أخبار الكرة الإسبانيةريال مدريدأخباربطولات ودوريات

من هنري إلى مبابي.. كيف بنت موناكو أعظم مصنع مواهب في أوروبا

ليست كل الأندية التي تبيع نجومها مصانع مواهب، وليست كل الأكاديميات التي تُخرّج لاعبين عظماء تعرف كيف تحوّل الموهبة إلى ذهب.

لكن موناكو تنتمي إلى فئة نادرة: نادٍ لا يكتفي باكتشاف النجوم، بل يصنعهم وفق نظام متكامل، ثم يطلقهم إلى العالم في التوقيت المثالي.

من تيري هنري إلى كيليان مبابي، تمتد خيوط قصة واحدة عنوانها: التخطيط قبل المال، والهوية قبل السوق.

قبل وقت طويل من أن يصبح موناكو اسمًا مرعبًا في سوق الانتقالات، كان قد قرر أن يجعل تطوير الشباب ميزته التنافسية الأكثر موثوقية.

النادي الذي بلغ نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2004، لم ينتظر طفرة المال الحديثة ليبني مشروعه، بل وضع حجر الأساس لمنظومة كروية ترى في الأكاديمية قلب النادي النابض، لا مجرد ملحق تجميلي.

كيليان مبابي - ريال مدريد (المصدر:Gettyimages)
كيليان مبابي – ريال مدريد (المصدر:Gettyimages)

مبابي علامة فارقة في عصر الذهب الاقتصادي لموناكو

وصول الملياردير الروسي ديمتري ريبولوفليف عام 2011 منح المشروع دفعة مالية هائلة، لكنه لم يغيّر فلسفته؛ صحيح أن استثمارات ضخمة أُبرمت حينها مع أسماء مثل خاميس رودريجيز وراداميل فالكاو، وأن الفريق بلغ ذروته بالوصول إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا عام 2017.

لكن ما ميّز تلك الحقبة لم يكن فقط الأداء الأوروبي المبهر، بل العائد الاقتصادي الخرافي الذي أثبت أن موناكو لا يلعب كرة القدم بعاطفة فقط، بل بعقلية رجل أعمال يعرف متى يزرع ومتى يحصد.

بين صيف 2017 وصيف 2018 وحدهما، باع موناكو ركائز فريقه في سلسلة صفقات تجاوزت 540 مليون دولار؛ كيليان مبابي إلى باريس سان جيرمان مقابل نحو 194 مليون دولار، توماس ليمار بـ78 مليونًا، بنجامين ميندي بـ62 مليونًا، برناردو سيلفا بـ54 مليونًا، فابينيو بـ49 مليونًا، وتيموي باكايوكو بـ43 مليونًا.

ومنذ عام 2014، اقتربت القيمة الإجمالية لمبيعات لاعبي موناكو من 1.1 مليار دولار، في مسار بدأ فعليًا بانتقال خاميس رودريجيز إلى ريال مدريد مقابل حوالي 86 مليون دولار.

مبابي من لا دياجونال: كيف صنعت أكاديمية موناكو نجوم العالم

لكن جوهر القصة لا يكمن في الأرقام وحدها، ما يجعل موناكو حالة فريدة هو أنه لا يتقن فقط فن البيع، بل فن الصناعة، قبل حقبة ريبولوفليف بسنوات طويلة، كانت أكاديمية النادي من بين الأكثر احترامًا في فرنسا وأوروبا.

من رحمها خرج تيري هنري، ديفيد تريزيجيه، إيمانويل بوتي، ليليان تورام، وأنتوني مارسيال، ويانيك كاراسكو، ومؤخرًا مجنيس أكليوش؛ سلسلة طويلة من الأسماء الثقيلة، لكنها تبدو كلها تمهيدًا لذروة واحدة اسمها: كيليان مبابي.

في قلب هذا المشروع يقف مجمع “لا دياجونال”، مركز تطوير المواهب الذي يُعد بمثابة مصنع إنتاج حقيقي للاعبي النخبة، ليس مجرد ملاعب تدريب، بل منظومة حياة كاملة.

يضم المجمع مساكن ومدارس، ومراكز تدريب واستشفاء، وعيادة طبية، ونظام دعم رياضي ويومي متكامل لأكثر من 70 لاعبًا كل موسم، يعمل في “لا دياجونال” أكثر من 50 موظفًا، جميعهم جزء من آلة دقيقة لا تترك شيئًا للصدفة.

رحلة مبابي: مثال حي على منظومة صناعة النجوم في موناكو

الفلسفة الفنية للأكاديمية ترتكز على نموذج اللاعب العصري: مهارة تقنية عالية، قوة بدنية، ومرونة تكتيكية، مويت يربط ذلك بالبيئة الفرنسية نفسها، قائلًا إن تنوع الخلفيات الثقافية وانتشار كرة القدم في الشوارع يخلقان أنماطًا متعددة من اللاعبين تتميز بالرشاقة والإبداع.

في السنوات الأخيرة، حاول النادي تحقيق توازن ذكي بين تعظيم القيمة السوقية لخريجي الأكاديمية ودمجهم فعليًا في الفريق الأول، بحسب مويت، فإن نحو 15% من وقت لعب الفريق المحترف يأتي اليوم من لاعبي الأكاديمية، وهو رقم يراه النادي مدعاة للفخر لا مجرد تفصيلة إحصائية.

أسماء مثل مجنيس أكليوش، مامادو كوليبالي، لوكاس ميشال، ألاجي بامبا، وبابي كابرال تُقدَّم باعتبارها الورثة الطبيعيين لسلالة بدأت بإيمانويل أموروس ومرت بتريزيجيه وهنري، وانتهت – حتى الآن – بمبابي.

وهنا تتضح عبقرية نموذج موناكو: ليس نادٍ يبيع ليعيش، ولا أكاديمية تعيش لتبيع، بل منظومة واحدة ترى في اللاعب مشروعًا طويل الأمد، إن نجح مع الفريق الأول فهو مكسب رياضي، وإن رحل في صفقة ضخمة فهو مكسب استراتيجي يمول الجيل التالي.

من هنري الذي تعلّم أبجديات الكرة في ملاعب الإمارة، إلى مبابي الذي انطلق منها كصاروخ نحو قمة العالم، لم تكن الرحلة صدفة ولا معجزة، كانت نتيجة نظام صبور، يعرف أن المواهب لا تُقطف خضراء، وأن الذهب لا يلمع إلا بعد نار طويلة من التدريب والانضباط والرؤية.

إحصائيات نجوم ريال مدريد


عنان رضا

صحفية رياضية منذ 2018، لدي خبرة في كتابة الأخبار العالمية والمحلية وأخبار المحترفين، ولدي أيضًا خبرة في مجال الترجمة باللغتين الإسبانية والإنجليزية، بالإضافة إلى إهتمامي بمتابعة ما وراء الحياة الشخصية للاعبي كرة القدم في كافة أنحاء العالم، وكتابة القصص الإخبارية عنهم.