لو لم يتم إقالة تشابي ألونسو.. هل كان سيودع ريال مدريد كأس الملك؟
لم تكن ليلة الأربعاء مجرد أمسية كروية عابرة في العاصمة الإسبانية، بل كانت ليلة سقطت فيها الأقنعة وتعرى فيها واقع ريال مدريد بمرارة لا يمكن تجميلها، فبينما كانت الجماهير تنتظر ردة فعل نارية بعد التغيير الفني، اصطدمت بواقع مرير بخروج مدوٍ من دور الـ16 لكأس ملك إسبانيا على يد ألباسيتي.
خسارة لم تُسقط الفريق من بطولة فحسب، بل فتحت أبواب الجحيم للتساؤل حول جدوى القرارات الإدارية المتسرعة، وحول ما إذا كان “العلاج بالصدمة” عبر إقالة تشابي ألونسو قد تحول إلى صدمة قتلت المريض بدلاً من علاجه.
في الظهور الأول للإسباني ألفارو أربيلوا على مقاعد البدلاء، كان المشهد سرياليا؛ فريق يرتدي قمصان ريال مدريد لكنه يفتقد لروح “البلانكوس”، ومدرب شاب وجد نفسه قبطانًا لسفينة تغرق قبل أن يلمس دفة القيادة.
السؤال الذي يتردد صداه الآن في كل أروقة البرنابيو ومقاهي مدريد ليس عن نتيجة المباراة فقط، بل هو سؤال افتراضي مؤلم: “لو كان تشابي ألونسو واقفا هناك الليلة.. هل كانت النتيجة ستتغير؟”. الإجابة معقدة، لكن المؤكد أن الفوضى التي خلفتها الإقالة ألقت بظلالها الثقيلة على عشب الملعب.
سؤال بدون إجابة.. وكشف لأوضاع ريال مدريد
إن الحديث عن المباراة لا ينفصل أبدا عن السياق الذي سبقه بأيام قليلة، فرحيل تشابي ألونسو لم يكن مجرد تغيير تكتيكي، بل كان زلزالا هز استقرار غرفة الملابس.
وقد جاءت مباراة ألباسيتي لتثبت أن المشكلة ربما لم تكن أبدا في الرجل الواقف على الخط، بل في المنظومة التي قررت أن الحل الأسهل هو التضحية بالرأس المدبر، بدلا من محاسبة الأقدام المتخاذلة.
اليوم، يدفع الفريق ثمن حالة من التخبط الإداري، حيث يبدو أن قرار الإقالة جاء لامتصاص غضب مؤقت، ليخلق كارثة مستدامة.
الجماهير التي خرجت غاضبة بعد صافرة النهاية تدرك في قرارة نفسها أن ما حدث هو “جريمة كروية” مكتملة الأركان. جريمة لم يرتكبها أربيلوا، ولم يرتكبها ألونسو الراحل، بل هي نتاج تراكمات من الدلال المفرط للاعبين شعروا أنهم أكبر من الكيان، وأن أي تعثر سيدفع ثمنه المدرب وحده.
لقد دخل ريال مدريد المباراة وكأنه ضمن الفوز بشعاره فقط، فكان العقاب قاسيا من فريق ألباسيتي الذي لعب بروح وتضحية غابت عن نجوم الملايين.
وبينما يلملم الفريق جراحه، يبقى الدرس القاسي من ليلة الكأس الحزينة واضحا: كرة القدم لا تعترف بالأسماء ولا بالتاريخ وحده، لقد خسر ريال مدريد لقبا كان في المتناول، لا لشيء إلا لأن الكبرياء سبق العمل، ولأن الرغبة في إرضاء بعض “النجوم” كانت أهم من الحفاظ على استقرار المشروع الفني. اليوم، ودع الملكي الكأس، وربما ودع معه ما تبقى من هيبة هذا الموسم إذا لم يتم تدارك الأمر سريعا.

زلزال “ألباسيتي”.. حينما يسقط الكبار برعونة الصغار
لم يكن أشد المتشائمين يتوقع أن تكون بداية حقبة ألفارو أربيلوا بهذه القتامة، الخسارة أمام ألباسيتي، الفريق المكافح، لم تأتِ نتيجة سوء طالع أو قرارات تحكيمية، بل كانت نتاجا طبيعيا لحالة “التيه” التي يعيشها الفريق. ظهر اللاعبون في الملعب بلا هوية، وبلا رغبة حقيقية في القتال.
“الفريق بدا وكأنه مجموعة من الموظفين ينتظرون نهاية الدوام، لا محاربين يدافعون عن شعار أعظم نادٍ في العالم“.
الرعونة أمام المرمى، التمريرات المقطوعة، والغياب التام للضغط العالي، كلها مؤشرات أكدت أن المشكلة ذهنية بامتياز. ألباسيتي استغل هذه الحالة، ولعب بشجاعة من يدرك أن الأسد الجريح فاقد لأنيابه، فحقق المفاجأة التي لم تكن مفاجأة لمن راقب لغة جسد لاعبي الريال.
أربيلوا.. “كبش الفداء” والتاريخ الأسود
أن تتولى تدريب ريال مدريد هو حلم، ولكن أن تتولاه قبل مباراة إقصائية بـ 48 ساعة، وخلفا لمدرب بحجم تشابي ألونسو، وفي ظل غرفة ملابس مشتعلة، فهذا ليس حلما بل “مهمة انتحارية”. ومن سوء حظ ألفارو أربيلوا أن تخاذل اللاعبين لم يكلفه الخسارة فحسب، بل أدخله التاريخ من أضيق أبوابه، ليجد نفسه محاصرا بأرقام قياسية سلبية فُرضت عليه فرضا.

لقد وضع اللاعبون مدربهم الجديد في موقف لا يُحسد عليه، ليصبح اسمه مرتبطاً بقائمة قصيرة جداً ومؤلمة لمدربين افتتحوا مسيرتهم بوداع بطولة أو خسارة لقب مباشر:
3 مدربين فقط في تاريخ النادي بدأوا بخسارة لقب أو توديع بطولة
| المدرب | البطولة الضائعة | الخصم |
| جوس هيدينك | السوبر الأوروبي | تشيلسي |
| جوليان لوبتيجي | السوبر الإسباني | أتليتكو مدريد |
| ألفارو أربيلوا | كأس ملك إسبانيا | ألباسيتي |
ولم يتوقف الأمر هنا، بل إن الظلم الذي تعرض له أربيلوا يمتد ليضعه في قائمة المدربين الذين استقبلتهم “لعنة البدايات” في القرن الحادي والعشرين، وهي قائمة تضم أسماء عانت كثيراً من ظروف مشابهة لما يحدث الآن:
مدربو الريال الذين بدأوا بالخسارة في القرن الـ21
| المدرب | السنة | الخصم |
| كارلوس كيروش | 2003 | ريال مايوركا |
| لوبيز كارو | 2005 | أوليمبياكوس |
| بيرند شوستر | 2007 | إشبيلية |
| جولين لوبتيجي | 2018 | أتليتكو مدريد |
| ألفارو أربيلوا | 2025 | ألباسيتي |
هذه الجداول ليست مجرد أرقام، بل هي صك براءة لأربيلوا وإدانة لمن حوله، فالرجل لم يملك الوقت ليحفظ أسماء البدلاء، ناهيك عن تطبيق فلسفة جديدة، ليجد نفسه الضحية لتوقيت سيء، وإدارة مرتبكة، ولاعبين خذلوه كما خذلوا سلفه، جاعلين منه مجرد رقم جديد في سجلات الإخفاق الافتتاحي.
ضحينا بالبطولة.. قربانا لـ “إيجو” النجوم
لعل النقطة الأكثر إيلاما في هذا السيناريو هي الحقيقة التي يخشى الجميع التصريح بها: ريال مدريد ضحى ببطولة كأس الملك إرضاءً لغرور لاعبين مستهترين.
إقالة تشابي ألونسو لم تكن لأسباب فنية بحتة، فالكل يعلم قدرات ألونسو، الإقالة جاءت لأن بعض “مراكز القوى” داخل الفريق لم يعجبها الحزم أو النظام، أو ربما لم يرق لها أسلوب المدرب. وبدلاً من أن تضرب الإدارة بيد من حديد وتفرض الانضباط، اختارت الطريق الأسهل: إقالة المدرب.
الرسالة الخاطئة: الرسالة التي وصلت للاعبين اليوم هي: “أنتم الأقوى، وإذا ساءت النتائج سنغير المدرب”. وهذه الرسالة هي التي ولدت حالة الاستهتار التي رأيناها أمام ألباسيتي.
الثمن الغالي: الكبرياء الإداري والرغبة في “تطييب خاطر” النجوم كلف النادي لقبا رسميا.
لو بقي “المايسترو”.. هل كان الحال سيتغير؟
بالعودة للسؤال العنوان: هل كان تشابي ألونسو سيودع الكأس؟ على الأرجح، لا.
على الرغم من المشاكل، كان ألونسو يمتلك “مفاتيح” الفريق، وكان يعرف من هو المتخاذل ومن هو المقاتل. الاستقرار الفني، حتى في ظل تراجع المستوى، يمنح الفريق حداً أدنى من التنظيم يكفي لتجاوز عقبة مثل ألباسيتي.
إقالة ألونسو أحدثت فراغا في القيادة، وشللا في التفكير التكتيكي داخل الملعب، فدخل اللاعبون المباراة وهم يفكرون في “ماذا حدث؟” بدلا من “كيف نفوز؟”. لو بقي تشابي، لربما كان هناك توتر، لكنه توتر كان سيُترجم إلى رغبة في إثبات الذات، وليس إلى فوضى عارمة كما حدث الليلة.
في النهاية خسر ريال مدريد الكأس، وخسر مدربا قديرا، وربما يخسر موسمه بالكامل إذا لم يدرك الجميع أن الشعار أكبر من أي نجم، وأن هيبة النادي لا تُشترى بتبديل المدربين، بل بعرق اللاعبين.