أخبار الكرة الإسبانيةالدوري الإسبانيأخباربرشلونة

مؤامرة أم صدفة؟ قصة اختطاف نجم برشلونة التي غيّرت الموسم

في ليلة بدت عادية من ليالي مارس، خرج هدّاف برشلونة من الملعب… ولم يصل أبدًا إلى بيته، لا كاميرات التقطته وهو يغادر، لا شاهد رآه في الطريق، ولا اتصال طمأن عائلته.

في ربيع عام 1981، لم تكن جماهير برشلونة تعلم أنها على موعد مع فصل مظلم من تاريخ ناديها، فصل لا يُروى في كتب التكتيك أو سجلات البطولات، بل في أرشيف الجرائم الغامضة والقصص التي يتداخل فيها الواقع مع نظريات المؤامرة.

فجأة، وفي لحظة كان يفترض أن تكون عادية بعد مباراة كرة قدم، اختفى إنريكي كاسترو جونزاليس «كويني» — هداف الفريق وأحد أشهر لاعبي إسبانيا آنذاك — بلا أثر؛ لم يره أحد يغادر الملعب، ولم يصل إلى منزله، ببساطة… تبخّر!

سداسية الفرح التي تحولت إلى مأتم لبرشلونة

في اليوم التالي، تلقّت الشرطة بلاغًا صادمًا، لاعب من برشلونة اختُطف على يد مجهولين، لم يكن الدافع واضحًا، ولم تكن الرسالة مفهومة.

برشلونة ضد أتلتيك بلباو - كامب نو (المصدر:Gettyimages)
برشلونة ضد أتلتيك بلباو – كامب نو (المصدر:Gettyimages)

وبينما كانت المدينة تحبس أنفاسها، اشتعلت النظريات في الشوارع والمقاهي وصفحات الصحف: هل كان الهدف منع برشلونة من الفوز بالدوري؟ هل وراء الحادث دوافع سياسية في زمن كانت فيه إسبانيا لا تزال تتلمّس طريقها بعد حقبة فرانكو؟ أم أنها مجرد عملية ابتزاز مالي باردة؟

الحقيقة بدأت تتكشف تدريجيًا، ففي الأول من مارس 1980، تعرّض كويني لعملية اختطاف مُحكمة عندما داهمه رجلان مسلّحان عند باب منزله.

كان يستعد لمغادرة البيت لاستقبال عائلته العائدة من مطار أستورياس، حين أُجبر تحت تهديد السلاح على الصعود إلى شاحنة واختفى عن الأنظار.

المفارقة القاسية أن برشلونة كان قد فاز في ذلك اليوم على هيركوليس بسداسية نظيفة، سجل كويني منها هدفين، وكأن القدر قرر أن يطفئ فرحة الانتصار سريعًا.

كويني المفقود.. مؤامرة أم صدفة تغيّر مسار الموسم الكتالوني؟

عندما تأخر كويني عن الوصول إلى المطار، لم تنتظر زوجته ماريا طويلًا.. سارعت إلى إبلاغ الشرطة، مؤكدة أنها كانت آخر من تحدث معه هاتفيًا قبل اختفائه بدقائق؛ هذا التفصيل الصغير كان كافيًا ليحوّل القلق إلى يقين بأن شيئًا غير طبيعي قد وقع.

ومع تصاعد القصة في وسائل الإعلام، شددت عائلة كويني على عدم وجود أي خلفية سياسية للحادث، قال والده بوضوح: «لم تكن لكويني أي علاقة بالسياسة»، في محاولة لقطع الطريق على التأويلات الخطرة.

وفي المقابل، ظهرت زوجته أمام الكاميرات وهي تبكي بحرقة، لا تعرف إن كان زوجها حيًا أم ميتًا، ولا إن كانت ستراه مرة أخرى أم لا.

بعد ساعات من الصمت الثقيل، وردت مكالمتان هاتفيتان من الخاطفين؛ تعهّدوا خلالهما بإطلاق سراح كويني خلال أحد عشر يومًا، بشرط عدم إبلاغ الإعلام أو الشرطة.

شرط بدا مستحيل التطبيق في مدينة تهتز أصلًا على وقع الخبر، ثم زادت القصة غرابة عندما اتصل شخص آخر بجريدة «لا فانجوارديا» المحلية، مدعيًا أنه عضو في ما أسماه «الكتيبة الكتالونية»، ووعد بالإفراج عن اللاعب عقب مباراة أتلتيكو مدريد وبرشلونة.

هنا، تحولت القضية من جريمة اختطاف إلى لغز سياسي رياضي مفتوح على كل الاحتمالات، وفي غياب كويني، بدا برشلونة وكأنه فريق بلا قلب، انهار تمامًا على أرض الملعب، خسر أمام أتلتيكو مدريد، ثم جمع نقطة واحدة فقط في خمس مباريات.

فجأة، تلاشى حلم اللقب الذي كان يبدو قريب المنال، وكأن اختفاء هداف الفريق كان الضربة القاتلة التي قصمت ظهر الموسم، بالنسبة للكثيرين، لم يعد الأمر مجرد صدفة رياضية، بل «تدخّل» غامض في مسار البطولة.

الستوكهولم الغامضة.. أسئلة بلا أجوبة تغيّر موسم برشلونة

بعد خمسة وعشرين يومًا كاملة من الصمت والبحث واللهفة، حدثت المفاجأة، عثرت الشرطة على كويني محتجزًا داخل مرآب في مدينة سرقسطة، حيًّا وبصحة جيدة.

تم القبض على الخاطفين الذين طالبوا بفدية، وانتهت القضية رسميًا من الناحية القانونية. لكن النهاية الواقعية لم تُغلق أبواب الأسئلة؛ عندما خرج كويني للعلن، صدم الجميع بموقفه.

رفض توجيه أي اتهام لخاطفيه، وقال إنه لم يتعرض للأذى، وإنهم «عاملوه كبشر»، تصريح فتح باب الحديث عن إصابته بما يُعرف بمتلازمة ستوكهولم، حيث يتعاطف الضحية مع جلّاده؛ بدا كويني وكأنه يريد طي الصفحة بأي ثمن، حتى لو ظلّت الحروف مشوّشة.

عاد النجم الإسباني إلى الملعب بعد الحادثة، لكنه لم يعد كما كان، بريقه خفت، وثقته اهتزت، وكأن جزءًا من روحه ظل حبيس ذلك المرآب في سرقسطة.

أنهى مسيرته عام 1987، ورحل لاحقًا إثر سكتة قلبية، لكن قصته بقيت حية في ذاكرة برشلونة، كواحدة من تلك الحكايات التي تجعل الجماهير تهمس: هذه كرة القدم… ليست مجرد لعبة.

حتى اليوم، لا يزال السؤال معلّقًا في الهواء: هل كان اختطاف كويني مجرد جريمة فدية عادية؟ أم حلقة خفية في سلسلة مؤامرات هدفت إلى إيقاف برشلونة في سباق اللقب؟ ربما لن نعرف الإجابة أبدًا.

لكن المؤكد أن تلك الأيام الخمسة والعشرين غيّرت موسمًا كاملًا، وكتبت واحدة من أغرب الصفحات في تاريخ النادي الكتالوني.

عنان رضا

صحفية رياضية منذ 2018، لدي خبرة في كتابة الأخبار العالمية والمحلية وأخبار المحترفين، ولدي أيضًا خبرة في مجال الترجمة باللغتين الإسبانية والإنجليزية، بالإضافة إلى إهتمامي بمتابعة ما وراء الحياة الشخصية للاعبي كرة القدم في كافة أنحاء العالم، وكتابة القصص الإخبارية عنهم.