مشروع بابي ثياو.. كيف تطورت السنغال من “الاستقرار” إلى “الاستمرارية القاتلة”؟
وُلد بابي ثياو في الخامس من فبراير عام 1981 في داكار، العاصمة السنغالية، لكنه في الحقيقة وُلد من جديد في حي نياري تالي الشعبي، أحد أكثر الأحياء ارتباطًا بتاريخ كرة القدم في البلاد؛ هناك، حيث تُصنع الأحلام على ملاعب ترابية وتُقاس الموهبة بالقدرة على الصمود قبل المهارة، تشكّلت ملامح أحد أهم الأسماء التي مرت على الكرة السنغالية لاعبًا ومدربًا.
اليوم، يتولى بابي ثياو قيادة المنتخب السنغالي الأول، لكن رحلته لم تبدأ من مكاتب الاتحاد أو مقاعد النخبة، بل من بيئة قاسية لا تمنح شيئًا مجانًا، حيث لا ينجو إلا من يملك الشغف والانضباط والإرادة.
طفولة فقيرة في حي لا يرحم.. لكنه يصنع الرجال
نشأ بابي ثياو في حي نياري تالي، مقابل سوق نجيلو الشهير، في منطقة تعاني من الفقر وقلة الإمكانات، لكنها في المقابل تُعد أحد معاقل كرة القدم الشعبية في السنغال، لم يكن ينتمي لعائلة ثرية، ولم يحظَ بامتيازات خاصة. كان مجرد طفل آخر يحلم بالكرة وسط واقع صعب.
يقول عبدو عزيز مبوب، عضو اللجنة التنفيذية للاتحاد السنغالي لكرة القدم وأحد الشهود على طفولة ثياو:
“نياري تالي حيّ قاسٍ، لا يترك بصمة فيه إلا من يمتلك شخصية قوية. بابي لم يكن مدللًا، لكنه كان محاطًا بدعم معنوي كبير من رموز الحي”.
في تلك البيئة، كبر بابي وهو يرى أمامه نماذج حقيقية للنجاح الكروي: أليون ندياي الملقب بـ “الحصان المجنون”، كاليدو سيسوكو نجم جان دارك، ومامادو فاي لاعب سبورتينج باستيا الفرنسي، أسماء صنعت في وجدانه قناعة مبكرة بأن كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل طريق للنجاة وتحقيق الذات.
موهبة مبكرة وطريق سريع نحو أوروبا
منذ سنواته الأولى، برز بابي ثياو كلاعب يمتلك ذكاءً كرويًا لافتًا قبل أن يلفت الأنظار بموهبته، بدأ في فرق الناشئين بنادي نياري تالي، ثم انتقل إلى نادي نجيلو، حيث لمع اسمه في بطولات “نافيتان” الشعبية، التي تُعد مقياسًا حقيقيًا لموهبة اللاعبين في السنغال.
عام 1996 شكّل نقطة التحول الأولى في مسيرته، حين التحق بأكاديمية سانت إتيان الفرنسية للشباب، مستفيدًا من سمعته المتزايدة في منطقته، ورغم أن بداياته الأوروبية لم تكن سهلة، فإن أول نجاح حقيقي جاء في سويسرا مع نادي لوزان سبورت، حيث فرض نفسه كمهاجم أساسي وأثبت قدرته على اللعب في المستوى الاحترافي.
لاحقًا، انتقل إلى راسينج ستراسبورج الفرنسي، وترك بصمته في نهائي كأس الرابطة، قبل أن يخوض تجربة إسبانية مع ديبورتيفو ألافيس، ثم يعود إلى فرنسا ليؤكد مكانته كمهاجم موثوق، يعتمد عليه في المباريات الكبرى.
بابي ثياو والمنتخب.. لحظة الخلود في مونديال 2002
على الصعيد الدولي، ارتبط اسم بابي ثياو بأحد أعظم فصول تاريخ الكرة السنغالية: كأس العالم 2002؛ لم يكن نجم الواجهة منذ البداية، وشارك كبديل في أولى مباريات البطولة، لكنه كتب اسمه بحروف من ذهب في مباراة السويد.
تسديدة بالكعب، لحظة إلهام خالدة، مهّدت الطريق لهنري كامارا ليكملها في الشباك، ويقود أسود التيرانغا إلى ربع نهائي المونديال في إنجاز غير مسبوق.
ويرى عبدو عزيز مبوب أن مسيرة بابي الدولية لم تنل حقها كاملًا، قائلًا:
“لو انضم بابي للمنتخب في نفس توقيت جيل النجوم الكبار في بداية التسعينيات، لكان الهداف التاريخي للسنغال دون نقاش”.
وقبل المونديال، كان بابي عنصرًا حاسمًا في التصفيات، ففي 2001 سجّل هدفًا مهمًا أمام أوغندا في كمبالا، ليصبح أول هداف للمنتخب تحت قيادة برونو ميتسو؛ ثم جاءت مباراة ويندهوك المصيرية، حيث سجل هدفين وصنع هدفًا للحاج ضيوف، ليضع السنغال رسميًا على خريطة كأس العالم للمرة الأولى.
شخصية هادئة.. وقائد بالفطرة
بعيدًا عن الأضواء، اشتهر بابي ثياو بشخصيته الهادئة، المتواضعة، والكتومة، لم يكن لاعبًا صاخبًا أو مثيرًا للجدل، بل رجل مبادئ يفرض احترامه بالسلوك قبل الأداء.
يؤكد عبدو عزيز مبوب:
“بابي قائد بالفطرة. في عائلته، في حيه، وفي الملعب. لا يتحدث كثيرًا، لكنه حين يتكلم يُنصت الجميع”.
هذه الصفات جعلته نموذجًا ملهمًا لشباب نياري تالي، الذين يرون فيه برهانًا حيًا على أن الانضباط والعمل الجاد يمكن أن يشقّا الطريق من الهامش إلى القمة.
العودة إلى الجذور.. وبداية التحول نحو التدريب
قبل إعلان اعتزاله، قرر بابي ثياو العودة إلى السنغال، في خطوة حملت دلالات عميقة، خاض مباراة أخيرة بقميص نادي نياري تالي، وشارك في تصفيات موسم 2011–2012، وكأنه يودّع اللعبة من حيث بدأت.
يقول مبوب:
“عندما عاد إلى الوطن ليلعب من جديد مع ناديه، أدركت أنه يفكر بعقل المدرب، كان يرفع من مستوى اللاعبين حوله، ويؤثر فيهم داخل الملعب”.
بعدها، انضم للجهاز الفني لنادي نياري تالي، ثم تولى القيادة الفنية للفريق، ورغم إقالته عام 2021 بسبب تواضع النتائج، فإن التجربة شكّلت مدرسة حقيقية له؛ تعلّم من الفشل، وخرج أكثر نضجًا واستعدادًا للمرحلة التالية.
انفجار بابي ثياو.. من المحليين إلى القمة
في 2022، عاد اسم بابي ثياو بقوة عندما قاد منتخب السنغال للمحليين للتأهل إلى بطولة أمم أفريقيا (CHAN) بعد أربع محاولات فاشلة متتالية؛ وفي الجزائر عام 2023، حقق الإنجاز الأكبر، حين تُوّج باللقب على حساب البلد المضيف، في واحدة من أعظم ليالي الكرة السنغالية.
The mastermind behind Senegal’s coronation! 🧠
— TotalEnergies AFCON 2025 (@CAF_Online) February 5, 2023
🇸🇳 Pape Thiaw wins the #TotalEnergiesCHAN2022 Best Coach Award! 👏 @Fsfofficielle pic.twitter.com/Z0iJIX93PH
انضم ثياو إلى الجهاز الفني للمدرب أليو سيسيه كمساعد، وبعد رحيل الأخير، انطلق ثياو مع أسود التيرانجا كمدرب مؤقت في فترة خاض خلالها 4 مباريات في تصفيات أمم إفريقيا، انتصر في المباريات الأربع وسجل 8 أهداف ولم يستقبل أي هدف.
بعد فترة انتقالية ناجحة، قرر الاتحاد السنغالي تثبيت بابي ثياو مدربًا للمنتخب الأول، في مهمة لا تقل صعوبة عن أي نهائي، فالمطلوب ليس فقط الحفاظ على إرث أليو سيسيه، بل مواصلة ترسيخ السنغال كقوة كبرى في القارة.
من ملاعب داكار الترابية إلى دكة قيادة الأسود، لم تكن رحلة بابي ثياو سهلة أو مستقيمة، لكنها كانت دائمًا صادقة؛ واليوم، يقف على أعتاب فصل جديد، حاملًا معه حلم حي كامل، ورسالة مفادها أن الإيمان بالذات يمكنه أن يهزم أقسى الظروف.
لكن قبل أن ينتقل بابي ثياو من الظل إلى الواجهة، ومن موقع المساعد إلى صاحب القرار، كان قد ترك لنا وثيقة نادرة تكشف طريقة تفكيره وهو لا يزال داخل المنظومة.. لقاء صحفي مع الاتحاد الأفريقي لكرة القدم في سبتمبر 2024، سيبدو اليوم وكأنه بيان تمهيدي لمرحلة كاملة.
بابي ثياو.. ما قبل توليه تدريب منتخب السنغال
في سبتمبر 2024، وقبل ما يقارب ثلاثة أشهر من تعيينه مديرًا فنيًا لمنتخب السنغال الأول، ظهر بابي ثياو في لقاء صحفي مطوّل مع الموقع الرسمي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم (CAF)، كاشفًا عن ملامح شخصيته التدريبية، ورؤيته لكرة القدم الأفريقية، وموقع السنغال داخل هذه المنظومة المتحركة.
في سن الثالثة والأربعين، كان ثياو آنذاك يُقدَّم كأحد الوجوه التدريبية الصاعدة في القارة، بعد تتويجه بلقب بطولة أمم أفريقيا للمحليين (CHAN)، وبصفته مساعدًا للمدرب أليو سيسيه داخل الجهاز الفني لمنتخب “أسود التيرانجا”، إلى جانب أدواره المتعددة داخل الهياكل الفنية لكل من CAF وFIFA.
في مستهل الحوار، ركّز الاتحاد الأفريقي على تقديم بابي ثياو كمدرب يؤمن بالعمل اليومي الدقيق، وبالتفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق داخل الملعب وخارجه؛ لم يكن حديثه أقرب إلى الشعارات، بل عكس عقلية مدرب يرى كرة القدم مشروعًا طويل الأمد، لا مجرد نتائج آنية.
🇸🇳 SENEGAL’S 2002 GOLDEN TEAM. The gift that keeps on giving.
— TotalEnergies AFCON 2025 (@CAF_Online) February 5, 2023
🏆 1st ever #TotalEnergiesAFCON title for Senegal won under the management of Aliou Cissé.
🏆 1st ever #TotalEnergiesCHAN title for Senegal won under the management of Papa Thiaw pic.twitter.com/zw8fpnQ7Ps
جاء الحوار على هامش مشاركة بابي ثياو في ندوة مدربي كأس الأمم الأفريقية 2023، التي أُقيمت في أبيدجان يومي 12 و13 سبتمبر، حيث اجتمع مدربو المنتخبات الأفريقية لتبادل الخبرات عقب البطولة.
وحول أهمية حضوره، قال ثياو إن هذه الندوات تمثل نقطة تحول حقيقية لكرة القدم الأفريقية، لأنها تفتح مساحة نادرة لتبادل التجارب والمشاعر المرتبطة بغرف الملابس، والضغوط، والتفاصيل غير المرئية التي لا تظهر في المؤتمرات الصحفية.
وأكد أن هذا النوع من النقاشات ضروري لبناء مستقبل كرة القدم في القارة، معتبرًا أن التطور لا يأتي فقط من داخل الملعب، بل من الحوار وتراكم الخبرات بين المدربين.
تحدّث ثياو بإسهاب عن تجربته داخل الجهاز الفني لمنتخب السنغال الأول، واصفًا الجلوس على دكة “أسود التيرانجا” بالتجربة الاستثنائية على المستويين الإنساني والمهني.
واعتبر أن التتويج بلقب بطولة توتال إنيرجيز CAF للمحليين للمرة الأولى في تاريخ السنغال شكّل لحظة لا تُنسى في مسيرته، موجّهًا الشكر للجزائر على التنظيم، ومؤكدًا أن هذا اللقب لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة عمل تراكمي طويل.
سنغال الألقاب.. ثمرة الاستمرارية
في سياق تقييمه للفترة الذهبية التي عاشتها الكرة السنغالية، أشار ثياو إلى أن بلاده حصدت تقريبًا كل الألقاب القارية في فترة زمنية قصيرة: كأس الأمم الأفريقية 2021، كأس أفريقيا لكرة القدم الشاطئية، بطولتي تحت 17 سنة وتحت 20 سنة، ثم بطولة المحليين.

وأوضح أن هذا النجاح لا يمكن اختزاله في جيل واحد أو مدرب واحد، بل هو نتيجة عمل دؤوب واستمرارية حقيقية، تشمل الجوانب الفنية والإدارية على حد سواء.
وأضاف أن كرة القدم الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الأداء داخل الملعب، بل على حسن التنظيم، والتخطيط، وبناء منظومة متكاملة قادرة على الاستمرار.
وعند الحديث عن التأهل لكأس العالم وكأس الأمم الأفريقية، شدد ثياو على أهمية الواقعية، مشيرًا إلى أن السنغال كانت تحتل المركز الثاني في مجموعتها، وهو نفس المركز الذي أنهت به كأس الأمم الأفريقية.
وأكد أن الهدف هو ضمان التأهل أولًا، ثم العمل على تعويض ما فات، لأن المشاركة في هاتين البطولتين تمثل أولوية وطنية لا تقبل التهاون.
سر التفوق في بطولة CHAN
كشف ثياو أن أحد مفاتيح الفوز ببطولة المحليين يتمثل في قوة الدوري السنغالي، الذي يضم عددًا كبيرًا من لاعبي فئتي تحت 17 وتحت 20 عامًا.

وفي الوقت نفسه، أقرّ بوجود صعوبات تواجه الأندية السنغالية في المسابقات القارية، معتبرًا أن هذه المفارقة تعكس طبيعة الكرة المحلية: وفرة مواهب، لكن مع تحديات هيكلية على مستوى الأندية.
وأشار إلى أن اللاعب السنغالي غالبًا ما يقضي عامًا أو عامين فقط في الدوري المحلي قبل الانتقال إلى أوروبا، وهو ما يفسر تصنيف السنغال بين أفضل الدول المصدّرة للاعبين عالميًا.
دور فني داخل CAF وFIFA
لم يُخفِ بابي ثياو فخره بعضويته في المجموعة الفنية للاتحادين الأفريقي والدولي، حيث شارك في متابعات فنية لكأس العالم تحت 20 سنة في الأرجنتين، وتحت 17 سنة في إندونيسيا، وكان مرشحًا أيضًا للمشاركة في الألعاب الأولمبية.
وأوضح أن تعاونه مع CAF يشمل دراسة تفاصيل فنية دقيقة تهدف إلى تطوير كرة القدم الأفريقية، مؤكدًا أن الأولوية دائمًا تبقى للمنتخب الوطني، حتى لو تعارضت مع التزامات أخرى.
تمثيل القارة.. مسؤولية لا شرف فقط
في ختام الحوار، شدد ثياو على أن العمل مع مؤسستين بحجم FIFA وCAF ليس مجرد شرف، بل مسؤولية ثقيلة. فاختياره ضمن هذه الهياكل يدفعه لبذل مجهود مضاعف، لأنه يرى نفسه ممثلًا للقارة الأفريقية بأكملها.
وأكد أن المشاركة في هذه المشاريع تمنحه شعورًا بالرضا، خاصة مع ما يلمسه من تطور حقيقي في كرة القدم الأفريقية، مشددًا على أن المستقبل يحمل فرصًا كبيرة لمن يملك الرؤية والاستمرارية.
بعد أسابيع قليلة من هذا الحوار، ستتغير الأدوار؛ سيغادر بابي ثياو موقع المراقب والمشارك في النقاشات الفنية، ليجلس على المقعد الأكثر حساسية في الكرة السنغالية؛ عندها، لن تبقى هذه التصريحات مجرد أفكار نظرية، بل ستتحول إلى اختبارات يومية داخل غرفة الملابس، وأمام جماهير لا ترحم، فكيف تُرجمت هذه الرؤية على أرض الواقع؟
فلسفة بابي ثياو.. غرفة الملابس وصراع الاستمرارية
لم يكن انتقال بابي ثياو إلى مقعد المدير الفني لمنتخب السنغال مجرد تتويج لمسار شخصي طويل، بل كان لحظة اختبار حقيقية لمشروع كروي كامل؛ فالسنغال التي اعتادت في السنوات الأخيرة على الاستقرار، والانضباط، والهوية الواضحة تحت قيادة أليو سيسيه على مدار 9 سنوات كاملة، وجدت نفسها أمام سؤال جوهري: هل يستطيع رجل خرج من قلب المنظومة، وتشرّب قيمها، أن يطوّرها دون أن يهدمها؟
منذ أيامه الأولى كمدرب، لم يُخفِ بابي ثياو إيمانه بأن الانضباط هو حجر الأساس لأي نجاح، فلسفته لا تقوم على التعقيد التكتيكي المفرط، بل على وضوح الأدوار، والالتزام الصارم بالخطة، واللعب وفق إمكانات اللاعبين لا ضدها.
يعتمد ثياو على منظومة جماعية متماسكة، حيث لا توجد نجومية مطلقة تعلو على الفريق، حتى في وجود أسماء ثقيلة مثل ساديو ماني أو كوليبالي، هذه المقاربة ليست جديدة على الكرة السنغالية، لكنها مع ثياو تأخذ طابعًا أكثر صرامة، أقرب إلى المدرسة التي تأثر بها لاعبًا تحت قيادة الراحل برونو ميتسو.
في الجانب التكتيكي، يميل إلى التوازن بين الدفاع والهجوم، مع اعتماد واضح على التحولات السريعة، واستغلال الأطراف، والضغط المتوسط بدل الضغط العالي المستمر، حفاظًا على التوازن البدني في البطولات الطويلة.
أحد أكبر تحديات أي مدرب للسنغال هو إدارة غرفة ملابس مليئة بالنجوم المحترفين في أكبر أندية أوروبا، هنا يظهر اختلاف بابي ثياو عن غيره؛ فهو لا يعتمد على الخطابات الحماسية أو الصدام المباشر، بل على الاحترام المتبادل، والحوار الفردي، وتحديد الأدوار بوضوح منذ اليوم الأول.
بحكم تجربته كلاعب دولي، يعرف ثياو عقلية اللاعب الأفريقي المحترف في أوروبا، ويدرك حساسيات التعامل مع النجوم؛ لذلك، يفضّل التواصل الفردي بعيدًا عن الإعلام، ويُغلق باب غرفة الملابس بإحكام أمام أي تسريبات.
مصادر قريبة من المنتخب تؤكد أن ثياو يفرض نظامًا داخليًا صارمًا، لكنه في المقابل يمنح لاعبيه شعورًا بالأمان والثقة، وهو ما انعكس في التزام واضح داخل المعسكرات الأولى تحت قيادته.
الإرث الثقيل.. ما بعد أليو سيسيه
خلافة أليو سيسيه لم تكن مهمة سهلة. سيسيه لم يكن مجرد مدرب، بل رمزًا لجيل كامل، وصاحب أطول فترة استقرار فني في تاريخ المنتخب؛ بابي ثياو يدرك هذه الحقيقة، ولذلك اختار عدم الدخول في مقارنة مباشرة.
بدلًا من ذلك، عمل على الحفاظ على الهيكل الأساسي: نفس القيم، نفس الروح القتالية، ونفس الاحترام للقميص الوطني؛ التغيير، بالنسبة له، يجب أن يكون تدريجيًا، محسوبًا، وغير صادم.
لكن هذا الخيار يحمل مخاطره، فالحفاظ على الاستمرارية قد يتحول إلى جمود، خاصة مع تقدم بعض العناصر الأساسية في السن. وهنا يواجه ثياو تحديًا مزدوجًا: التجديد دون كسر التوازن، وإدخال دماء جديدة دون فقدان الهوية.
بابي ثياو بالأرقام.. كيف صنع مدرب حقبة في 400 يوم
في كرة القدم، يمكن للنقاشات أن تطول حول الأسلوب، الشخصية، والكاريزما، لكن الأرقام تظل اللغة الأكثر قسوة وعدالة، وعند وضع تجربة بابي ثياو تحت المجهر الرقمي، لا تعود الأسئلة مرتبطة بما إذا كان الرجل يستحق الفرصة، بل بمدى استثنائية ما حققه في فترة زمنية قصيرة للغاية.
في الفترة ما بين أكتوبر ونوفمبر 2024، تولّى بابي ثياو قيادة منتخب السنغال بشكل مؤقت خلال تصفيات كأس الأمم الأفريقية 2025؛ كانت تلك المرحلة بمثابة اختبار صامت، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، لكنه كان حاسمًا في رسم ملامح القرار النهائي.
قاد ثياو المنتخب في أربع مباريات متتالية، خرج منها بالعلامة الكاملة، حقق أربعة انتصارات، سجّل خلالها لاعبوه ثمانية أهداف كاملة، دون أن تهتز الشباك السنغالية ولو مرة واحدة؛ فارق أهداف (+8) وصفر أهداف مستقبلة، قدّما شهادة مبكرة على مدرب يملك وضوحًا تكتيكيًا وانضباطًا دفاعيًا نادرًا منذ اللحظة الأولى.
في ديسمبر 2024، قرر الاتحاد السنغالي لكرة القدم إنهاء المرحلة الانتقالية، وتثبيت بابي ثياو مديرًا فنيًا دائمًا للمنتخب الأول، لم يكن القرار اندفاعيًا، بل قائمًا على قناعة بأن ما تحقق في أسابيع قصيرة يمكن البناء عليه كمشروع مستقر، خاصةً وأنه تُوج من قبل بكأس أمم إفريقيا للمحليين، ويمتلك خبرات طويلة من خلال عمله في الكاف والفيفا.
منذ لحظة تعيينه الرسمي وحتى اليوم، خاض ثياو مع المنتخب السنغالي 17 مباراة رسمية وودية، وخلال هذه الفترة، حقق الفريق تحت قيادته 13 انتصارًا، مقابل ثلاثة تعادلات، وتعرّض لهزيمة واحدة فقط، جاءت في مباراة ودية أمام منتخب البرازيل في نوفمبر 2025.
أمم أفريقيا 2025.. تتويج بلا هزيمة
بلغ مشروع بابي ثياو ذروته في كأس الأمم الأفريقية 2025، التي استضافها المغرب، وانتهت بتتويج السنغال باللقب على حساب المنتخب المستضيف.
خلال البطولة، خاض أسود التيرانغا سبع مباريات، حققوا الفوز في ست منها، واكتفوا بتعادل وحيد، دون أن يتعرضوا لأي هزيمة؛ على المستوى الهجومي، سجل المنتخب 13 هدفًا كأقوى هجوم في البطولة، بينما استقبلت شباكه هدفين فقط، في تجسيد واضح لفلسفة تقوم على التوازن بين الصلابة الدفاعية والفعالية الهجومية.
الأهم أن هذا التتويج جاء امتدادًا لسلسلة طويلة من الاستقرار الذهني، إذ واصل المنتخب السنغالي مسيرته القارية دون خسارة منذ نهائي كأس الأمم الأفريقية 2019 أمام الجزائر، ليحرز لقب 2025 دون أي سقوط.
When the build-up is this good, Pape Gueye makes sure it counts. 🫶#TotalEnergiesAFCON2025 pic.twitter.com/nSBdvUfULR
— TotalEnergies AFCON 2025 (@CAF_Online) January 19, 2026
الحصاد الرقمي خلال 400 يوم
على مدار ما يقارب 400 يوم، فرض بابي ثياو نفسه كأحد أنجح مدربي السنغال تاريخيًا من حيث لغة الأرقام، ليس فقط بسبب التتويج، بل بفضل الاستمرارية والصلابة الرقمية التي رافقت مشروعه.
عند توسيع زاوية الرؤية لتشمل كل تجارب بابي ثياو مع المنتخبات السنغالية، سواء منتخب المحليين أو المنتخب الأول، تتضح ملامح مشروع متكامل يقوم على الفوز والاستمرارية.
خاض ثياو حتى الآن 28 مباراة رسمية مع المنتخبات السنغالية المختلفة، خلال هذه المباريات، حقق 22 انتصارًا، وتعادل في أربع مناسبات، وتعرّض لهزيمتين فقط: الأولى أمام أوغندا في بطولة أمم أفريقيا للمحليين، والثانية في لقاء ودي أمام منتخب البرازيل.
على المستوى التهديفي، سجلت فرق بابي ثياو 61 هدفًا، بينما استقبلت 14 هدفًا فقط، وهو معدل تهديفي يتجاوز هدفين في المباراة الواحدة، مقابل نصف هدف مستقبَل، وهي أرقام تضعه في مصاف النخبة على المستوى القاري.
| عدد المباريات | الانتصارات | التعادلات | الهزائم | الهزائم الوحيدة | الأهداف المسجلة | الأهداف المستقبلة | متوسط التسجيل/مباراة | متوسط الاستقبال/مباراة |
|---|---|---|---|---|---|---|---|---|
| 28 | 22 | 4 | 2 | أوغندا (CHAN) – البرازيل (وديًا) | 61 | 14 | 2.17 | 0.5 |
ماذا تقول الأرقام حقًا؟
بقيادة السنغال للتتويج بكأس الأمم الأفريقية 2025، دخل بابي ثياو تاريخ الكرة السنغالية من أوسع أبوابه، ليصبح ثاني مدرب فقط يحقق اللقب القاري بعد أليو سيسيه.

غير أن الفارق الجوهري يكمن في السياق الزمني، فبينما احتاج سيسيه إلى سنوات لبناء مشروعه، جاء ثياو في لحظة حساسة، ونجح في بلوغ القمة بسرعة لافتة، دون أن يُفقد المنتخب هويته أو توازنه.
الأرقام لا تقول إن بابي ثياو مدرب ناجح فحسب، بل تشير إلى نموذج مدرب يعرف كيف يفوز، وكيف يحافظ على الفوز. في بيئة أفريقية لا ترحم، يصبح هذا النوع من الاستقرار إنجازًا بحد ذاته.
في الجزء الرابع والأخير، سنغادر لغة الأرقام إلى مساحة أعمق: هل يستطيع بابي ثياو تحويل هذا التفوق الرقمي إلى حقبة طويلة الأمد؟ أم أن التحدي الحقيقي يبدأ الآن؟