أخبار الكرة الإنجليزيةأوليفر جلاسنرتقارير ومقالات خاصةأخبار

من ويمبلي إلى حافة الانهيار.. كيف تبخر حلم كريستال بالاس سريعًا؟

من جحيم الهبوط إلى منصات التتويج، كانت رحلة كريستال بالاس منذ أن تولّى أوليفر جلاسنر القيادة الفنية للفريق خلفًا لروي هودجسون، القيدوم الإنجليزي.

في مايو 2024، لم تكن أجراس الكنائس في جنوب لندن هي من يدق، بل كانت هتافات جماهير “سيلهرست بارك” التي وصلت إلى عنان السماء.

كريستال بالاس، النادي الذي عاش لعقود في ظل عمالقة لندن، كان يرفع كأس الاتحاد الإنجليزي بعد ملحمة تكتيكية أمام مانشستر سيتي. لكنها لم تكن مجرد بطولة، بل كانت إعلانًا عن ولادة “قوة عظمى” جديدة في البريميرليج تحت قيادة العبقري النمساوي أوليفر جلاسنر.

اليوم، وبعد أشهر قليلة من تلك الليلة التاريخية، يبدو أن الكأس التي شرب منها المشجعون نخب النصر كانت تحتوي على سمّ “الواقعية المريرة”. والمشروع الذي بدأ كحلم يتبخر الآن أمام أعينهم، والنسور التي حلّقت عاليًا بدأت تفقد ريشها الذهبي واحدًا تلو الآخر.

من مراكز الهبوط إلى المنطقة الدافئة

عندما وصل أوليفر جلاسنر في فبراير 2024، كان الفريق يئن تحت وطأة النتائج السلبية مع روي هودجسون. كان الهدف هو البقاء فقط، لكن جلاسنر لم يأتِ ليبقى، بل جاء ليغيّر الحمض النووي للنادي.

اعتمد جلاسنر على نظام دفاعي صلب يقوده مارك جيهي، مع منح حرية مطلقة للثنائي إيبيريتشي إيزي ومايكل أوليسيه، ليصبح هذا التحول حاسمًا في نتائج الفريق، وينهي الموسم في المركز العاشر.

في أول مباراة لجلاسنر، كان كريستال بالاس يحتل المركز الخامس عشر، وفاز على بيرنلي “المركز قبل الأخير” بثلاثية نظيفة ليبتعد قليلًا عن مراكز الهبوط بفارق 7 نقاط.

ورغم أن المباريات الخمس التالية لم تشهد تفوق النسور، مع ثلاث خسائر وتعادلين، فإن الانتفاضة جاءت في الجولات الأخيرة من الموسم، إذ فاز على ليفربول ثم وست هام ونيوكاسل، ودك مانشستر يونايتد برباعية تاريخية، وخماسية في شباك أستون فيلا.

تحول الفريق من أحد أقل الفرق تسجيلًا للأهداف إلى ماكينة تهديف، خاصة مع انفجار جان فيليب ماتيتا، الذي تحوّل تحت قيادة جلاسنر إلى أحد أخطر مهاجمي الدوري الإنجليزي.

كريستال بالاس أحدث أبطال إنجلترا

دخل كريستال بالاس التاريخ من أوسع أبوابه. الفوز على مانشستر سيتي في نهائي كأس الاتحاد لم يكن صدفة، بل كان تتويجًا لعمل تكتيكي جعل بالاس يحرم بيب جوارديولا من لقب كان سيُنقذ به موسمه.

كان موسم 2024-2025 هو موسم الحصاد بالنسبة لكريستال بالاس، رغم رحيل أوليسيه إلى بايرن ميونخ، لكن مع ضم كامادا من لاتسيو، وتغيير طريقة اللعب، تحوّل فريق “سيلهرست بارك” إلى نسخة أكثر نضجًا.

ثلاثي دفاعي بواجبات مختلفة، مكوّن من أندرسون وريتشاردز وجيهي، ووسط ملعب بثنائية صلبة متمثلة في وارتون وهيوز، مع مونوز الجناح الأيمن الطائر، وميتشيل على الجهة اليسرى.

كريستال بالاس يتوج بلقب كأس الاتحاد الإنجليزي
كريستال بالاس يتوج بلقب كأس الاتحاد الإنجليزي

الفوضى المنظمة كان يخلقها إيبيريتشي إيزي في وسط الملعب الهجومي والثلث الأخير، مع ناطحة سحاب مثل جان فيليب ماتيتا، وتبادل للأدوار بين كامادا وإسماعيلا سار.

أنهى كريستال بالاس الموسم الماضي في المركز الثاني عشر، لكن الهدف الأساسي كان التتويج بكأس الاتحاد، وهو ما تحقق في ليلة ويمبلي الخالدة بالفوز على مانشستر سيتي.

ثم جاءت بداية الموسم الحالي بالفوز على ليفربول، وربما مرتين: الأولى كانت بمنع جيهي من الانتقال إلى الريدز، والثانية بتحقيق كأس الدرع الخيرية على حساب أحمر ميرسيسايد.

أسقط جلاسنر “الريدز”، ليدخل النادي الموسم الجديد وهو يحمل لقبين في خزائنه لأول مرة في تاريخه الممتد لأكثر من 118 عامًا. ظن الجميع حينها أن “بالاس” سينافس على مقعد في دوري أبطال أوروبا، خاصة مع مشاركته في دوري المؤتمر الأوروبي، بعدما تعذر عليه اللعب في الدوري الأوروبي بسبب امتلاك نفس مالك نادي ليون المشارك في تلك البطولة.

انهيار المشروع سريعًا

القاعدة غير المكتوبة في كرة القدم تقول: “إذا نجح الصغار، التهمهم الكبار”. وهذا ما حدث بالضبط.

كان إيبيريتشي إيزي البداية، برحيله إلى أرسنال مع انطلاق الموسم الجاري، ليخسر الفريق أحد أهم أعمدته الهجومية، والعقل المدبر وصاحب الفوضى المنظمة في طريقة لعب أوليفر جلاسنر.

إيزي لم يكن مجرد لاعب يسجل ويصنع، بل كان المتنفس الوحيد للفريق تحت الضغط، خاصة أن جلاسنر كان يعتمد على التحولات في أغلب المباريات الكبرى.

إيزي - المصدر (Getty images)
إيزي – المصدر (Getty images)

محاولة تعويض إيزي جاءت عبر ضم ييرمي بينو من فياريال، لكنه لم يتمكن من تقديم نفس الإضافة التي كان يوفرها النجم الإنجليزي المنتقل إلى أرسنال.

ورغم الحفاظ على مارك جيهي خلال سوق الانتقالات الصيفية، فإن بالاس لم يتمكن من تكرار الأمر في الشتاء، ليرحل المدافع الإنجليزي إلى مانشستر سيتي، بحثًا عن استفادة مالية للنادي اللندني.

مارك جيهي، قلب الدفاع الصلب وقائد العمليات الخلفية، لم يترك برحيله ثغرة فنية فحسب، بل خلّف فراغًا قياديًا واضحًا، ما جعل أوليفر جلاسنر يفقد أحد أهم أعمدة مشروعه.

وأخيرًا، جان فيليب ماتيتا، هداف الفريق هذا الموسم وأحد أبرز نجومه، بات قريبًا من الرحيل هو الآخر، وسط اهتمام من يوفنتوس وأستون فيلا بالتعاقد معه.

ببيع هؤلاء النجوم، بدا وكأن إدارة النادي اختارت “الربح المالي السريع” على حساب “الاستدامة الرياضية”، ليصبح المشروع بأكمله في مهب الريح.

جلاسنر والرحيل القريب

تؤكد مصادر مقربة من كواليس النادي أن أوليفر جلاسنر يشعر بـ“الخيانة الرياضية”. المدرب الذي جاء لبناء مشروع ينافس الكبار وجد نفسه فجأة يصارع بمجموعة تفتقر للجودة التي صنعت المجد في الموسم الماضي.

العروض الخارجية لا تزال قائمة، إذ إن أسهم المدرب النمساوي مرتفعة في البوندسليغا والدوري الإنجليزي، ولن يقبل بالبقاء في نادٍ يبيع نجومه في كل سوق انتقالات.

النتائج السلبية مؤخرًا، إلى جانب غياب التفاهم بين المدرب والإدارة، قد تُسرّع من نهاية مشروع شهد نجاحًا خاطفًا وصعودًا إلى القمة خلال أقل من عامين.

أوليفر جلاسنر - المصدر (Getty images)
أوليفر جلاسنر – المصدر (Getty images)

قصة كريستال بالاس تذكير قاسٍ بعالم كرة القدم الحديثة؛ حيث يمكن لنادٍ صغير أن يصنع المعجزات، لكن الحفاظ على تلك المعجزات يتطلب شجاعة إدارية تفوق الشجاعة التكتيكية للمدربين.

اليوم، يقف كريستال بالاس عند مفترق طرق: إما استثمار الأموال التي جناها من بيع إيزي وجيهي فورًا لبناء فريق جديد حول جلاسنر، أو الاستعداد لرحيل النمساوي والعودة مجددًا إلى دوامة الصراع من أجل البقاء.

نادر شبانة

صحفي مصري منذ عام 2012، عملت بالعديد من القنوات التلفزيونية، أقوم بتقديم محتوى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أهتم بكرة القدم العالمية والإيطالية بشكل أكبر، أجيد كتابة القصص في كرة القدم والتحليلات للمباريات، وترجمة الأخبار ومتابعة الأحداث لحظة بلحظة