لماذا يرتجف المتصدر؟.. أرسنال ويونايتد و”فوبيا” الحسم التي تهدد بضياع الدوري مجددًا
لم تكن صافرة النهاية في ملعب “الإمارات” مجرد إعلان عن خسارة المتصدر أرسنال على يد مانشستر يونايتد، بل كانت إعلانًا عن دخول الدوري الإنجليزي الممتاز مرحلة “الشك اليقيني”.
في ليلة تداخلت فيها الحسابات الرقمية مع الهواجس النفسية، بدا أرسنال وكأنه يواجه خصمين في آن واحد، مانشستر يونايتد المنظم خلف الكرة، وأشباح المواسم الماضية التي طاردت مدرجاته وشلت أقدام لاعبيه.
مايكل كاريك ليس مدرب طوارئ… بل نسخة أصلية افتقدها مانشستر يونايتد طويلًا 🔴
— 365Scores Arabic (@365scoresarabic) January 25, 2026
هل يستحق الاستمرار ومنحه الثقة الكاملة؟ أم أن الفريق ما زال بحاجة إلى «اسم كبير» لقيادة المشروع؟ 🤔⁉️#كاريك #مانشستر_يونايتد #الدوري_الإنجليزي pic.twitter.com/3skP5IoClY
سيكولوجية الانهيار.. لماذا يرتجف المتصدر؟
لا يزال أرسنال متصدرًا، ولا تزال النماذج الرياضية في “أوبتا” تمنحه الأفضلية الكاسحة بنسبة 84.44% لاستعادة اللقب الغائب منذ عقدين، في حين تبلغ فرصة مانشستر سيتي 8.38%، وأستون فيلا 7.09%، لكن الهزيمة أمام مانشستر يونايتد – وهي الأولى للفريق على أرضه هذا الموسم – كشفت عن تصدع أعمق من مجرد فقدان ثلاث نقاط.

بدا أرسنال فريقًا مثقلًا بإرثه القريب، يلعب تحت وطأة “الخوف من الضياع” بدلًا من “نشوة الانتصار”، بينما لعب مانشستر يونايتد وكأنه فريق اكتشف فجأة خفة الحركة بعد سنوات من التخبط الهيكلي.
عندما تقدم أرسنال بهدف عكسي من ليساندرو مارتينيز، كان من المفترض أن يمنح ذلك الفريق “السكينة التكتيكية”، الواقع كان العكس تمامًا.
بدأ الفريق يلعب وكأنه يدافع عن اللقب في الدقيقة الأخيرة من الموسم، التمريرات التي كانت تتسم بالبرود والدقة تحولت إلى تمريرات “ذعور”، مما أدى إلى فقدان السيطرة على وسط الملعب.
وهي حالة نفسية تُعرف في الرياضات الكبرى بـ “الاختناق عند القمة”، حيث يصبح الهدف الأساسي هو “تجنب الخطأ” بدلًا من “صناعة اللعب”؛ في اللحظات التي عاد فيها يونايتد للمباراة، افتقد أصحاب الأرض للاعب الذي يضع قدمه على الكرة ويهدئ الصخب

مارتن أوديجارد، رغم مهارته، بدا مستنزفًا ذهنيًا، وديكلان رايس كان مشغولًا بتغطية المساحات الشاسعة التي تركها تقدم الأظهرة غير المحسوب، هذا الفراغ القيادي سمح لمانشستر يونايتد بفرض إيقاعه النفسي على المباراة قبل إيقاعه الفني.
العقم الهجومي.. حينما تتحول الأرقام إلى قيدٍ يمنع التتويج
بينما يمكن إرجاع تذبذب نتائج أرسنال الأخير إلى عوامل نفسية أو ضغوط المنافسة، إلا أن “الرنين المغناطيسي” لجسد الفريق الفني يكشف عن ورمٍ استفحل في المنظومة الهجومية.
المشكلة في لندن لم تعد تتعلق بصناعة اللعب؛ فالجانرز لا يزال يصل، ولا يزال يستحوذ، لكنه يفتقد إلى “الغريزة” التي تحول السيطرة إلى نقاط. الأرقام الفردية لعناصر الهجوم لا توحي بمجرد “كبوة جواد”، بل تعكس خللًا يضع كامل مشروع ميكيل أرتيتا على المحك.

تقوم فلسفة أرتيتا الهجومية على مبدأ “التفوق العددي والنوعي” على الأطراف؛ فالأجنحة ليست مجرد صانعة ألعاب، بل هي المصدر الأساسي لإنهاء الهجمات؛ هذا النموذج الهيكلي يتعرض الآن لانتكاسة كبرى، حيث تحول الرواقين الأيمن والأيسر من مناطق “إعدام للخصوم” إلى مناطق “ركض سلبي”.
يعيش بوكايو ساكا “الفتى الذهبي” للندن أسوأ فتراته الإنتاجية على الإطلاق؛ إذ تفيد الأرقام بصيامه التام عن التسجيل في آخر 13 مباراة بجميع المسابقات، وبحصيلة صادمة بلغت هدفًا واحدًا فقط في آخر 17 مواجهة.
على الطرف الآخر، يعاني البرازيلي جابرييل مارتينلي من انفصال تام عن الشباك، بـ13 مباراة متتالية في الدوري بلا هدف، وهدف يتيم في آخر 17 جولة.
استبشرت جماهير أرسنال خيرًا بقدوم فيكتور جيوكيريس ليكون الحل لمشكلة المهاجم التقليدي، لكن الإحصائيات الحالية تضع علامات استفهام كبرى حول مدى قدرته على تغيير المعادلة في المباريات الكبرى.
هدفين فقط من اللعب المفتوح في 21 مشاركة، وصيام كامل عن التسجيل من اللعب المفتوح في آخر 11 مباراة دوري، يبدو جيوكيريس وكأنه غرق في متطلبات أرتيتا التكتيكية على حساب غريزته التهديفية.

لم يقتصر الأمر على العناصر الأساسية، بل امتد العقم ليشمل “الحلول البديلة” التي كان يُفترض أن تصنع الفارق في الدقائق الأخيرة، لتتحول مقاعد البدلاء في “الإمارات” إلى مجرد أسماء لامعة بلا إنتاج حقيقي.
لياندرو تروسارد الذي كان يُعتبر “الجوكر” المنقذ، فقد بوصلته التهديفية تمامًا؛ فصيامه مستمر لـ6 مباريات متتالية، وبحصيلة هدف واحد في آخر 11 ظهور.
وكذلك الوافد الجديد نوني مادويكي، الذي غاب تمامًا عن التسجيل في آخر 25 مباراة دوري (موزعة بين أرسنال وتشيلسي)، منها آخر 7 مباريات مع الجانرز في كافة المسابقات بلا أي بصمة.
هذا الفشل الجماعي في “الحسم” يعني أن أرسنال يضطر لبذل مجهود مضاعف لصناعة أهداف صعبة، بينما يستقبل أهدافًا نتيجة أخطاء فردية وتوتر ناتج عن الإحباط الهجومي.
يسير فريق أرتيتا في حلقة مفرغة؛ غياب الأهداف يولد الضغط، والضغط يولد التسرع، والتسرع يقتل الفعالية الهجومية؛ وبدون استعادة “الحاسة السادسة” أمام المرمى، ستظل الصدارة مجرد رقم هش ينتظر السقوط أمام أي فريق منظم دفاعيًا.

مانشستر يونايتد وكاريك.. فلسفة “الوضوح المدمر”
بينما كان أرسنال يغرق في تعقيداته، كان مايكل كاريك يقدم نسخة من مانشستر يونايتد تتسم بالبساطة والفعالية، لقد أدرك كاريك أن هذا الفريق لا يحتاج إلى فلسفات معقدة، بل يحتاج إلى “هيكل” يحرر مواهبه.
باعتماد رسم 4-2-3-1، وضع كاريك “المسامير في أماكنها الصحيحة”، عاد برونو فرنانديز إلى مركزه الطبيعي كصانع ألعاب صريح (رقم 10)، مما أعاد الربط المفقود بين الوسط والهجوم.
وبدلًا من المغامرة بضغط عالٍ عشوائي، اعتمد يونايتد ضغطًا انتقائيًا ومسافات متقاربة جدًا بين الخطوط، مما أحبط محاولات أرسنال للاختراق من العمق.

وبجانبه، استعاد كاسيميرو بريقه كـ “جنرال” لخط الوسط، يفسد الهجمات قبل بدئها ويوزع اللعب بهدوء، هذا التوازن سمح ليونايتد بالبقاء هادئاً حتى عندما امتلك أرسنال الكرة بنسبة تجاوزت 60%.
باتريك دورجو وأماد ديالو لم يلعبا كأجنحة تقليدية، لقد كانا “أدوات تكتيكية” متعددة المهام؛ في الحالة الدفاعية، كان الفريق يتحول إلى 6-3-1، مما أغلق كافة ممرات التمرير العرضي لأرسنال.
عند استعادة الكرة، تنطلق هذه العناصر بسرعة البرق في المساحات التي تركها خط وسط الجانرز؛ هدف ماتيوس كونيا القاتل لم يكن صدفة، بل كان نتاج “تعب” أرسنال الذهني أمام “حيوية” يونايتد المنظم.
إدارة “الفوضى” مقابل إدارة “النظام”
اللحظة المحورية في المباراة كانت قرار ميكل أرتيتا بإجراء أربعة تبديلات دفعة واحدة والنتيجة 2-1 ليونايتد، تكتيكيًا، هذا القرار يُصنف كـ “مقامرة يائسة”.
عندما تعادل ميرينو في الدقيقة 84، كان المنطق يقول إن أرسنال سيهدئ اللعب للحفاظ على نقطة في سباق طويل، أو مواصلة الضغط لاقتناص النقاط الثلاث من فم الأسد، ولكن الواقع لم يكن هذا ولا ذاك؛ التوتر غلب العقل، واستمرت “الهشاشة النفسية” كما هي.
في المقابل، حافظ يونايتد على رباطة جأشه؛ هدف ماتيوس كونيا المتأخر لم يكن “ضربة حظ”، بل كان تتويجًا لفريق ظل يلعب بنفس الفكرة منذ الدقيقة الأولى بعنوان “انتظر، نظّم، ثم اضرب”.
ليلة الأحد في لندن لم تغير خريطة النقاط بشكل جذري، فاللقب لا يزال في قبضة أرسنال إحصائيًا على الأقل، لكنه كشف حقيقة جوهرية وهي ان أرسنال يلعب كمن يخشى الخسارة، بينما يلعب يونايتد كمن بدأ يكتشف كيف يربح.
قراءة في أفق الدوري.. هل بدأت النهاية؟
على الرغم من الهزة العنيفة، لا تزال لغة الأرقام تحمي أرسنال، نحن نعيش في موسم “النقاط المنخفضة”، حيث تعثر الجميع (سيتي، ليفربول، تشيلسي)؛ الـ 50 نقطة التي يمتلكها أرسنال تجعله في وضع مريح تاريخيًا إذا استعاد توازنه بسرعة.
ورغم خسارة مباراة وتعادل مباراتين من آخر ثلاث مباريات، يظل أرسنال يمتلك ثاني أفضل معدل نقاط لكل مباراة خلال آخر ست جولات مقارنة بأي من الفرق الستة الأولى، بينما يتصدر مانشستر يونايتد هذا المؤشر.
| الفريق | الأداء الأخير (آخر 6 مباريات) | معدل النقاط لكل مباراة |
|---|---|---|
| أرسنال | 3 انتصارات وتعادلين وهزيمة | 1.83 |
| مانشستر سيتي | انتصارين وخسارة و3 تعادلات | 1.50 |
| أستون فيلا | 3 انتصارات وتعادل وهزيمتين | 1.67 |
| مانشستر يونايتد | 3 انتصارات و3 تعادلات | 2.00 |
| تشيلسي | انتصارين وتعادلين وهزيمتين | 1.33 |
| ليفربول | فوز وخسارة و4 تعادلات | 1.16 |
يبدو أيضًا أن هذا الموسم سيتطلب أقل عدد من النقاط للفوز بالدوري لفترة من الزمن، حيث يُعدّ رصيد أرسنال البالغ 50 نقطة أقل بكثير من متوسط نقاط الفائز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز (55 نقطة) في هذه المرحلة من الموسم.
في المواسم السابقة، كان يُنظر إلى تراجع مستوى أرسنال على أنه السبب الرئيسي في عدم التتويج بالدوري، أما هذا الموسم، فيبدو أن هذا الاحتمال أقل بكثير في ظل باقي مستويات الفرق المتنافسة.
ومع ذلك، فإن الخطر لا يكمن في المنافسين بقدر ما يكمن في “الداخل”؛ أرسنال يواجه الآن اختبارًا لشخصيته؛ فإما أن تكون هذه الهزيمة هي “الصفعة” التي تعيدهم للواقع وتدفعهم للقتال، أو تكون بداية “الانهيار الجليدي” الذي شهدناه في مواسم سابقة.
الجدول المتبقي يخدم أرسنال (مواجهتان فقط ضد الكبار)، حيث سيستضيف تشيلسي، ثم يخرج لمواجهة مانشستر سيتي في “الاتحاد”، لكن كما أثبتت مباراة يونايتد، فإن الخصم الأكبر لأرسنال هو “أرسنال نفسه”.

امانشستر يونايتد لم يسرق الفوز، بل انتزعه بفضل وضوح الرؤية والشجاعة التكتيكية؛ غادر الشياطين الحمر لندن وهم يحملون أكثر من ثلاث نقاط؛ لقد استعادوا “هيبة” مفقودة وثقة في مشروع كاريك.
أما أرسنال، فقد غادر الملعب وسط حيرة فنية ستجعل أسبوع أرتيتا القادم هو الأصعب في مسيرته التدريبية مع الجانرز، ففقدان أي نقاط أخرى ستزيد الطين بله.