، لكن كرة القدم لا تمنح الماضي حصانة، ولا تعترف إلا بلغة الحاضر، ثلاث مباريات فقط كانت كافية لقطع الحبل.

نونو لم يكن يومًا مدربًا هشًّا أمام العواصف، تجربته مع وولفرهامبتون، صقلت شخصيته على وقع الضغوط العالية والتوقعات الثقيلة، يعرف أن القمة لا تتسع إلا لمن يملك جلدًا سميكًا وصبرًا أطول من النتائج المتذبذبة، لكن الإقالة المبكرة حملت رسالة قاسية: لا وقت للصبر، ولا مساحة لإعادة ترتيب الأوراق، في عالم تُقاس فيه المشاريع بعدد النقاط، يصبح الوقت عدوًا لا حليفًا.

نونو سانتو - دوري روشن السعودي
نونو سانتو – دوري روشن السعودي المصدر: Gettyimages

وحين انتقل إلى وست هام، لم يكن ذلك انتقالًا مريحًا أو خيارًا محسوبًا بهدوء، بل قفزة إلى قلب معركة بقاء، النادي اللندني كان يغرق في دوامة نتائج سلبية، الروح مهزوزة، والجماهير قلقة، والجدول لا يمنح فرصة لالتقاط الأنفاس، لم يكن أمام نونو ترف البناء التدريجي أو إعادة التشكيل بهدوء؛ كان عليه أن يبدأ القتال من اليوم الأول، أن يحوّل فريقًا مرتبكًا إلى كتيبة تبحث عن النجاة، وكأن مهمته لم تكن تدريب فريق، بل إنقاذ موسم كامل من الانهيار.

المركز 18.. والخيط الرفيع بين السقوط والنجاة

24 نقطة فقط تضع وست هام في أول المراكز المؤدية إلى الهبوط، رقم يبدو بسيطًا على الورق لكنه في الواقع جبل من الضغط اليومي والقلق الأسبوعي، كل مباراة تتحول إلى اختبار أعصاب، وكل دقيقة تُلعب وكأنها قد تغيّر مصير موسم كامل، في هذه المنطقة من الجدول، لا تُقاس الأمور بالأداء الجميل، بل بالنجاة، بالنقطة التي تُنتزع، وبالخطأ الذي يجب ألا يحدث.

لكن خلف قسوة الأرقام، هناك منحنى صاعد يمنح الأمل، في آخر ست مباريات، حقق وست هام أربعة انتصارات، وخسر مرة واحدة فقط أمام تشيلسي، وتعادل مؤخرًا مع مانشستر يونايتد في مواجهة كان قريبًا جدًا من حسمها، الفريق لم يعد ذلك الكيان المرتبك، بل بات أكثر تنظيمًا وشراسة، التعادل أمام يونايتد لم يكن مجرد نقطة، بل رسالة بأن الفريق قادر على الوقوف أمام الكبار، بل وإيقاف سلسلة انتصاراتهم التي توقفت عند أربع مباريات.

القنوات الناقلة لمباراة ليفربول ضد وست هام يونايتد في كأس كاراباو
ليفربول – وست هام يونايتد (المصدر:Gettyimages)

ورغم ذلك، لم يُخفِ نونو خيبة أمله، كلماته بعد اللقاء كانت صادقة ومؤلمة: 

تشعر أنك كنت على وشك العبور للنهاية، ثم تتلقى ضربة قوية في المعدة

عبارة تختصر موسمًا كاملًا من المعاناة، لكنها في الوقت ذاته تعكس إيمانًا عميقًا بما يُبنى داخل الملعب، الفارق مع نوتنجهام نقطتان فقط، نقطتان قد تعنيان بقاء مدينة كاملة تحت أضواء البريميرليج أو سقوطها في عتمة الدرجة الأدنى، هنا، يصبح الخيط الرفيع هو الفاصل بين الحلم والكابوس.

نونو سانتو والعمل بما هو متاح.. وست هام بلا باكيتا

لو أردنا توصيف وضع نونو في وست هام، فلن نجد أدق من القول إنه يعمل بما لديه من الموارد محدودة، والبدائل قليلة، والضغوط تتضاعف مع كل جولة، لا يملك رفاهية الاختيار بين خطط متعددة أو أسماء لامعة، بل يتعامل مع الواقع كما هو، يحاول أن يستخرج من كل لاعب أقصى ما لديه، وأن يصنع توازنًا هشًا في فريق يقاتل للبقاء أكثر مما يحلم بالتألق.

رحيل لوكاس باكيتا كان الضربة الأقسى، البرازيلي لم يكن مجرد صانع ألعاب، بل كان العقل الذي يربط الخطوط، واللمسة التي تفك الشفرات المعقدة أمام التكتلات الدفاعية، بخروجه، فقد الفريق عنصر الإبداع الفطري، والقدرة على تحويل أنصاف الفرص إلى لحظات حاسمة، فجأة، أصبح الوسط أقل مرونة، والهجوم أكثر عزلة، وصار على المدرب أن يعوّض الفارق بالأفكار لا بالأسماء.

لوكاس باكيتا - وست هام يونايتد
لوكاس باكيتا – وست هام يونايتد (المصدر:Gettyimages)

هنا ظهر وجه نونو العملي؛ أعاد تشكيل الفريق وفق المتاح، جعل اللعب أكثر مباشرة، والارتداد أسرع، والانضباط التكتيكي أساس كل شيء، لا مكان للترف، ولا وقت للتمرير الزائد، وكل خطأ فردي قد يكلّف موسمًا كاملًا، اللاعبون يعملون بجد كما يؤكد دائمًا، لكن في صراع الهبوط، أحيانًا تفصل لحظة تركيز واحدة بين المركز الثامن عشر والمركز السابع عشر، إنها تفاصيل صغيرة، لكنها تساوي البقاء أو السقوط.

نونو سانتو الصراع النفسي.. حين تواجه ماضيك

إذا كان هناك سلاح حقيقي يملكه نونو، فهو عناده التكتيكي أمام الكبار، عبر مسيرته، صنع سمعته كمدرب يعرف كيف يُعطّل “كبار إنجلترا” ويُربك حساباتهم، هذا الموسم لم يخذل تلك السمعة؛ أوقف مانشستر يونايتد وفرض إيقاعًا معقدًا على توتنهام، محولًا فريقه إلى كتلة صلبة تتحرك كوحدة واحدة، خطوط متقاربة، ضغط محسوب، وانطلاقات مباغتة تضرب في اللحظة المناسبة، قد لا يملك الأسماء الأثقل، لكنه يملك وضوح الفكرة، وفي صراع البقاء قد تعادل نقطة من كبير ثلاث نقاط من منافس مباشر.

نونو يعرف كيف يغلق المساحات ويقود المباراة إلى المناطق التي يريدها، حيث يختنق الخصم تدريجيًا، هو مدرب التفاصيل الصغيرة؛ تمركز صحيح، تدخل في توقيت مثالي، ارتداد سريع يقلب المشهد، وربما لا يفوز دائمًا، لكنه يزرع الشك في نفوس الكبار ويجعلهم يشعرون بأن المباراة ضد فريقه ليست نزهة، هذا النوع من الصلابة الذهنية هو ما يحتاجه فريق يقف على حافة الهبوط.

ولو كتب القدر أن ينجو وست هام، وكان الثمن هبوط نوتنجهام أقرب الفرق إليه، فسيكون المشهد دراميًا بامتياز، مدرب أُقيل سريعًا يعود ليؤثر في مصير ناديه السابق من بعيد، الصراع هنا لا يُقاس فقط بجدول الترتيب، بل بما يدور داخل النفس، نونو لا يرفع صوته كثيرًا، لكنه لا ينسى، كل نتيجة إيجابية تحمل رسالة صامتة “كان يمكنكم الانتظار” وتصريحاته بعد التعادل مع يونايتد، الممزوجة بالفخر والألم، تكشف عن مدرب يؤمن بأن الطريق صحيح حتى لو تعثرت الخطوة الأخيرة.

هل ينجو وست هام من الهبوط إلى التشامبيونشيب؟

السؤال الأكبر الذي يطارد جماهير “الهامرز” الآن: هل تكفي الروح المتجددة والنتائج الإيجابية الأخيرة للنجاة؟ الإجابة لا تتعلق بوست هام وحده، بل بسلسلة كاملة من النتائج المتشابكة في القاع، الفارق الضئيل مع نوتنجهام يجعل كل جولة أشبه بنهائي كؤوس، وكل نقطة لها وزن الذهب، إذا واصل الفريق الحصاد بالمعدل الذي حققه في آخر ست مباريات، فإن الأمل ليس مجرد وهم، بل احتمال واقعي يتشكل تدريجيًا.

أربعة انتصارات من ست مباريات تعني أن الفريق بدأ يجد إيقاعه، وأن العمل في التدريبات ينعكس أخيرًا على أرض الملعب، الخسارة الوحيدة أمام تشيلسي لا تُعد انتكاسة بقدر ما هي دليل على أن الفريق يقاتل حتى أمام خصوم يتفوقون عليه في الإمكانيات، هذا التحسن لا يُقاس فقط بعدد النقاط، بل بالشخصية التي ظهرت في المباريات الأخيرة، وبالإصرار على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة.

القنوات الناقلة لمباراة ليفربول ضد توتنهام بالجولة 34 في الدوري الإنجليزي
محمد صلاح – وست هام – ليفربول (المصدر:Gettyimages)

المباريات المقبلة ستكون اختبارًا للأعصاب قبل الأقدام، لأن صراع الهبوط يُحسم بالثبات الذهني بقدر ما يُحسم بالجودة الفنية، ربما، عندما يُسدل الستار على الموسم، سننظر إلى هذه الفترة باعتبارها نقطة التحول، كرة القدم تعشق القصص الدائرية؛ تبدأ من لحظة شك وتنتهي بلحظة إثبات، نونو الذي خرج من نوتنجهام عبر باب الإقالة، قد يُبقي وست هام في الدوري، وربما يكون الفارق نقطتين فقط، نفس الفارق القائم الآن، فالقدر لا ينسى، والكرة لا ترحم، لكنها أحيانًا تمنح فرصة أخيرة لمن يصرّ على القتال.

سانتو بين الضربة القاضية ونبض الأمل

وست هام اليوم لا يبدو كفريق استسلم لقدره، بل ككتيبة تعرف أنها تقف على حافة الخطر وتقاتل رغم ذلك، الأداء تحسّن، الروح عادت، واللاعبون يظهرون إيمانًا بمدربهم حتى في لحظات الإحباط، هذا النوع من الإيمان لا يُشترى في سوق الانتقالات، بل يُصنع في غرف الملابس وبين تفاصيل العمل اليومي، وإذا استمر هذا التماسك، فقد يتحول القلق إلى دافع، والخوف إلى طاقة تدفعهم نحو خط الأمان.

وحينها، ستكتمل سخرية القدر، نونو سانتو مدرب أُقيل بعد ثلاث مباريات فقط، يعود ليقدم درسًا في الصبر والثقة، ويُبقي فريقه الجديد في الدوري.. ربما على حساب الفريق الذي لم يمنحه الوقت الكافي، في الدوري الإنجليزي لا أحد ينجو بالصدفة، فالبقاء ثمرة عمل وصمود، لكن أحيانًا، يبتسم القدر لمن تمسّك بحلمه حتى النهاية..

منصور مجاهد

صحفي مصري منذ 2019، خريج إعلام القاهرة، شغوف بكرة القدم الإنجليزية وصناعة التقارير العميقة، مقدم برامج ومعلق صوتي بخبرة أكثر من 7 سنوات بمجال الإعلام.