ماذا لو هانز فليك مدربًا لريال مدريد؟ خطيئة بيريز ضد صبر لابورتا
في عالم كرة القدم، لا تسقط المنظومات الكبرى فجأة، ولا تنهار الإمبراطوريات بضربة واحدة، حتى وإن كانت الضربة نهائيًا مُهينًا أو موسمًا صفريًا، الكيانات العظيمة لا تموت بالصوت العالي، بل بالتآكل الصامت، قطعة تُنتزع هنا، قرار متسرّع هناك، حتى تتوقف الماكينة دون أن يدرك أحد متى تعطّل أول ترس.. وإذا كان الترس الصغير قادرًا على إرباك النظام، فكيف إذا كان الترس الأكبر.. هو الإدارة نفسها؟
ما حدث لتشابي ألونسو في ريال مدريد لم يكن مجرد إقالة مدرب بعد خسارة لقب، ولا حتى نهاية تجربة فنية قصيرة، ما حدث كان اعترافًا غير مباشر بخلل أعمق في طريقة التفكير، وارتباك واضح في إدارة الأزمات، وتعامل انفعالي مع النتائج بدل قراءة السياق الكامل للمشروع، تشابي ألونسو لم يسقط وحده، بل أُسقط، في لحظة لم يكن فيها البديل جاهزًا، ولا الظروف مهيأة، ولا حتى الأرقام تبرر تلك النهاية القاطعة.

ألونسو جاء إلى مدريد كمشروع، لا كحلّ فوري، مدرب شاب، بفكرة حديثة، وشخصية قوية، لكنه اصطدم بثقل غرفة ملابس معقّدة، وتوقعات لا ترحم، وإدارة اعتادت النجاح السريع ولا تجيد الانتظار، وعندما اهتزت النتائج، لم يُسأل: لماذا؟ بل من نُقيل؟ بل السؤال الأهم هو ماذا كان سيحدث إذا كان فليك مدربا لريال مدريد؟
هنا يظهر الفارق الجوهري بين إدارة تبحث عن الاستقرار، وأخرى تهرب من الضغط، في الجهة الأخرى، على الجانب الأخر من إسبانيا وتحديدًأ إقليم كتالونيا، اختار خوان لابورتا الصبر،على مدرب يتعلم على رأس العمل، لم يكن فليك أفضل من ألونسو في بداياته، ولم تكن برشلونة أكثر استقرارًا من مدريد هذا الموسم.

قرار الإقالة.. هل كان الحل الأسهل أم الخطأ الأكبر؟
فلورنتينو بيريز، الرجل الذي أعاد مدريد إلى القمة مرارًا، بدا هذه المرة أسيرًا لتاريخه لا صانعًا له، تعامل مع الأزمة بعقلية “الترقيع” لا “البناء”، ومع الخسارة كفشل فردي لا نتيجة تراكمات، وهنا يصبح المدرب، أي مدرب، الحلقة الأضعف، حتى وإن كانت المشكلة أبعد منه بكثير: تخطيط رياضي مرتبك، سياسة تعاقدات غير متوازنة، وضغط إعلامي لا يُدار بل يُستجاب له.
تشابي ألونسو لم يكن الحل الكامل، لكنه أيضًا لم يكن أصل الداء، ضحيته لم تكن النتائج فقط، بل غياب الصبر، ورفض فكرة أن إعادة البناء تحتاج وقتًا، حتى في نادٍ بحجم ريال مدريد، فالمفارقة القاسية أن النادي الذي علّم العالم معنى “الريال” في الشخصية، نسي أن العظمة لا تُدار بردود الفعل، في النهاية، السؤال الحقيقي ليس: هل فشل تشابي ألونسو؟ بل: هل فشلت الإدارة في حمايته؟ وهل أخطأ بيريز حين استعجل، بينما ربح لابورتا رهانه لأنه انتظر؟

الأرقام لا تكذب.. فلماذا كُذّب ألونسو؟
بعيدًا عن الضجيج الإعلامي والانطباعات السطحية، تقف الأرقام كحقيقة صلبة لا تعرف المجاملة، 34 مباراة، 24 انتصارًا، 4 تعادلات، و6 هزائم، سجلٌّ واحد، بأسماء مختلفة، تشابي ألونسو حقق نفس ما حققه هانز فليك حرفيًا، دون زيادة أو نقصان على الصعيد الرقمي لا تفوق هنا، ولا فشل هناك، على الورق لا يوجد أي مبرر للفارق في المصير.
ومع ذلك، كان الحكم مختلفًا تمامًا، ألونسو أُقيل، وكأن الأرقام لم تُقرأ، أو كأنها فقدت قيمتها فجأة، أما فليك، فاعتُبر مشروعًا يستحق الحماية، ومدربًا يحتاج وقتًا، ورؤية يجب أن تُستكمل، هنا تتوقف لغة الإحصاء، ويبدأ دور الإدارة.
| المدرب | النادي | المباريات | الفوز | التعادل | الخسارة |
|---|---|---|---|---|---|
| تشابي ألونسو | ريال مدريد | 34 | 24 | 4 | 6 |
| هانز فليك | برشلونة | 34 | 24 | 4 | 6 |
الفارق لم يكن في المستطيل الأخضر، بل في المكاتب المغلقة، في مدريد، الأرقام تُستخدم حين تخدم القرار، وتُهمل حين تعارضه، في برشلونة، ورغم الأزمات المالية والضغوط الجماهيرية، قررت الإدارة أن تمنح المشروع حصانة زمنية، وأن تفصل بين التقييم الآني والحكم النهائي، ريال مدريد تعامل مع النتائج كمنتج نهائي، لا كجزء من مسار، أي تعثّر هو فشل، وأي خسارة إنذار إقالة، أما برشلونة، فتعامل مع نفس النتائج كمرحلة في رحلة أطول.
نفس الأرقام، لكن فلسفتان متناقضتان، وهنا تتجلى المفارقة القاسية: الأرقام لم تكذب، لكن من كُذّب هو المدرب، لم يُحاسَب تشابي ألونسو على نتائجه، بل على غياب الصبر حوله، لم يُقَل لأنه أسوأ من فليك، بل لأنه يعمل في بيئة لا تؤمن بالانتظار، في كرة القدم، العدالة الرقمية لا تكفي، ما يصنع الفارق الحقيقي هو من يقرأ الأرقام.. ومن يختار تجاهلها.

بتلك العقلية إن كان فليك مدربا لريال مدريد وهو في برشلونة محمولًا على الأعناق، كان سيواجه مصير واحد فقط، ألا وهو الإقالة الحتمية من تدريب ريال مدريد، أي أن الخلاف هنا ليس على المدرب بل على الإدارة التي لا تصبر وتتخذ سياسة المسكن مع المشاكل التي تواجهها.
بيريز في مواجهة لابورتا.. عقلية القرار لا نتيجة المباراة
فلورنتينو بيريز، الرجل الذي صنع أمجاد ريال مدريد الحديثة، يبدو اليوم أسيرًا لفلسفة إدارية لم تعد صالحة لكل المراحل، فلسفة ترى في المدرب الحلقة الأضعف، وفي الإقالة حلًا جاهزًا عند أول اهتزاز، عند أي تعثر، يتحول السؤال من “كيف نُصلح الخلل؟” إلى “من نُبعد عن المشهد؟”، وكأن تغيير الاسم كفيل بإعادة ضبط منظومة كاملة تعاني من مشكلات أعمق.
هذه العقلية لا تدير الأزمات بقدر ما تهرب منها، الخسارة، خصوصًا في نهائي أو مباراة كبيرة، لا تُقرأ كسياق أو نتيجة تراكمات، بل كإدانة فورية لشخص واحد، في هذا النموذج، لا يوجد وقت للتقييم الهادئ، ولا مساحة لفكرة أن المشاريع تمر بمراحل طبيعية من الصعود والهبوط. كل شيء يُختزل في النتيجة، وكل نتيجة سلبية تبحث عن شماعة.
في المقابل، يقف خوان لابورتا على الضفة الأخرى بعقلية مختلفة تمامًا، عقلية صنعتها الأزمات على مدار 3 مواسم كاملة، رغم أن برشلونة يعيش واحدة من أصعب فتراته اقتصاديًا ورياضيًا، اختار رئيسه أن يحمي مشروعه بدل التضحية به، منح مدربه الثقة علنًا قبل أن يمنحها داخليًا، وواجه الإعلام بدل أن يتركه ينهش المدرب، مدركًا أن الاستقرار ليس رفاهية بل شرط أساسي لأي بناء حقيقي.

لابورتا لم ينكر التعثر، لكنه قرأه ضمن مسار أوسع، رأى فريقًا يتغير، وأفكارًا تتشكل، وهوية تحاول أن تستعيد نفسها حتى وسط العثرات، فهم أن النجاح لا يُقاس بلقب واحد، ولا يُختصر في مباراة، بل يُبنى على تراكم قرارات صحيحة، حتى إن تأخر حصادها.
أما بيريز، فتعامل مع المشهد بعدسة ضيقة لا ترى إلا اللحظة الحالية، نهائي ضائع تحوّل إلى حكم نهائي، وضغط جماهيري أصبح مبررًا لقرار متسرع، وكأن الهدوء المؤقت لا يأتي إلا بإقالة المدرب، بهذه الطريقة، تصبح الإدارة رهينة رد الفعل، لا صانعة للفعل.
وهنا يتضح الفارق الحقيقي بين إدارتين: واحدة ترى الصورة كاملة وتؤمن بأن الصبر جزء من النجاح، وأخرى تحاكم اللحظة وتظن أن تغيير القبطان كافٍ لتهدئة العاصفة، في كرة القدم، الألقاب تصنع المجد، لكن القرارات في لحظات الخسارة هي التي تكشف عقلية من يدير المشهد.

ألونسو الخيار الأفضل.. وهل يوجد بديل مثله الآن؟
يبقى السؤال الأكثر حساسية في كل ما حدث: هل كان تشابي ألونسو أصلًا خيارًا سيئًا؟ أم أنه كان أفضل ما يمكن لريال مدريد في تلك اللحظة؟ لو ابتعد فلورنتينو بيريز قليلًا عن الغضب، وتحرر من ضغط الجماهير والعناوين، ونظر إلى السوق بواقعية، هل كان سيجد مدربًا يجمع ما كان يمتلكه ألونسو؟ مدرب شاب، حديث فكريًا، يعرف النادي من الداخل، يفهم ثقافته وضغوطه، يمتلك كاريزما لاعب كبير، وتجربة أوروبية محترمة، مع طموح واضح لبناء مشروع طويل الأمد، الإجابة الواقعية، بلا تزييف، هي لا.
السوق لا يعج بالخيارات التي تجمع كل هذه العناصر في شخص واحد، البدائل المتاحة إما أسماء كبيرة بلا وقت ولا صبر، أو مدربين واعدين بلا شخصية تناسب غرفة ملابس ريال مدريد، الإقالة لم تأتِ كجزء من خطة مدروسة، ولم تُرافقها رؤية واضحة للمرحلة التالية، بل جاءت كرد فعل لحظي، وكأن التخلص من المدرب هو بحد ذاته الحل، لا مجرد خطوة ضمن حل أكبر.
الخطأ الجوهري في تقييم تجربة تشابي ألونسو كان اختزالها في النتائج فقط، الواقع أن المشكلة لم تكن في الأفكار ولا في الخطط، بل في عمق غرفة الملابس نفسها، عدد من اللاعبين لم يكونوا مقتنعين به منذ البداية، وآخرون لم يمنحوه الاحترام الكامل، فيما شعر بعض النجوم أنهم أكبر من أي مشروع، وأكبر حتى من المدرب الذي يقوده.
وعندما تفقد غرفة الملابس الإيمان بالمدرب، تسقط كل الأفكار التكتيكية مهما بلغت عبقريتها، السيطرة لا تُنتزع بالسبورة فقط، بل بالدعم الإداري، وبوضوح السلطة، وبإحساس اللاعبين أن المدرب محمي من الأعلى، تشابي ألونسو لم يخسر السيطرة فجأة، بل لم يُمنحها كاملة منذ اليوم الأول.
تقارير عديدة تحدثت عن تمرد ناعم، اعتراضات غير معلنة، وتنفيذ فاتر لقرارات فنية داخل الملع،. علامات لا تظهر في الإحصائيات، لكنها تصنع الفارق الحقيقي، وهنا يعود السؤال الجوهري الذي لم يُطرح بما يكفي: هل يُحاسَب المدرب على لاعبين لا يؤمنون به؟ أم أن المسؤولية الحقيقية تقع على إدارة لم تفرض مشروعها، ولم تحسم مبكرًا من يقود ومن يتبع؟
المباريات الحاسمة.. حين تكشف الحقيقة
في المباريات الحاسمة، تسقط الأقنعة وتنكشف الحقائق، نعم، ريال مدريد خسر مواجهات كبيرة هذا الموسم، وخسر نهائي السوبر، وتعثر في قمم لم يكن من المفترض أن يخرج منها خالي الوفاض، لكن السؤال الحقيقي لا يجب أن يكون: لماذا خسر؟ بل: كيف خسر؟ وهل كانت تلك الهزائم نتاج فشل فني خالص، أم انعكاسًا لفريق يدخل المباريات الكبرى بلا روح واحدة ولا مرجعية واضحة داخل الملعب؟
في هذا النوع من المباريات، لا يكفي أن تملك أفكارًا تكتيكية متقدمة أو خططًا مرسومة بعناية، القمم تُحسم بعناصر أخرى: التزام جماعي، انضباط تكتيكي، احترام صارم للتعليمات، وقائد داخل الملعب يفرض الشخصية قبل الأداء، هذه العناصر تحديدًا غابت جزئيًا عن ريال مدريد هذا الموسم، وظهرت ملامحها بوضوح كلما ارتفع منسوب الضغط.
تشابي ألونسو لم يكن يقف على الخط وحده في تلك اللحظات، بل كان يواجه منظومة لا تعمل بتناغم، قرارات تُتخذ على الدكة ولا تُنفذ بنفس الروح داخل الملعب، تعليمات تصل لكنها تفقد وزنها أمام أسماء ترى نفسها أكبر من أي دور مرسوم، هنا يصبح المدرب مجرد مراقب لأزمة لا يملك أدوات حلها كاملة.

الأخطر من الخسائر نفسها هو ما كان يحدث خلف الكواليس، غرفة الملابس تحولت إلى قنبلة موقوتة، أزمة نجوم لم تُدار بالحزم المطلوب، وتسلسل سلطة لم يكن واضحًا بما يكفي، وبدلًا من تفكيك هذه القنبلة، اختار فلورنتينو بيريز الطريق الأسهل والأسرع: إقالة المدرب، وكأن المشكلة ستختفي برحيله.
لكن الحقيقة أن الأزمة لا ترحل مع اسم واحد، اللاعب الذي أسقط ألونسو قادر على إسقاط من يأتي بعده، وغرفة الملابس التي لا تُدار بصرامة ستبتلع أي مشروع، مهما كان اسمه أو حجمه، التاريخ القريب مليء بالأمثلة، وكلها تقول الشيء نفسه: المدرب بلا دعم إداري حقيقي، مجرد حل مؤقت.
برشلونة مرّ بتجارب مشابهة، ودفع ثمنها لسنوات، لكنه في النهاية تعلّم أن المشكلة لا تُحل بتغيير الواجهة فقط، بل بإعادة ترتيب الداخل، أما ريال مدريد، فيبدو وكأنه يعيد الدوران في الحلقة ذاتها، مكررًا نفس الخطأ، ومتوقعًا نتيجة مختلفة. وفي كرة القدم، هذا هو التعريف الأدق للفشل الإداري.

تشابي ألونسو لم يكن المشكلة.. بل كان الضحية
تشابي ألونسو لم يكن المشكلة في ريال مدريد، بل كان الضحية الأوضح لمنظومة مرتبكة، لم يكن مدربًا فاشلًا، ولم تحمل أرقامه أي ملامح كارثية، ولم يكن مشروعه ميتًا أو بلا اتجاه، على العكس، كل المؤشرات كانت تقول إن التجربة ما زالت في طور التشكّل، لا في مرحلة الانهيار.
ما افتقده ألونسو لم يكن الكفاءة، بل ما يحصل عليه القليلون فقط في الأندية الكبرى: الوقت، والدعم، والثقة، هذه العناصر الثلاثة هي ما يصنع الفارق بين مشروع يُستكمل وآخر يُعدم مبكرًا، في مدريد، لم تُمنح له، بينما في برشلونة مُنحت لغيره رغم ظروف أصعب وضغوط أشد.

فلورنتينو بيريز استعجل القرار، وتعامل مع الخسارة كإدانة نهائية، لا كمرحلة طبيعية في مسار بناء، في المقابل، اختار خوان لابورتا الصبر، ليس لأنه أقل طموحًا، بل لأنه أدرك أن كرة القدم الحديثة لا تُدار بردود الأفعال، بل بالرهانات طويلة المدى.
حتى وإن كان من يدرب ريال مدريد هو هانز فليك كانت الإقالة مصيره المحتوم تحت مظلة إدارة بيريز، الذي يتبع سياسة عفا عنها الزمن.
اليوم، لم يعد الصبر رفاهية في عالم كرة القدم، بل ضرورة حتمية لأي نادٍ يبحث عن الاستقرار الحقيقي، تغيير المدربين قد يهدئ الغضب مؤقتًا، لكنه لا يصلح الأعطال العميقة داخل المنظومة، فالأسماء تتبدل، والمشاكل تبقى.. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تعلّم ريال مدريد الدرس؟ أم سيواصل تغيير الوجوه على الخط الجانبي، بينما الترس الأكبر.. ما زال معطلًا؟