الدوري الإنجليزيجوارديولا365TOPتقارير ومقالات خاصة

جيهي إلى مانشستر سيتي.. كيف أفلتت الجوهرة من ليفربول وانتقلت إلى ملعب الاتحاد؟

“إن هبّت رياحُك فاغتنمها”.. بتلك المقولة يمكننا تلخيص المشهد داخل أسوار أنفيلد اليوم، ليفربول، الذي اعتاد أن يكون سبّاقًا في قراءة السوق، بدا مترددًا أمام فرصة واضحة، فوقف يراقب الرياح بدل أن يستغلها، بينما كانت أعين المنافسين مفتوحة وجاهزة للانقضاض.

مارك جيهي لم يكن مجرد اقتراح أو اسم على ورق، بل مدافع أثبت جدارته في الدوري الإنجليزي، ويملك مزيجًا نادرًا من الصلابة الدفاعية والهدوء في إخراج الكرة، كل المعطيات كانت تشير إلى أنه إضافة مثالية لليفربول، حتى إن الحديث وصل إلى قرب إتمام الصفقة الصيف الماضي، وأنه كان قد اجتاز الكشف الطبي بالفعل، قبل أن يتجمد الملف بلا مبرر واضح، على أمل التعاقد معه في الانتقالات الشتوية الحالية.

مارك جيهي – كريستال بالاس (المصدر: Getty images)

وفي الوقت الذي فضّل فيه ليفربول الانتظار، تحرك مانشستر سيتي بعقلية مختلفة تمامًا هذا الشتاء، السيتي لا يؤجل عندما يرى فرصة مناسبة، ولا يساوم الزمن، فدخل على الخط وحوّل التردد الأحمر إلى أفضلية زرقاء، واضعًا يده على لاعب يمكن أن يخدم مشروعه لسنوات.

خسارة جيهي لا تتعلق بلاعب واحد بقدر ما تكشف خللًا في لحظة الحسم، خلل لطالما شاب سياسة ليفربول التعاقدية، البخل الواضح في سياسة التعاقدات، فذهاب لاعب بهذا الوزن إلى منافس مباشر يعني تقوية الخصم وإضعاف الذات في آن واحد، ويعيد طرح السؤال المؤلم: هل لا يزال ليفربول يملك الجرأة اللازمة لاقتناص الفرص، أم أن ثمن التردد سيستمر في الارتفاع؟

مارك جيهي – كريستال بالاس (المصدر: Getty images)

مارك جيهي.. جوهرة ضاعت من اليد الحمراء

في كرة القدم الحديثة، لا يكفي أن ترى الموهبة؛ الأهم أن تملك الشجاعة لاقتناصها في اللحظة المناسبة، مارك جيهي لم يكن مجرد مدافع شاب واعد، بل مشروع قائد دفاعي متكامل، قلب دفاع إنجليزي عصري يجمع بين الصلابة، والهدوء تحت الضغط، والقدرة على بناء اللعب، والقراءة الذكية للمساحات.

ليفربول رآه، وراقبه عن قرب، ودخل في مفاوضات جادة من أجله، بل إن تقارير قوية ذهبت أبعد من ذلك، مؤكدة أن اللاعب اجتاز الكشف الطبي بالفعل في الصيف الماضي وكان قاب قوسين أو أدنى من الانضمام لكتيبة سلوت، في إشارة واضحة إلى أن الصفقة كانت أقرب مما يظن الكثيرون، وأن القرار لم يكن فنيًا بقدر ما كان إداريًا.

مارك جيهي – كريستال بالاس (المصدر: Getty images)

لكن هنا تحديدًا، توقفت الخطوات عند اللحظة الحاسمة، الإدارة ظنت أن الوقت في صالحها، وأن الرياح يمكن أن تنتظر، بينما الحقيقة أن الرياح في سوق الانتقالات لا تعود مرتين، التردد فتح الباب، والباب المفتوح لا يبقى خاليًا طويلًا.

وهكذا تحولت جوهرة كانت في متناول اليد الحمراء إلى خسارة مؤلمة، وربما إلى مكسب مباشر لمنافس يعرف جيدًا متى يتحرك وكيف يحسم، قصة جيهي ليست مجرد صفقة ضائعة، بل درس قاسٍ يؤكد أن في كرة القدم الحديثة، من يتأخر خطوة واحدة، قد يخسر سنوات.

صيف الجدل.. ويوم النهاية المفتوحة

في اليوم الأخير من الميركاتو الصيفي الماضي، كان اسم مارك جيهي يتردد بقوة داخل مكاتب ليفربول، جدال محتدم، اجتماعات طويلة، أرقام تُحسب بدقة وأخرى تُرفض بعناد، إدارة الريدز تمسكت بسقفها المالي، رافضة ما اعتبرته “مبالغة” في المطالب.

على الطرف الآخر، كان كريستال بالاس واضحًا وصريحًا في موقفه: إما السعر الذي نريده.. أو لن تكتمل الصفقة، لا مساحات رمادية، ولا وقت للمساومات المتأخرة، ومع مرور الدقائق، بدأ الضغط يزداد، الساعات نفدت، والوقت الذي كان كافيًا للحسم تحول إلى عدو. الصفقة التي بدت في لحظة ما شبه منتهية، تلاشت مع صافرة إغلاق السوق، تاركة خلفها الكثير من علامات الاستفهام.

مارك جيهي – كريستال بالاس (المصدر: Getty images)

ليفربول غادر الميركاتو وهو يعتقد أنه تصرف بحكمة وحافظ على توازنه المالي، لكن كرة القدم لا تعترف بالحسابات وحدها؛ الحكمة الحقيقية تُقاس بالتوقيت، ومن يخطئ التوقيت، قد يكتشف لاحقًا أن ما وفّره بالأرقام، خسره على أرض الملعب.

شقّان سبب فشل انتقال جيهي من كريستال بالاس إلى ليفربول

لا يمكن إعفاء كريستال بالاس بالكامل من المسؤولية، فشل النادي في التعاقد مع إيجور جوليو كبديل دفاعي لعب دورًا حاسمًا في التراجع عن بيع مارك جيهي، الإدارة خافت من ترك فراغ قاتل في قلب الدفاع، فاختارت الإبقاء على نجمها الأول، حتى لو كان ذلك على حساب غضب اللاعب أو تأجيل بيعه إلى أجل غير مسمى.

والسبب الثاني يرجع لإدارة ليفربول، هنا تقع الخطيئة الأكبر، ليفربول لا يزال يتعامل بعقلية “التحكم في السوق”، بينما السوق نفسه تغيّر جذريًا، كرة القدم الحديثة لا تكافئ الانتظار، بل تكافئ الإنفاق الذكي في التوقيت الصحيح، مانشستر سيتي، ريال مدريد، تشيلسي.. جميعهم استوعبوا القاعدة: إذا أردت لاعبًا حاسمًا، احسم الصفقة الآن، لا غدًا.

جدول مباريات ليفربول في يناير 2026
ليفربول (المصدر:Gettyimages)

لو رفعت إدارة الريدز المقابل المالي قليلًا، لو كسرت سقفها الجامد في لحظة مفصلية الصيف الماضي، لكانت الصفقة انتهت بهدوء، لكن التردد كان سيد المشهد، والتردد في سوق الانتقالات ليس حذرًا، بل جريمة تُدفع كلفتها لاحقًا داخل الملعب.

مانشستر سيتي يخطف جيهي ويغلق الباب

بينما كان ليفربول ما يزال يراجع أرقامه ويعيد حساباته، دخل مانشستر سيتي بتعليمات من جوارديولا إلى المشهد بهدوء قاتل هذا الشتاء، ذلك الهدوء الذي يسبق دائمًا الضربة القاضية، لا ضجيج إعلامي، لا تسريبات عبثية، فقط عمل مباشر وسريع يعكس خبرة نادٍ يعرف تمامًا متى يتحرك ومتى يحسم.

السيتي توصّل إلى اتفاق كامل مع مارك جيهي على البنود الشخصية دون تعقيد، رؤية واضحة، مشروع جاهز، وثقة لاعب يدرك أنه يدخل منظومة قادرة على تطويره وتحويله إلى قطعة أساسية في فريق ينافس على كل شيء، لم يكن هناك مجال للجدال أو المماطلة، فحين يرى السيتي فرصة مناسبة، لا يتركها معلّقة.

بيب جوارديولا - مانشستر سيتي
بيب جوارديولا – مانشستر سيتي

التقارير القادمة من إنجلترا تشير إلى أن الصفقة باتت في مراحلها الأخيرة، وأن المدافع الدولي الإنجليزي أصبح قريبًا جدًا من ارتداء قميص بطل الدوري، وربما قبل نهاية الأسبوع، خطوة تؤكد مرة أخرى أن السيتي لا يكتفي بالنجوم، بل يقتنص القطع الناقصة بدقة جراح.

هكذا تُدار الصفقات الكبرى في كرة القدم الحديثة: قرار سريع، حسم واضح، واستغلال مثالي لتردد الآخرين، وهكذا، في المقابل، تخسرها الأندية التي تظن أن الانتظار جزء من الحكمة، بينما هو في الحقيقة أقصر طريق للخسارة.

كوناتي.. الحاضر الغائب في أنفيلد

كان جيهي البديل المثالي لكوناتي داخل ليفربول، لذلك تأتي كل هذه الحسرة في وقت يعاني فيه دفاع ليفربول بشدة، وعلى رأسه إبراهيما كوناتي، منذ بداية الموسم الحالي، يعيش المدافع الفرنسي واحدة من أسوأ فتراته، بعد أن كان يُنظر إليه كـ”صمام أمان” إلى جانب فيرجيل فان دايك، أصبح فجأة نقطة استهداف واضحة من قبل الخصوم.

الأخطاء تتراكم.. تمريرات خاطئة متكررة، ارتباك تحت الضغط، فقدان التركيز، وبطء في اتخاذ القرار، بل إن مدربي الفرق المنافسة صاروا يوجّهون الهجمات نحوه بشكل متعمد، معتبرينه الحلقة الأضعف في عملية البناء من الخلف.

إبراهيما كوناتي لاعب ليفربول- المصدر: Getty Images
إبراهيما كوناتي لاعب ليفربول- المصدر: Getty Images

كوناتي حاضر بالاسم لكنه غائب بالأداء، وهذه الأزمة الدفاعية تجعل خسارة فرصة التعاقد مع مارك جيهي أكثر ألمًا، كان جيهي ليكون الحل المثالي: مدافع هادئ، قائد بالفطرة، يملك القدرة على التحكم بالخط الخلفي، ولا ينهار ذهنيًا تحت الضغط، هكذا تتشابك الأخطاء الإدارية مع الحاجة الفنية، ليصبح غياب جيهي بمثابة فقدان مزدوج: فرصة تعزيز الدفاع، وحل مثالي لأزمة حقيقية في قلب أنفيلد.

جيهي جوهرة أفلتت من ليفربول.. فمن البديل في أنفيلد؟

بعد ضياع حلم التعاقد مع مارك جيهي، وجدت إدارة ليفربول نفسها مضطرة للتفكير سريعًا في البدائل، وأقرب الأسماء منطقيًا وفنيًا كان إزري كونسا مدافع أستون فيلا.

كونسا يمتلك عدة مميزات: خبرة جيدة في البريميرليج، مرونة تكتيكية تسمح له باللعب قلب دفاع أو ظهير، هدوء في التعامل مع الكرة، وإمكانية انسجام مع فيرجيل فان دايك، هذه الصفات تجعل منه خيارًا عمليًا لمواجهة الأزمة الدفاعية الحالية.

لكن مهما كانت ميزاته، يبقى كونسا ليس مارك جيهي، لا يمتلك نفس السقف التطوري، ولا نفس القوة القيادية على المدى الطويل، ولا القدرة على أن يكون قطعة مركزية في إعادة بناء الدفاع كما كان من الممكن أن يفعل جيهي، ليفربول اليوم لا يبحث عن مجرد حل مؤقت؛ بل يسعى لتصحيح خطأ استراتيجي كان يمكن تجنبه، وتحويل أزمة ضياع الفرصة إلى فرصة لإعادة رسم مستقبل خط الدفاع بشكل أفضل.

مارك جيهي.. درس قاسٍ في زمن لا يرحم

قصة مارك جيهي ليست مجرد صفقة ضائعة، بل مرآة تعكس أزمة داخل إدارة ليفربول، الأزمة تتجسد في الخوف من الإنفاق، الإفراط في الحساب، وسوء تقدير التوقيت — ثلاثة عناصر أساسية أثبتت أن كرة القدم الحديثة لا تعترف بالتردد.

في عالم يتحرك فيه المنافسون بلا هوادة، لا مكان للحنين إلى سياسات قديمة أو الانتظار الطويل، الجوهرة ضاعت، والمشهد يكتمل حين تراها تلمع في يد المنافس المباشر، مانشستر سيتي، الذي يعرف تمامًا كيف يحسم الفرص قبل أن تفلت.

وفي النهاية، تعود المقولة القديمة لتجلد الإدارة في أنفيلد من جديد مرددة : إن هبّت رياحك فاغتنمها.. فإن لم تفعل، فلا تلومنّ إلا نفسك، ليفربول لم يغتنم الرياح..  والرياح الآن تهب في الاتجاه الخطأ، تاركة درسًا قاسيًا لكل من يظن أن الانتظار سيخدمه.

منصور مجاهد

صحفي مصري منذ 2019، خريج إعلام القاهرة، شغوف بكرة القدم الإنجليزية وصناعة التقارير العميقة، مقدم برامج ومعلق صوتي بخبرة أكثر من 7 سنوات بمجال الإعلام.