نبوءة مورينيو الصادمة.. كيف تحول الدوري الإنجليزي من صراع الأباطرة إلى حقل تجارب؟
في عام 2004، وقف جوزيه مورينيو في مؤتمره الصحفي الأول قائلاً: “أنا سبيشال وان”. لم تكن مجرد جملة، بل كانت إعلان حرب في دوري يحكمه العمالقة. اليوم، وبعد عقدين من الزمان، يعود مورينيو بتصريحات تبدو للوهلة الأولى “نرجسية”، لكن نظرة متفحصة لواقع البريميرليج اليوم تؤكد أنه كان محقاً، بعدما تحول الدوري الأقوى إلى معمل تجارب.
عندما وصل مورينيو إلى إنجلترا، لم يكن الدوري مجرد مسابقة لجمع النقاط، بل كان ساحة قتال بين مدارس فكرية وشخصيات لا تتكرر.
لكي تدرك حجم التغيير، عليك العودة إلى القائمة التي اصطدم بها مورينيو عند وصوله؛ لم تكن الأندية “المتوسطة” مجرد محطات لجمع النقاط، بل كانت تُدار من قِبل شخصيات قيادية تملك تاريخاً وكاريزما ترهب الكبار قبل صافرة البداية.
صراع العمالقة في الدوري الإنجليزي
كان الدوري الإنجليزي حينها عبارة عن “نادي النخبة للمدربين”، حيث تجد مانشستر سيتي -ورغم أنه لم يكن من بين الكبار حينها- يقوده كيفين كيجان، الرجل الذي قاد منتخب إنجلترا سابقاً ويملك عقلية هجومية لا تهاب أحداً. نيوكاسل تحت قيادة الصارم جرايم سونيس، أحد أساطير اللعبة الذي لا يعرف أنصاف الحلول، مع إيفرتون في بداية بزوغ فجر ديفيد مويس، الذي جعل من “جوديسون بارك” جحيماً تكتيكياً.
توتنهام مع مارتن يول، المدرب الذي أعاد لـ “السبيرز” هيبته الأوروبية والمحلية بشخصية قوية. ساوثهامبتون تحت إمرة الثعلب هاري ريدناب، ملك الصفقات وقارئ المباريات الفذ. ميدلزبروه، بقيادة ستيف ماكلارين، الرجل الذي تشرب أسرار الثلاثية التاريخية من فيرجسون (1999-2001).
حتى الأندية التي كانت تصنف كـ “عقبات بدنية”، كانت تملك أسماءً مرعبة على الخط؛ من سام ألارديس ومدرسته في بولتون، إلى مارك هيوز في بلاكبيرن، وصولاً إلى ستيف بروس في بيرمنجهام، والشاب الطموح حينها كريس كوليمان في فولهام (الذي أبهر العالم لاحقاً مع ويلز في يورو 2016).

هؤلاء لم يكونوا مجرد “مدربين”؛ بل كانوا “Identity Makers” (صناع هوية). كان لكل فريق طابع يميزه بمجرد رؤية المدرب على الخط. قارن هذا بمدربي اليوم؛ حيث يمكنك تبديل مدرب تشيلسي بأي مدرب في الدوري الإنجليزي ولن تشعر بفارق كبير في “كاريزما” الفريق أو أسلوب لعبه، لأن الجميع أصبح يحفظ نفس الدرس التكتيكي، واختفت الشخصية القيادية التي كانت تجبر الخصم على احترام “هوية” النادي قبل فنياته.
كل مدرب كان له “مدرسة” و”شخصية” مستقلة. كانت مشاهدة مباراة أرسنال ضد بولتون، تشبه صدام حضارات بين إبداعات أرسين فينجر وكرة القدم الممتعة أمام خشونة سام ألارديس والضغط في كل مكان في الملعب.
✍️ @ivan_campo made a permanent switch from Real Madrid to Bolton on this day in 2003! pic.twitter.com/DWoSuO59Ot
— Premier League (@premierleague) July 18, 2024
الجيل الحالي أغلبهم “تكنوقراط”؛ مدربون يرتدون بدلات رياضية، يتحدثون بلغة الأرقام والـ xG، وهدفهم إرضاء المدير الرياضي الذي لم يكن منصبه بذات الأهمية في السابق.
هم أقرب لـ “موظفين كبار” منهم إلى “مديرين فنيين” بصلاحيات مطلقة. أعلم تماماً قيمة العلم والتقدم التكنولوجي في كرة القدم، ولا شك في أن ذلك الأمر به الكثير من التفاصيل التي يصعب فهمها، ولكنها أصبحت تُستخدم بشكل مبالغ فيه، وتلغي جزءاً كبيراً من شخصية المدرب.
استنساخ جوارديولا في الدوري الإنجليزي
الآن، 90% من فرق الدوري تحاول اللعب بنفس الطريقة: البناء من الخلف، الاستحواذ، الضغط العالي، حارس المرمى يجب أن يكون لديه القدرة على اللعب بالقدم، حتى لو لم يكن حارساً جيداً يستطيع استخدام قفازاته في التصدي للأهداف.
عندما تكون هناك قمة في الدوري الإنجليزي بين فريقين من الـ 6 الكبار، تشعر أنك تشاهد تدريباً لفريق واحد مقسوماً لنصفين، كل مدرب يحاول تطبيق طريقته دون النظر لإبداع اللاعب، فلم يعد هناك جاريث بيل جديد ينطلق مثل الصاروخ، أو تيري هنري في الهجوم يسجل من أي وضعية.

لا شك في نجاح ميكيل أرتيتا مع أرسنال حتى الآن، حتى لو لم يحقق لقب الدوري الإنجليزي، لكنه في النهاية تلميذ جوارديولا، الذي تم استنساخه في مانشستر سيتي، كما هو الحال بالنسبة لإنزو ماريسكا.
هذا الأمر ليس تقليلاً من هذا أو ذاك، خاصة وأن أرتيتا بدأ يتبع بعض الأساليب التي تساعده في الفوز، وأبرزها الكرات الثابتة ورميات التماس، ولكن في باطن الأمر، سنجد أن المدرب الإسباني يفعل البديهيات، الأمور الكلاسيكية في كرة القدم. تفوق أرتيتا لأنه يقوم بالطبيعي أكثر من أي شيء آخر، رغم أنه في المباريات الكبرى يؤثر على إثارة ومتعة المباراة بسبب تكتيكاته المعقدة.

من هؤلاء؟
بعد أن ذكرنا الأسماء المرعبة التي كانت تتواجد أثناء وجود جوزيه مورينيو وظهوره الأول في الدوري الإنجليزي، يجب أن نتذكر تصريحات البرتغالي مؤخراً.
مورينيو منذ أشهر قليلة قال: “الآن يمكن لأي نادٍ كبير في إنجلترا أن يتعاقد مع أي مدرب دون خبرة كافية لقيادة هذه الفرق، لكنني أتذكر حينما ذهبت إلى الدوري الإنجليزي، قلت لنفسي: يا إلهي، كيف يمكنني منافسة هؤلاء”.
تصريحات مورينيو تجعلنا نذهب إلى الأندية الكبرى في إنجلترا حالياً؛ فبالنظر لنادٍ مثل تشيلسي، ذهب للتعاقد مع مدرب يُدعى “ليام روسينيور”.

من أين جاء روسينيور؟
هذا المدرب لم يكن لاعباً كبيراً، وعمل مساعد مدرب في برايتون تحت 23 عاماً، ثم مدرباً مؤقتاً في ديربي كاونتي بعدما كان مساعداً لواين روني، مروراً بهال سيتي، وأبرز إنجازاته كانت مع ستراسبورج باحتلال المركز السابع في الدوري الفرنسي الموسم الماضي.
ربما ينجح ليام، ولكن بالنظر لتشيلسي الذي جلب مورينيو وهو بطل لأوروبا مع بورتو في موسم إعجازي، فالذهاب لمدرب مغمور والتوقيع معه لمدة 7 سنوات أمر مريب للغاية.
أرني سلوت ليس يورجن كلوب
رغم بدايته الجيدة جداً رقمياً، إلا أنه جاء ليكون “النسخة الهادئة” التي تدير المنظومة التي بناها كلوب. هو ليس “صانع ثورة” بقدر ما هو “مدير للنظام”. أنفق ليفربول مبالغ طائلة للتعاقد مع لاعبين، ولكن الفريق يعاني هذا الموسم على المستويين الأوروبي والمحلي.
ليفربول مع أرني سلوت تحت الضغط ظهر بأنه يمتلك مدرباً ليس لديه خبرة في التعامل مع المواقف، سواء في علاقته ببعض اللاعبين أو تصريحاته خارج الملعب.

ومع ذلك، تتمسك إدارة ليفربول بالمدرب الهولندي باعتباره رجل المشروع مثلما حدث مع كلوب، ولكن في حقيقة الأمر، الهولندي أبعد ما يكون عن يورجن، سواء على مستوى كرة القدم أو حتى في التعامل خارج الملعب.
مانشستر يونايتد والبيئة الفاسدة
لا شك في أن مانشستر يونايتد يمتلك بيئة فاسدة في كرة القدم منذ رحيل أليكس فيرجسون واعتزاله التدريب في 2013، لكن انظر لمن تعاقد معهم مؤخراً.
الآن يتواجد مايكل كاريك، الذي لم يمتلك التاريخ الكبير لقيادة فريق بقوة وتاريخ الشياطين الحمر، وقبله كان روبن أموريم، الذي أيضاً كانت أفضل فتراته مع سبورتينج لشبونة في الدوري البرتغالي فقط، ولم يتكيف مع الضغوطات وتمسك بأفكاره التي لم تتناسب مع نادٍ يتحسس خطوات العودة.
هؤلاء المدربون بعد سولشاير وتين هاج يمثلون خطوات بها الكثير من المخاطرة من مانشستر يونايتد، الذين لم يصبروا على مويس أو فان جال، وكذلك مورينيو، رغم النتائج التي ربما كانت أفضل مع خبرات الثلاثي الكبيرة.

المعايير تختلف
قديماً كان المدرب يأتي لفرض شخصيته على النادي، الآن النادي يملك “نظام لعب” ويبحث عن مدرب (مهما كان اسمه صغيراً) ليناسب هذا النظام. لذلك نرى أسماءً لا نعرفها تحصل على صلاحيات كبيرة في الدوري الأقوى والأضخم إعلامياً.
المدرب الجديد يكفيه أن يقول “أنا في مرحلة بناء المشروع” ليضمن البقاء سنتين على الأقل، بينما عندما وصل مورينيو أو بينيتيز كان عليه أن يحدث تغييراً فورياً، حتى على مستوى طريقة اللعب وإظهار الهوية الفنية.
غياب الضغط الرهيب وغياب الصراعات الشخصية (مثل شجارات فينجر ومورينيو) جعل الدوري “بدون طعم” رغم غزارة الأهداف، لم يعد هناك الصراع الذي سيطر على البريمرليج مؤخراً بين جوارديولا وكلوب.
لم يعد هناك سام ألارديس وتوني بوليس؛ ملوك “الكرة القبيحة” والكرات الطويلة، الذين كانوا يجعلون رحلة أي فريق كبير إلى ملاعبهم بمثابة كابوس بدني.
أصبحت المباريات “روبوتية”؛ عندما يلعب برايتون ضد تشيلسي، أو توتنهام ضد برينتفورد، أنت تشاهد نفس الفريق يلعب ضد نفسه بقمصان مختلفة. اختفت العشوائية البشرية والحلول الفردية لصالح “المنظومة”. وكما يقول مورينيو: “الآن المدربون يحميهم النظام، سابقاً كانت النتائج وحدها من تحميك”.
الدوري الإنجليزي تحول من “صراع في كرة القدم” بروحه المتوحشة إلى “لعبة شطرنج”، ومن جنون مورينيو وعناد فينجر إلى “أيباد المحللين” ومشاهدة الأهداف عبر الهواتف. المباريات فقدت العشوائية الجميلة والصدامات الأيديولوجية (دفاع بحت ضد هجوم كاسح) في بعض الأحيان، وأصبح الجميع يحاول أن يكون “النسخة المصغرة من بيب جوارديولا”. لذلك، غابت المتعة الحقيقية وحلت محلها “كرة القدم الآلية”.
الدوري الإنجليزي لم يمت، لكنه بالتأكيد فقد إرثه الكبير، الذي يستمر حتى الآن في الإعلانات فقط.