أخبار الكرة الإنجليزيةإيجور تياجوتقارير ومقالات خاصة365TOP

مقامرة برينتفورد العبقرية.. كيف رصف كيث أندروز طريق “النحل” نحو المجد الأوروبي؟

في الصيف الماضي، حين حزم توماس فرانك حقائبه ورحل عن برينتفورد متوجهًا إلى شمال لندن لتدريب توتنهام، ساد شعور في غرب لندن بأن “الخروج من الجنة” قد بدأ.

لم يكن فرانك مجرد مدرب، بل كان روح ملعب “Gtech Community Stadium”، القلب النابض لكل لاعب ومشجع، وعندما تبعه القائد كريستيان نورجارد، والماكينات التهديفية برايان مبويمو ويوان ويسا، لم تكن التوقعات تشير فقط إلى موسم صعب، بل إلى انهيار كامل لبنية الفريق.

اليوم، ونحن في يناير، يفرك مشجعو برينتفورد أعينهم ذهولًا، الفريق لا ينظر خلفه خوفًا من شبح الهبوط، بل يتقدم بخطى واثقة، نحو جوازات السفر وتذاكر الطيران إلى ميلانو وميونخ وبرشلونة.

بفوزه الساحق على سندرلاند بثلاثية نظيفة، ارتقى “النحل” إلى المركز الخامس، وهو الموقع الذي كان العام الماضي تذكرة ذهبية لدوري أبطال أوروبا.

كيث أندروز.. المقامرة التي تحولت لعبقرية

قرار تعيين كيث أندروز – مدرب الكرات الثابتة الذي لم يكمل عامه الأول في النادي – مديرًا فنيًا، وُصف القرار بأنه “مقامرة انتحارية”، كيف لمدرب يفتقر للخبرة القيادية في “البريميرليج” أن يقود سفينة وسط هذه العواصف؟

كان الاختيار بينه وبين كيران ماكينا (مدرب إيبسويتش) حاسمًا، لكن إدارة “النحل” كعادتها وضعت ثقتها في البيانات والنظام قبل الأسماء الرنانة.

بداية أندروز لم تكن مفروشة بالورود؛ انتصار واحد في أول خمس مباريات عزز مخاوف المشككين، لكن ما تلا ذلك كان تحولًا دراميًا؛ حافظ أندروز على الإرث الدفاعي لفرانك، متبنيًا مرونة تكتيكية بين رسم 4-4-2 والضغط العالي المكثف، لكنه أضاف لمسته الخاصة في “التحولات الانتحارية”.

تشيلسي ضد برينتفورد - المصدر (Getty images)
تشيلسي ضد برينتفورد – المصدر (Getty images)

انتصاراته المدوية على ليفربول ومانشستر يونايتد ونيوكاسل في “Gtech Community Stadium” لم تكن ضربة حظ، بل نتيجة عمل تكتيكي جعل برينتفورد يحصد نقاطًا في آخر 6 مباريات لم يسبقه إليها سوى آرسنال المتصدر.

على ملعبه هذا الموسم، لم يخسر برينتفورد سوى أمام مانشستر سيتي 1-0 في أكتوبر الماضي، وفي آخر 5 مباريات لم يستقبل سوى 3 أهداف وسجل 13 هدفًا، وانتصر على بورنموث وإيفرتون برباعية، وعلى سندرلاند بثلاثية.

بالرغم من أن الكلمات التي نطق بها محمد أبو تريكة في مطلع الموسم لم تكن مجرد توقع عابر، بل كانت تمثل “صوت العقل” والمنطق الكروي السائد آنذاك؛ ففي غابة “البريميرليج” التي لا ترحم، بدا برينتفورد وكأنه جُرد من سلاحه تمامًا؛ رحل العقل المدبر توماس فرانك، وتبعه الحرس القديم، ليُترك النادي في مواجهة مصير اعتبره الكثيرون حتميًا.

لكن كرة القدم، وتحديدًا في “غرب لندن”، لا تُلعب بالمنطق التقليدي، بل تُحاك في غرف البيانات التي لا تعرف السقوط؛ اليوم، وفي قلب شهر يناير، يبدو أن “النحل” لم يكتفِ بالبقاء، بل قرر حرق “الورق” الذي تحدث عنه أبو تريكة، ليرصف طريقًا غير متوقع نحو أعرق ملاعب القارة العجوز.

المدربالمبارياتفوزتعادلخسارةالأهداف (له:عليه)النقاطنقاط لكل مباراة (PPM)
كيث أندروز25133947:33421.68
نتائج كيث اندروز مع برينتفورد حتى الآن

إيجور تياجو.. البرازيلي الذي حطم كل الأرقام

بينما كان الجميع ينتظر تعاقد النادي مع مهاجم “سوبر” لتعويض الراحلين، كان لدى إدارة برينتفورد ثقة عمياء في إيجور تياجو، البرازيلي الذي كلف النادي 30 مليون جنيه إسترليني وعانى من لعنة الإصابات في موسمه الأول، انفجر بشكل مرعب هذا الموسم.

بتسجيله 16 هدفًا، لم يصبح تياجو فقط الهداف الأول للفريق، بل حطم الرقم القياسي كأكثر لاعب برازيلي تسجيلًا في موسم واحد بالدوري الإنجليزي، متفوقًا على أسماء رنانة.

الأرقام تضعه في “مربع النخبة” بجانب هالاند وكين ومبابي، ليس فقط بغزارة الأهداف، بل بدقة تسديد مذهلة بلغت 59.1%، وهي الأعلى بين من سددوا أكثر من 30 تسديدة هذا الموسم. مما يجعله المهاجم الأكثر “حسمًا” في الدوريات الكبرى حاليًا.

داني مورفي وصفه في “بي بي سي”: “يمتلك بنية جسدية قوية، سرعة هائلة، مهارة فنية مذهلة، ويعرف كيف يحول كل فرصة إلى تهديد حقيقي، يجيد اللعب بكلتا القدمين، وثقته بالنفس خارقة”.

الهجمات المرتدة.. القوة السرية لـ برينتفورد

برينتفورد أصبح فريقًا أخطر على الهجمات المرتدة، تسع أهداف من هذه الطريقة حتى الآن، كل استعادة للكرة تتحول إلى صاعقة حقيقية في قلب دفاع الخصوم؛ هدف تياجو الأول ضد سندرلاند كان مثالًا حيًا على ذلك: تمريرة خاطئة من الوسط، انقضاض سريع، وانفجار في المساحات المفتوحة ليصل إلى الشباك.

لم ينسَ أندروز تخصصه الأصلي؛ فالكرات الثابتة في برينتفورد لم تعد مجرد ركنيات، بل هي “عمليات جراحية”، تمثل الأهداف المسجلة من الكرات الثابتة 28% من إجمالي أهداف الفريق هذا الموسم، وهي نسبة تتفوق بوضوح على أندية “التوب 6” مثل تشيلسي وتوتنهام.

الاعتماد على القوة البدنية ليارموليوك ويانسن في منطقة الجزاء، مع تنفيذ دقيق للغاية، جعل من كل ركنية أو رمية تماس طويلة بمثابة “ركلة جزاء” غير معلنة، مما يمنح الفريق تفوقًا سيكولوجيًا هائلًا قبل الصافرة.

التأثير على الدوري.. فلسفة برينتفورد تنتشر

برينتفورد لا يعتمد على صدفة أو موهبة لحظية، فلسفة الانتقالات والاختيار المبني على البيانات، وضعت النادي في مقدمة الفرق التي تستطيع المنافسة رغم رحيل النجوم.

5 معلومات عن مباراة مانشستر يونايتد ضد إيفرتون في الدوري الإنجليزي
بريان مبويمو – مانشستر يونايتد- (المصدر:Gettyimages)

مانشستر يونايتد ضم مبويمو، نيوكاسل ضم ويسا، وأرسنال ضم رايا ونورجارد، ما يعكس جودة نهج النادي وتأثير فلسفته على الدوري كله.

حلم أوروبا.. بين الواقع والخيال

في دوري لا يفصل بين المركز الرابع والخامس عشر سوى ثماني نقاط، أي تعثر قد يكلف الكثير، ومع ذلك، يحقق برينتفورد إنجازًا غير متوقع، وكل مباراة تقرب الفريق من حلم أوروبا.

أندروز وطاقمه يدركون أن الطريق طويل، لكن كل خطوة تظهر فلسفة واضحة: ضغط مستمر، هجمات مرتدة سريعة، كرات ثابتة محكمة، واستغلال كل موهبة فردية ضمن خطة جماعية متكاملة.

اليوم، برينتفورد لم يعد فريقًا صغيرًا يحاول النجاة في الدوري؛ بل أصبح نموذجًا للقوة التنظيمية، الجرأة التكتيكية، والإيمان الكامل بأن كل لاعب، من تياجو إلى كايودي، يمكن أن يصبح بطلًا في أي لحظة، ويكتب فصلًا جديدًا في الملحمة الملهمة التي يخوضها “النحل”.

محمود الشوادفي

صحفي مصري، أكتب في 365Scores عن كرة القدم كما تُرى من داخل التفاصيل، بدأت رحلتي الصحفية عام 2019، وأؤمن أن وراء كل رقم حكاية، ووراء كل مباراة فكرة تستحق أن تُروى بأسلوب مختلف.