ماريسكا الضحية الأخيرة.. متى يتوقف بويلي عن قتل مشاريع تشيلسي الطموحة؟
لم يكن استيقاظ جماهير تشيلسي في أول صباحات عام 2026 على خبر إقالة إنزو ماريسكا مجرد فصل جديد في كتاب إقالات النادي اللندني، بل كان بمثابة إعلان وفاة لفكرة “المشروع طويل الأمد” التي حاولت إدارة “بلو كو” تسويقها منذ سنوات.
رحيل المدرب الإيطالي، الذي جاء بعد 18 شهرًا من العمل، لم يكن نتاج تدهور نتائج ديسمبر فحسب، بل كان انفجارًا لفقاعة من الصراعات المكتومة خلف الكواليس، بدأت بشرارة وانتهت بحريق أتى على الأخضر واليابس، ليترك تشيلسي مرة أخرى أمام مرآة الواقع: هل أصبح هذا النادي كيانًا غير قابل للتدريب؟
هل أصبح تشيلسي مقبرة للمشاريع؟
في صباح أول أيام العام الجديد، وبينما كانت جماهير كرة القدم تنتظر صفقات الشتاء، استيقظت مدينة لندن على خبر لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان كاشفًا: إعلان رحيل إنزو ماريسكا عن تدريب تشيلسي.
ورغم أن ماريسكا يغادر وبجعبته لقبي (دوري المؤتمر الأوروبي وكأس العالم للأندية)، إلا أن “متلازمة البلوز” كانت أقوى منه، رحيله يفتح الباب مجددًا أمام التساؤلات الوجودية حول هوية هذا النادي.
يبدو أن تشيلسي تحت إدارة “بلو كو” قد ورث أسوأ ما في حقبة أبراموفيتش (عدم الصبر) وتخلى عن أفضل ما فيها (وضوح الحسم)، تغيير المدربين المتتالي أصبح “سياسة عمل” وليس حلًا للازمات.
في تشيلسي، لا يتم تقييم المدرب بناءً على “بناء فريق”، بل على قدرته على النجاة في بيئة متوترة بطبعها، عندما يشعر المدرب بأنه لا يتلقى الدعم من الداخل، فهذا يعني أن الهيكل الإداري يسبق المدرب إلى الفشل، مما يجعل الوظيفة تقترب من كونها “مستحيلة.
لا يمكن الحديث عن رحيل ماريسكا أو فشل من سبقه دون النظر إلى “السيرك” الذي يحدث في كل سوق انتقالات منذ وصول تود بويلي.
ففي غضون ثلاث سنوات، أنفق تشيلسي ما يتجاوز المليار ونصف المليار جنيه إسترليني، ليس لبناء فريق، بل لتكديس المواهب في ظاهرة لم تشهدها كرة القدم من قبل، هذه السياسة لم ترهق ميزانية النادي فحسب، بل كانت “السم” الذي قتلت كل المدربين الذين حاولوا وضع هيكل فني مستقر.
في عهد بوهلي، تحول دور المدرب من وضع الخطط الفنية إلى محاولة إدارة “أزمة زحام” في التدريبات. عندما يجد المدرب نفسه أمام قائمة تضم أكثر من 40 لاعبًا، بين إعارات ولاعبين خارج حسابات المدير الفني، يصبح من المستحيل خلق كيمياء بين المجموعة.
ماريسكا، وقبله بوتشيتينو وبوتر، عانوا من نفس المعضلة: كيف تحافظ على حماس لاعبين يعرفون أن فرصهم في اللعب تقترب من الصفر؟ هذا التضخم خلق بيئة باردة داخل غرفة الملابس؛ حيث يشعر اللاعب أنه مجرد “رقم” في محفظة استثمارية، وليس جزءًا من كيان رياضي.
الاستقرار الفني يتطلب “نواة” تستمر لثلاثة مواسم على الأقل، لكن في تشيلسي، الفريق الذي يبدأ الموسم نادرًا ما ينهيه بنفس الأسماء، رحيل أسماء خبيرة وتعويضها بمراهقين من كل حدب وصوب جعل الفريق يعيش في حالة “تجارب مستمرة”، يكفي القول أن نجوم الفريق جميعهم أقل من 25 عامًا.
وهم “الاستنساخ”.. لماذا تفشل فلسفة جوارديولا في لندن؟
حاول تشيلسي مع ماريسكا (تلميذ بيب) وقبله جراهام بوتر استنساخ نموذج “الاستحواذ والموقع”، لكن النتائج كانت كارثية مقارنة بتجربة “ماوريسيو ساري” السابقة.
الفرق بين ساري وماريسكا: ساري وجد في 2018 لاعبين “قادة” مثل هازارد، كانتي، وجورجينيو، يمتلكون الذكاء الفطري لتنفيذ التعقيدات.

ماريسكا حاول فرض نظام تكتيكي صارم على مجموعة من اللاعبين الشباب الذين لا يزالون في طور “التكوين”، النتيجة كانت كرة قدم “عقيمة” وانتصار وحيد في آخر 7 مباريات، تفتقر للحلول الفردية حينما يفشل النظام، تشيلسي تاريخيًا هو نادي “الردود السريعة” وليس “الاستحواذ الصبور”.
المشكلة الكبرى في مشروع تشيلسي الحالي ليست في جودة الأقدام، بل في قوة الشخصية، النادي أنفق المليارات لجمع مواهب شابة بعقود تمتد لسنوات، لكنه نسى شراء “القائد”.
في اللحظات الحرجة (مثل التعادل الأخير مع بورنموث)، تظهر الفجوة، لا يوجد جون تيري يصرخ في الزملاء، ولا دروجبا يحسم من أنصاف الفرص.
تبدو قصة سقوط ماريسكا درامية في توقيتها؛ ففي غضون 17 يومًا فقط، انهار الجسر الذي بُني بمليارات الدولارات بين المدرب والإدارة.
بدأت فصول النهاية في 13 ديسمبر الماضي، حينما أطلق ماريسكا تصريحه الشهير حول “أسوأ 48 ساعة” في مسيرته عقب الفوز على إيفرتون، وهو التصريح الذي نزل كالصاعقة على مسامع تود بويلي وبهداد إقبالي.
لم تكن المشكلة في الكلمات بقدر ما كانت في “الرسالة المشفرة” التي عكست حجم الفجوة بين الطابق الإداري وغرفة الملابس، حيث تشير التقارير إلى أن ماريسكا دخل في “مواجهة انتحارية” مع الطاقم الطبي، مصرًا على تجاهل نصائحهم بشأن إراحة اللاعبين المجهدين في ظل تقويم كروي خانق لم يمنح الفريق راحة صيفية منذ عامين.
وعند النظر إلى العمق التكتيكي، نجد أن ماريسكا سقط في فخ “وهم الاستنساخ”، حاول الرجل تطبيق نسخة كربونية من فلسفة بيب جوارديولا في بيئة لا تملك “DNA” الصبر.
وبينما نجح ماوريسيو ساري سابقًا في فرض أسلوب الاستحواذ لوجود قادة مثل هازارد وكانتي، وجد ماريسكا نفسه وسط “حضانة كروية” تكتظ بالمواهب المليارية التي تفتقر للشخصية القيادية.
ما يزيد المشهد سريالية هو أن ماريسكا، برحيله اليوم، يغادر كـ “عميد” للمدربين في عصر تود بويلي، كونه الوحيد الذي تجاوز حاجز السنة الواحدة.

منذ مايو 2022، تحول تشيلسي إلى “محرقة” حقيقية؛ بدأتها الإدارة بالإطاحة بـ توماس توخيل بعد 4 أشهر فقط من توليها إدارة النادي، ثم جراهام بوتر الذي لم يصمد سوى 7 أشهر، وصولًا إلى رحيل بوتشيتينو الغامض قبل أن يكمل موسمه الأول مع الفريق.
قائمة المدربين الخمسة الذين تعاقبوا على المقعد الفني في أقل من أربع سنوات تعكس تخبطًا استراتيجيًا يجعل من اسم “ليام روزينيور” -المرشح الأبرز حاليًا- يبدو وكأنه الضحية القادمة في طابور الانتظار.
تشيلسي اليوم يثبت مفارقة غريبة: النادي ينجح في “الفوضى” ويفشل في “المشاريع”، فالبطولات الكبرى التي حققها النادي تاريخيًا جاءت مع مدربين مؤقتين أو في ظروف طوارئ، بينما تتحطم كل محاولة لبناء سلالة كروية هادئة على صخرة عدم الصبر الإداري.
تشيلسي.. البطل الذي يعشق “الفوضى”
تاريخ تشيلسي الحديث يخبرنا بقصة غريبة، المشروع الطويل يفشل، والفوضى تأتي بالذهب؛ المدرب المؤقت كمنقذ: دي ماتيو (2012)، توخيل (2021) – كلاهما جاء في منتصف “حريق” وحققا دوري الأبطال.
لماذا؟ لأن طبيعة تشيلسي هي “رد الفعل”، اللاعبون في ستامفورد بريدج يبدعون عندما يتم تحريرهم من القيود التكتيكية المعقدة ويُطلب منهم فقط “القتال للنجاة”، ماريسكا حاول أن يكون “مهندسًا” في موقع يحتاج إلى “إطفائي”.
في النهاية، يرحل ماريسكا تاركًا خلفه كأس العالم للأندية ودوري المؤتمر، لكنه يترك أيضاً تساؤلًا مريرًا لم يجد بويلي إجابة له بعد: كيف يمكن لمليارات الدولارات أن تبني فريقًا، وتعجز عن بناء “نادٍ”؟
إن رحيل ماريسكا في أول أيام العام الجديد هو اعتراف صريح بأن تشيلسي لا يبحث عن مدرب يبني مستقبلًا، بل يبحث عن “إطفائي” يجيد التعامل مع الحرائق التي يشعلها النادي بنفسه.
ومع اقتراب الإعلان عن المدرب الجديد، تظل الحقيقة الوحيدة في “ستامفورد بريدج” هي أن المقصلة جاهزة دائمًا، وأن العقد الذي يمتد لعام 2029 ليس أكثر من حبر على ورق في نادٍ يعيش على سياسة “الاحتراق السريع”.