ألفارو أربيلواجوزيه مورينيو365TOPبطولات ودوريات

“لا مكان للعاطفة”.. مورينيو يواجه ريال مدريد بقلب “أب” وعقل “محارب” لإنقاذ بنفيكا

ليلة أوروبية مشحونة بالتاريخ والضغوط، يقف جوزيه مورينيو على خط التماس في مواجهة تحمل أكثر من مجرد 90 دقيقة، ليست فقط مباراة بين بنفيكا وريال مدريد، بل عودة رجل إلى ماضٍ صنع فيه مجده، واصطدام بين رمزية الماضي وضرورات الحاضر، في لحظة قد تعيد رسم مصير فريق كامل في دوري أبطال أوروبا.

يواجه مورينيو فريقًا يعرفه جيدًا، ليس كضيف عابر، بل كمدرب سابق ترك بصمته في واحدة من أكثر فترات ريال مدريد شراسةً وتنافسًا؛ بين 2010 و2013، أعاد تشكيل عقلية النادي، زرع الصلابة، وصنع فريقًا قادرًا على الوقوف أمام برشلونة جوارديولا في ذروة مجده. الآن يعود، ولكن من الضفة الأخرى، مدافعًا عن حلم بنفيكا في البقاء حيًا أوروبيًا.

الأب ضد الابن.. مواجهة شخصية بطابع إنساني

المفارقة الأكثر شاعرية في المشهد أن مورينيو لا يواجه فقط ريال مدريد، بل يواجه “أحد أبنائه”؛ ألفارو أربيلوا، الظهير الذي كان نموذجًا للانضباط التكتيكي في حقبة مورينيو، يقف الآن مدربًا للفريق الأول، في أول تجربة حقيقية له على هذا المستوى، بعد تصعيده عقب رحيل تشابي ألونسو.

تاريخ ريال مدريد ضد بنفيكا: الإحصائيات والنتائج الأخيرة للفريقين
جوزيه مورينيو – ألفارو أربيلوا – ريال مدريد – بنفيكا (المصدر:Gettyimages)

العلاقة بين الرجلين تتجاوز كرة القدم، مورينيو لم يتعامل مع أربيلوا كلقب في التشكيل، بل كشخص يثق به داخل وخارج الملعب؛ وصفه بـ”الابن” لم يكن مجازًا إعلاميًا، بل انعكاسًا لعلاقة مبنية على الولاء والانضباط والاحترام المتبادل. لكن، وكما هي عادة مورينيو، المشاعر تتوقف عند صافرة البداية.

البرتغالي كان واضحًا، الودّ لن يكون جزءًا من الخطة التكتيكية. فبين الخطوط، لا مكان للعاطفة، خصوصًا حين يكون فريقه هو الطرف الأكثر احتياجًا للنقاط، كما وأنه يواجه الكتيبة الملكية الذي لم ينجح في تحقيق أي انتصار أمامهم.

ريال مدريد.. في منطقة الأمان النسبي

من الناحية الحسابية، يدخل ريال مدريد المواجهة من موقع قوة، الفوز الكاسح 6-1 على موناكو في الجولة الماضية لم يكن مجرد عرض هجومي، بل قفزة استراتيجية في جدول الترتيب.

الفريق يقبع في المركز الثالث بـ15 نقطة، ضمن المنطقة التي تضمن نظريًا مقعدًا مباشرًا بين الثمانية الأوائل المؤهلين إلى دور الـ16 دون المرور بمراحل إضافية.

تشكيل ريال مدريد ضد فياريال بالجولة 21 في الدوري الإسباني 2025-26
كيليان مبابي – فرانكو ماستانتونو – ريال مدريد (المصدر:Gettyimages)

الفارق ليس مريحًا تمامًا، لكنه مريح بالقياس إلى خصمه، ثلاث نقاط تفصل ريال عن بايرن، وست نقاط عن المتصدر أرسنال؛ أي أن الفريق يلعب لتحسين موقعه، لتأمين عبور مباشر، لتفادي تعقيدات لاحقة، لكنه لا يلعب بسكين على رقبته.

هذا الفارق النفسي مهم للغاية خاصة في مواجهة من هذا النوع بالبطولة الأوروبية الأكبر، فـ ريال يمكنه إدارة المباراة، بنفيكا لا يملك هذا الترف.

بنفيكا.. ظهر إلى الحائط

هنا تكمن العقدة الحقيقية للمباراة، بنفيكا لا يدخل اللقاء بوصفه منافسًا تقليديًا لريال مدريد، بل فريقًا يقاتل ضد الساعة وضد الأرقام وضد واقعه في جدول الترتيب.

الفريق البرتغالي يقبع في المركز 29 برصيد 6 نقاط، موقع يعني ببساطة أنه خارج الصورة تمامًا، ليس فقط خارج المراكز المؤهلة مباشرة، بل حتى خارج نطاق الفرق التي تملك هامشًا للمناورة.

فانجيليس بافليديس - بنفيكا
فانجيليس بافليديس – بنفيكا – Getty Images

المسافة بينه وبين منطقة المراكز الـ24 التي تمنح فرصة الاستمرار في الأدوار الإقصائية لم تعد مسألة تحسين فارق أهداف أو تعادل ذكي، بل تحتاج إلى انتصار كبير في توقيت أكبر.

الفوز هنا ليس مكسبًا معنويًا، بل شرط بقاء، أي نتيجة أخرى تعني أنه خارج الصورة تمامًا بغض النظر عن نتائج باقي المتنافسين، ولكن يُعول الفريق البرتغالي على قدرة مدربه، فهو الذي قادهم لجمع النقاط الـ6 منذ توليه المهمة.

ولهذا شدد مورينيو على “التوازن”، كلمة تبدو تقليدية، لكنها في هذا السياق معادلة شبه مستحيلة، بنفيكا مطالب بالهجوم لأنه يحتاج هدفًا، بل أهدافًا، لكنه يواجه فريقًا يعيش على العقاب السريع في المساحات، أي اندفاع غير محسوب قد يحول المباراة من فرصة إنقاذ إلى ليلة قاسية.

مورينيو: عاطفة مؤجلة.. وتوازن لا يقبل المغامرة

في مؤتمره الصحفي، لم يتعامل مورينيو مع المباراة كحدث عاطفي بقدر ما قدّمها كمعادلة تكتيكية حساسة، اعترف ضمنيًا بحجم الفارق في الوضع بين الفريقين، لكنه شدد على أن اليأس لا يجب أن يتحول إلى فوضى.

المدرب البرتغالي لخّص الصورة بوضوح، بنفيكا يحتاج إلى تسجيل هدف أكثر من خصمه، “وهذا أمر بديهي في كرة القدم”، لكنه حذر من أن السعي وراء الهدف دون تنظيم دفاعي سيمنح ريال مدريد ما ينتظره تحديدًا.

من وجهة نظره، الخطر لا يكمن في الرغبة الهجومية، بل في اللحظة التي يفقد فيها الفريق الكرة، والمساحات التي قد تظهر بين الخطوط.

جوزيه مورينيو (المصدر:Gettyimages)
جوزيه مورينيو (المصدر:Gettyimages)

وأشار إلى أن ريال لا يحتاج إلى سيطرة مطلقة ليحسم المباريات؛ لحظة واحدة من فقدان التوازن كفيلة بأن تتحول إلى هدف. لذلك، فإن التوازن بالنسبة لبنفيكا ليس خيارًا تكتيكيًا بل شرط بقاء في المباراة.

وعن أربيلوا، تحدث مورينيو بلغة أبوية واضحة، مؤكدًا أنه أحد أقرب لاعبيه السابقين إليه على المستوى الشخصي، لكنه رسم خطًا فاصلًا بين المشاعر والمنافسة؛ تمنياته الطيبة، كما قال، تتوقف عند حدود هذه الليلة.

كما علّق على رحيل تشابي ألونسو، مبديًا فخره برؤية لاعبيه السابقين يدخلون عالم التدريب، ومؤكدًا أن ما حدث له في مدريد لا يقلل من قيمته أو مستقبله.

نبرة مورينيو كانت واقعية: لا حديث عن “معجزة”، بل عن صمود، تنظيم، وانضباط تحت الضغط، والباقي ينتظرنا على مدار 90 دقيقة.

معركة عقول أكثر من معركة أسماء

مورينيو يعرف جيدًا كيف تُلعب هذه النوعية من المباريات، حين يكون فريقه أقل في جودة الأسماء، لكنه أعلى في دوافع النجاة. سيحاول خنق الإيقاع، كسر نسق ريال، اللعب على التفاصيل الصغيرة مثل الكرات الثانية، الأخطاء، اللحظات الانتقالية.

في المقابل، ريال مدريد يدخل بثقة فريق يشعر أن الأمور تحت السيطرة، هذه الثقة قد تكون سلاحًا، وقد تتحول إلى فخ إذا فقد الفريق حدته؛ وهنا تحديدًا تكمن فرصة بنفيكا، اللعب على توتر الخصم المنخفض، على فكرة أن المباراة “ليست مصيرية” بالنسبة له.

كيليان مبابي - فينيسيوس جونيور - ريال مدريد
كيليان مبابي – فينيسيوس جونيور – ريال مدريد – المصدر (Getty images)

لكن بالنسبة لمورينيو ولاعبيه؟ هي كل شيء؛ ففي صورة أوسع، المباراة تبدو كأنها تقاطع بين مسارين، ريال مدريد يسير للأمام بثبات في جدول البطولة، ينظر إلى الأدوار النهائية، يحسب طريقه نحو اللقب؛ وبنفيكا ينظر إلى الخلف، يخشى السقوط خارج المشهد، يقاتل فقط ليبقى في الصورة.

هذا التباين في الحالة الذهنية، قبل التكتيك، هو ما يمنح المواجهة حدتها، فريق يريد تحسين موقعه، وآخر يريد إنقاذ موسمه القاري بالكامل.

ولهذا، حين أشار مورينيو إلى أن فريقه سيقاتل للبقاء في المنافسة، لم يكن ذلك خطابًا تحفيزيًا فقط، بل توصيفًا لحالة فريق يلعب دون شبكة أمان، وفي كرة القدم الأوروبية، هذه الحالة إما تصنع المفاجآت، أو تكشف الفوارق بلا رحمة.

الليلة، لن تكون مجرد مواجهة مدرب وناديه السابق، بل اختبار لقدرة بنفيكا على رفض السقوط، ولمدى استعداد ريال مدريد للتعامل بجدية مع خصم يلعب وكأن المباراة هي آخر ما يملكه هذا الموسم.

محمود الشوادفي

صحفي مصري، أكتب في 365Scores عن كرة القدم كما تُرى من داخل التفاصيل، بدأت رحلتي الصحفية عام 2019، وأؤمن أن وراء كل رقم حكاية، ووراء كل مباراة فكرة تستحق أن تُروى بأسلوب مختلف.