بين الموهبة والأسطورة.. لماذا بقي إنجاز مارادونا بعيدًا عن متناول لامين يامال؟
في تاريخ كرة القدم، هناك لاعبون عظماء، وهناك أساطير، ثم هناك فئة نادرة لا تُقاس بالأرقام وحدها، بل بالتأثير الذي تحدثه في وعي اللعبة نفسها، دييجو أرماندو مارادونا كان من هذه الفئة الأخيرة، لاعب لا ينتمي لزمنه بقدر ما كان يتجاوزه، يسبق عصره بخطوتين، ويُربك كل من يحاول تفسيره بمنطق الإحصائيات.
عندما ارتدى مارادونا قميص برشلونة في الثمانينيات، لم يكن النادي هو الآلة الكروية الحديثة التي نعرفها اليوم، ولم تكن الليجا منصة هجومية مفتوحة، ولا كانت الظروف البدنية أو الخططية تُسهّل مهمة المهاجمين، ومع ذلك، سجّل مارادونا 38 هدفًا في 58 مباراة فقط مع برشلونة في كل البطولات، و22 هدفًا في 36 مباراة في الدوري الإسباني، بمعدل تهديفي أصبح – مع مرور الزمن – شبه مستحيل التكرار داخل أسوار “كامب نو”.

اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يظهر لامين يامال، فتى يُقدَّم كجوهرة الجيل، وموهبة استثنائية، وامتداد لأسطورة الجناح الكتالوني على مر العصور، حتى أن بعض الناس بدأو يشبهونه بميسي ومارادونا، لكن وسط كل الإشادة، يفرض التاريخ سؤاله القاسي: لماذا، رغم كل التطور، لم ينجح يامال حتى في الاقتراب من أثر مارادونا؟
يامال ومارادونا .. أرقام لا تكذب لكنها تفضح الفارق
في عصر تتحكم فيه البيانات بكل شيء، لم تعد كرة القدم تُحلَّل بالانطباع وحده، الأرقام أصبحت اللغة الأولى، والحَكَم الأكثر قسوة، وعندما نضع لامين يامال، جوهرة الجيل الجديد في برشلونة، بجوار دييجو أرماندو مارادونا، فإن المقارنة لا تهدف للانتقاص من الأول، بقدر ما تكشف حجم الثاني، وتسلط الضوء على الاختلاف الحقيقي بين المواهب في جيل مضى وجيل مازال يدون سطوره.
| اللاعب | الأهداف | المباريات | معدل التسجيل |
|---|---|---|---|
| لامين يامال | 23 | 91 | هدف كل 3.9 مباراة |
| دييجو مارادونا | 22 | 36 | هدف كل 1.6 مباراة |
هذه الأرقام وحدها كافية لتغيير زاوية النظر، مارادونا سجّل تقريبًا نفس عدد أهداف يامال، لكنه فعل ذلك بنصف الوقت تقريبًا، الفارق هنا ليس عدد مباريات إضافية، بل سنوات كروية كاملة من التأثير، يامال يحتاج ما يقرب من أربع مباريات ليسجل هدفًا واحدًا، مارادونا كان يهدد الشباك في كل مباراة تقريبًا.

هذا يعني أن الخصم كان يدخل المباراة وهو يعلم أن هدف مارادونا مسألة وقت، بينما مع يامال لا تزال هناك احتمالات كثيرة، وأدوار هجومية موزعة، لا وجود للنجم الأوحد في يومنا هذا باستثناء حالات فردية
| اللاعب | الأهداف | المباريات | معدل التسجيل |
|---|---|---|---|
| لامين يامال | 38 | 134 | هدف كل 3.5 مباراة |
| دييجو مارادونا | 38 | 58 | هدف كل 1.5 مباراة |
هنا تتحول المقارنة من مثيرة إلى صادمة، مارادونا احتاج إلى 58 مباراة فقط ليصل إلى الرقم نفسه الذي احتاج فيه يامال إلى 134 مباراة، 76 مباراة فرق، أي ما يعادل موسمين كاملين تقريبًا في كرة القدم الحديثة.
الأهم من ذلك مارادونا لم يكن يملك رفاهية التدوير، ولا منظومة هجومية حديثة، ولا حماية تحكيمية. كان يُضرب، يُراقَب رجلًا لرجل، ويُستهدف جسديًا، ومع ذلك ظل معدل تسجيله أعلى بمرتين تقريبًا.

تطور يامال.. تحسن مشروع لكن ليس أسطوريًا
نعم، هناك تطور واضح، يامال بات أكثر جرأة، أكثر حضورًا في العمق، وأكثر قدرة على إنهاء الهجمات، هذا التحسن لا يمكن تجاهله، بل يجب الإشادة به، لكن المشكلة ليست في التحسن، المشكلة في السقف، مارادونا لم يكن يتحسن تدريجيًا داخل برشلونة، بل دخل وهو لاعب حاسم منذ اللحظة الأولى، لم ينتظر موسمًا أو اثنين ليُثبت نفسه، التأثير كان فوريًا، مباشرًا، وعنيفًا.
| الموسم | الأهداف | المباريات | المعدل |
|---|---|---|---|
| الموسم الماضي | 9 | 35 | هدف كل 3.8 مباراة |
| الموسم الحالي | 9 | 18 | هدف كل مباراتين |
المقارنة لا تعني أن يامال فشل، بل تعني أن مارادونا كان حالة استثنائية خارج المنطق، يامال موهبة عظيمة، مشروع نجم، وربما أيقونة مستقبلية، لكن مارادونا لم يكن مشروعًا، بل كان زلزالًا، الأرقام هنا لا تُستخدم لإدانة الحاضر، بل لتذكير الجميع بأن بعض الإنجازات لا تُعاد، مهما تطور الزمن، ولهذا، عندما تقول الأرقام كلمتها، يصبح الحكم واضحًا.
فوز مهم على إلتشي يضمن الصدارة.. ومهرجان فرص مهدرة بطلها فيران توريس 🤦♂️
على الجانب الآخر يامال يتألق ودي يونج يبدع ولكن الإصابات تلاحق كتيبة هانز فليك 🥶
إليكم تحليل مباراة برشلونة وإلتشي في الليجا مع أحمد حمودة 🎥#برشلونة #فليك #يامال #توريس #دي_يونج #365ScoresArabic pic.twitter.com/dME6uR9rdh— 365Scores Arabic (@365scoresarabic) February 1, 2026
عصر يامال.. كل شيء أسهل من عصر مارادونا
منطق الكرة الحديثة يقول إن لامين يامال كان يجب أن يتفوق لا أن يتأخر، أن يقترب لا أن يبتعد، فهو ابن عصر صُمم ليحمي الموهبة ويضاعف تأثيرها، عصر تُزال فيه العوائق قبل أن تواجه اللاعب، وتُبنى المنظومة كلها لخدمته، يامال لا يبدأ من الصفر، بل من نقطة متقدمة جدًا، حيث الطريق ممهد، والهوامش محسوبة، والخطأ مسموح به.
يامال يلعب على ملاعب مثالية، بكرات أخف، وأحذية صُممت علميًا لتمنح اللاعب أقصى تحكم وأقل مجهود، تحكيم اليوم يمنح المهاجم حماية مضاعفة، ويكبح جماح المدافعين قبل أن تتحول المواجهة إلى صراع بدني، الخطط الهجومية الحديثة تُحرر اللاعب الموهوب من الأعباء الدفاعية، وتضعه في المساحات التي يحبها، ليُبدع دون استنزاف.
لامين يامال الأعلى تقييم تأثير في مباراة برشلونة وإلتشي الليلة 🌟
— 365Scores Arabic (@365scoresarabic) January 31, 2026
يامال سجل هدف وصنع 8 فرص كما بذل مجهود كبير في الهدف الثالث للبارسا ولكنه لم يحتسب له كتمريرة حاسمة لاصطدام الكرة في مدافع إلتشي 🔥#يامال #برشلونة #365Data pic.twitter.com/gOuMzzd3bx
في المقابل، عاش أسطورة الأرجنتين دييجو مارادونا زمنًا مختلفًا تمامًا، ملاعب ثقيلة تبتلع الكرة، التحامات أقرب للمصارعة الحرة، دفاعات هدفها الأول كسر الإيقاع قبل كسر الهجمة، وتحكيم بدائي يعتبر السقوط ضعفًا لا خطأ، لم يكن هناك تحليل بيانات، ولا إدارة أحمال، ولا رفاهية الحماية الذهنية أو البدنية.
ورغم ذلك كله، كان مارادونا أكثر حسمًا، أكثر جرأة، وأكثر قدرة على إنهاء المباريات وحده، لم يكن محاطًا بمنظومة تخدمه، بل كان هو المنظومة، وهنا يتحول السؤال من مقارنة مباشرة إلى لغز تاريخي ليس لماذا يامال أقل، بل كيف وصل مارادونا إلى هناك؟

الفلسفة القديمة لم تمت كما يظن البعض
هناك حقيقة فكرية رائجة تقول إن كرة القدم الحديثة أنهت عصر العبقريات الفردية، وأن المنظومة باتت أقوى من اللاعب، مارادونا وحتى بعد عقود، لا يزال الدليل الحي على أن هذه الفكرة انتقلت من حيز التشكيك إلى إطار الحقيقة، لكن وجب التوضيح أن الفلسفة القديمة لم تكن ضد الجماعية، بل كانت تؤمن بشيء أعمق: وجود لاعب واحد قادر على كسر القواعد كلها متى شاء.
مارادونا كان يلعب بحرية تبدو فوضوية على السطح، لكنها كانت فوضى واعية، يعرف متى يغامر، ومتى يقتل المباراة، ومتى يتحول من صانع لعب إلى هداف ومنقذ، لم يكن جناحًا ينتظر تمريرة، ولا موهبة تُدار من الخارج، بل مركز ثقل تُبنى حوله الخطة، وتتشكل وفق إيقاعه.

أما لامين يامال، فرغم عبقريته، فهو موهبة تُدار بدقة متناهية: متى يراوغ، متى يمرر، متى يخرج، ومتى يرتاح، كل شيء محسوب، كل حركة لها سقف، وهنا تكمن المفارقة القاسية: الإدارة الزائدة قد تحمي الموهبة لكنها كثيرًا ما تقتل الأسطورة.
يامال في مباراة إلتشي.. لحظة تألق لا تكفي
في الفوز على إلتشي بنتيجة 3-1، قدّم لامين يامال واحدة من تلك اللقطات التي تُذكّر الجميع بسبب تصنيفه كجوهرة الجيل، انطلاقة جريئة، مهارة فردية، قرار حاسم في لحظة ضغط، وهدف افتتاحي يعكس نضجًا يتجاوز عمره، كانت لحظة تقول إن الموهبة حاضرة، وإن الشرارة موجودة.
لكن الفارق الحقيقي يظهر فيما بعد الهدف، المباراة لم تُحسم بقدمي يامال وحده، فيران توريس أضاف، وماركوس راشفورد أنهى، والمنظومة تكفلت بالباقي، يامال كان جزءًا أساسيًا من الحل، لكنه لم يكن الحل الكامل، الفريق استمر في العمل حتى دون أن يكون كل شيء معلقًا عليه.
حال مشجع برشلونة على مباراة إلتشي الليلة 🤣#برشلونة #الليجا #فليك pic.twitter.com/4h80FpTB0X
— 365Scores Arabic (@365scoresarabic) January 31, 2026
في زمن مارادونا، لم تكن الأمور تُدار بهذا الشكل، لم يكن هناك من “يضيف الهدف الثاني” ليُغلق المباراة، الهدف الأول لم يكن مجرد تقدم في النتيجة، بل ضربة نفسية قاضية، حضور مارادونا وحده كان كافيًا لتغيير مسار اللقاء، وكأن الخصم يدرك أن العودة لم تعد خيارًا، وإن كان هناك أهداف أخرى كان معظمها يكون بتوقيع مارادونا، وهنا تحديدًا يتجسد الفارق بين موهبة تُضيء المباراة وأسطورة تُنهيها، كلاهما مهم وكلاهما ضروري، لكن مارادونا بفاعليته لا يقارن.
برشلونة يقسو على إلتشي بثلاثية مقابل هدف وحيد ويحافظ على فارق النقاط مع ريال مدريد في صراع الصدارة لأسبوع آخر 🔥
— 365Scores Arabic (@365scoresarabic) January 31, 2026
البارسا يصل للمباراة الـ25 على التوالي بدون هزيمة ضد إلتشي في جميع البطولات ✅#برشلونة #فليك #الليجا pic.twitter.com/omKAXtgmpG
المقارنة بين يامال ودييجو ليست ظلمًا بل اختبارًا للحقيقة
يرى كثيرون أن مقارنة لامين يامال بدييجو مارادونا قاسية وغير عادلة، لكنها في الحقيقة نتيجة منطقية للضجة التي صُنعت حوله، عندما يُقدَّم لاعب على أنه “موهبة القرن” أو “الاستثناء الجديد”، فإنه يُوضع تلقائيًا في مواجهة التاريخ، لا في منطقة آمنة بعيدة عن المقارنات، التاريخ لا يُجامِل، ولا ينتظر اكتمال المشروع.
مارادونا لم يحتج يومًا لمن يحميه من المقارنة، لأنه فرض نفسه مرجعًا لا مقياسًا، حضوره كان طاغيًا إلى درجة أن المقارنات كانت تُستخدم لإبراز الآخرين، لا لمساءلته، أما يامال، وحتى هذه اللحظة، فما زال يحتاج لمن يشرح الفارق، ومن يطلب الصبر، ومن يضع السياق قبل الأرقام.

الفارق الحقيقي لا يكمن في الموهبة الخام، فهذه موجودة بلا جدال، الفارق يكمن في الدور، مارادونا كان قائدًا قهريًا، لاعبًا يُجبر المباراة على الدوران حوله، يفرض إيقاعه، ويُمسك بزمام اللحظة الحرجة دون تردد، لم يكن ينتظر الإذن، ولا يكتفي بالدور المرسوم له.
أما يامال، فهو لاعب داخل منظومة، جزء من مشروع طويل المدى، يُدار بحسابات دقيقة، مارادونا كان قرارًا حاسمًا في الحاضر، بينما يامال مشروعًا للمستقبل، وبين القرار والمشروع، يقف الفرق بين لاعب يغيّر التاريخ ولاعب يصنع له مستقبلًا محترمًا.

لامين لم يفشل.. لكنه ليس مارادونا
هل فشل لامين يامال؟ هذا السؤال في حد ذاته ظالم، لأنه يفترض أن المقارنة مع مارادونا هي الحد الأدنى للنجاح، وهو افتراض غير منطقي، يامال، بعمره الصغير، قدّم ما لم يقدّمه كثيرون، فرض نفسه في فريق بحجم برشلونة، ونجح في أن يكون عنصرًا حاسمًا في مباريات كبرى، هذا وحده إنجاز يُحسب له، لا يُنتقص منه.
لكن الاعتراف بنجاح يامال لا يعني تجاهل الحقيقة الأخرى: أنه لم يقترب من إنجاز دييجو مارادونا، لا بالأرقام ولا بالتأثير، مارادونا لم يكن مجرد لاعب موهوب، بل كان حالة كروية نادرة، دخل برشلونة وفرض نفسه مركزًا لكل شيء منذ اللحظة الأولى، لم يحتج لسنوات كي “ينضج”، ولم ينتظر مشروعًا ليحمله، بل كان هو المشروع نفسه.
الفارق هنا ليس في الموهبة الخام، بل في طبيعة الحضور، يامال لاعب يتطور داخل منظومة، يزداد تأثيره تدريجيًا، وتُدار خطواته بعناية، مارادونا كان لاعبًا يقتحم المشهد، يُربك الخصوم، ويغيّر مسار المباريات بمفرده، دون شبكة أمان، ودون سقف واضح لطموحه داخل الملعب.

وهنا يجب أن نكون واقعيين ومنصفين في الوقت ذاته، مارادونا لم يكن معيارًا طبيعيًا يمكن تكراره بسهولة، حتى في عصر يملك كل شيء: الاحتراف، العلم، التحليل، والحماية، كان يملك شيئًا نادرًا لا تُنتجه الأكاديميات ولا تصنعه الخطط: الجنون الجميل، والرغبة القهرية في السيطرة على اللحظة.
يامال قد يصبح أسطورة، وقد يكتب تاريخه الخاص، لكن تقليد مارادونا لم يكن يومًا هو الهدف المنطقي، وفي برشلونة، ربما آن الأوان لإعادة طرح السؤال بصيغة أكثر نضجًا: لسنا بحاجة إلى “مارادونا جديد”، بل إلى الاعتراف بأن بعض الأساطير خُلقت لتبقى وحيدة لا لتُعاد.