باريس سان جيرمانبيب جوارديولا365TOPبطولات ودوريات

كرة القدم لعبة حقيرة!.. هل كشف لويس إنريكي الوجه المظلم الذي نرفض الاعتراف به؟

في مخيلة الرومانسيين، كرة القدم هي ساحة للباليه؛ حيث المهارة، الجمال، والروح الرياضية هي العملات الوحيدة المقبولة، لكن في مسارح الحقيقة، تبدو اللعبة ككائن “براجماتي” بارد، لا يعترف بالنوايا ولا يكافئ النُبل.

كرة القدم لعبة لا تمنح الفوز للأجمل، بل لمن يفك شفرة قوانينها بذكاء، حتى لو كان ذلك على حساب المتعة؛ فهل كرة القدم لعبة “حقيرة” حقًا؟ أم أنها ببساطة لا تحمي من يتجاهل واقعيتها؟

في عالم الساحرة المستديرة، تتسع الفجوة الطبقية بين الأندية النخبوية والفرق الطامحة؛ فأندية مثل باريس سان جيرمان، مانشستر سيتي، وريال مدريد، وغيرهم الكثير، تضخ مليارات الدولارات لجلب المواهب القادرة على صياغة الفارق الفني.

وفي المقابل، تضطر الفرق الأقل إمكانيات للبحث عن كل طريقة لعب، أو لمحة تفوق، أو ربما ثغرة ممكنة للانتصار؛ فهي لا تملك ترف “الجمال”، بل تملك فقط إرادة “البقاء”.

هنا تظهر الاستراتيجيات التي تُنكل بجمالية اللعبة وتخالف روحها المثالية، لكنها تظل محصنة داخل إطار القانون؛ فلو كان الفريق الأقوى أو الأغنى هو الفائز حتمًا، لكانت كرة القدم مجرد معادلة رياضية مملة، ولما وجدت تلك المعجزات التي يقتنص فيها الصغير فوزًا من العملاق بأساليب قد تبدو “خبيثة”.

ثورة إنريكي.. عندما تُهزم “العدالة الفنية”

فجّر لويس إنريكي، مدرب باريس سان جيرمان، بركانًا من الجدل عقب مباراة فريقه ضد سبورتنج لشبونة في دوري أبطال أوروبا، لم يكن غضبه موجهًا لخطأ فني من لاعبيه، بل نحو “جوهر اللعبة” ذاتها، حين صرخ بمرارة: “خسرنا لأن كرة القدم لعبة حقيرة”.

لويس إنريكي مدرب باريس سان جيرمان.. (المصدر:Gettyimages)
لويس إنريكي مدرب باريس سان جيرمان.. (المصدر:Gettyimages)

إنريكي لم يكن يهاجم الخصم لشجاعته، بل لاستخدامه ما يمكن تسميته “الأسلحة الصامتة”: تضييع الوقت المتعمد، السقوط المتكرر عند كل التحام، وكسر ريتم المباراة بمباركة من صافرة الحكم التي لم تكن حازمة بما يكفي؛ بالنسبة لمدرب يقدس الإيقاع العالي والسيطرة المطلقة، كان ما حدث بمثابة “اغتيال تكتيكي” لمشروعه الكروي.

لكن الواقع القاسي يؤكد أن الخصم لم يخالف أي بند؛ بل استثمر “مناطق الظل” في القوانين لصالحه، وعقب الهزيمة المفاجئة 2-1، بعد هدف لويس سواريز القاتل في الدقيقة الأخيرة، صرح إنريكي بذهول:

“هذه كرة قدم سيئة “حقيرة” برأيي.. النتيجة مخيبة للآمال وغير عادلة، لم أرَ سوى فريق واحد طوال المباراة وهو باريس سان جيرمان”.

“ليست هذه هي المرة الأولى، أمام باريس إف سي في كأس فرنسا، كنا الأفضل وخسرنا، وأمام أتلتيك بيلباو كنا الأفضل وتعادلنا، وهكذا تسري الأمور بالنسبة لكم “الصحفيين”؛ تنظرون إلى النتيجة فقط”.

تعكس هذه الكلمات حالة الصدمة من التناقض العميق بين “المثالية الفنية” والواقع “التنافسي” الذي لا يكترث بمن سيطر، بل بمن استطاع الصمود والهروب بالنقاط الثلاث في الوقت المبدد.

جوارديولا.. “الخطيئة” المغلفة بالدهاء

حتى “كهنة” كرة القدم النظيفة الذين يشتكون من هذه الأساليب، لا يترددون في ممارستها عندما تضيق بهم السبل، في مواجهة شهيرة بين مانشستر سيتي وليدز يونايتد، وبينما كان الخصم يضغط بشراسة بحثاً عن التعادل، سقط الحارس الإيطالي جيانلويجي دوناروما فجأة مدعيًا الإصابة دون أي احتكاك واضح.

بيب جوارديولا
بيب جوارديولا (المصدر Gettyimages)

لم تكن الدقيقتان اللتان توقف فيهما اللعب مجرد “بروتوكول علاجي”، بل تحولتا إلى “وقت مستقطع” غير رسمي، استغله جوارديولا ليجمع لاعبيه حوله، يعيد تنظيم خطوطه، ويبرد حرارة الهجوم المندفع لليدز.

دانييل فاركي، مدرب ليدز، علق بمرارة عقب نهاية اللقاء بالخسارة 3-2، واصفًا المشهد:

“هل كانت اللقطة ذكية؟ نعم، هل أوافق عليها؟ لأ، ولكن هل نتحدث عن اللعبة أم عن اللعب النظيف؟”.

وجاء رد السيتي ضمنيًا أن الذكاء التكتيكي يمتد ليشمل كيفية “إيقاف” اللعب كما يشمل كيفية “بدئه”، هذا الموقف يثبت أن الكرة لا تحمي “المغفلين جماليًا”، بل تكافئ من يطوع القواعد لخدمة أهدافه اللحظية.

ستوك سيتي وروري ديلاب.. رميات التماس كسلاح قانوني

في تاريخ الدوري الإنجليزي، لم يجسد فريق فكرة “القبح الناجح” كما فعل ستوك سيتي تحت قيادة توني بوليس؛ في موسم 2008-2009، قرر بوليس تطويع الجغرافيا لصالح أهدافه؛ فقام بتضييق عرض الملعب لأقصى حد قانوني مسموح به لتقليل المساحات أمام المبدعين.

بطل هذه الحقبة كان “روري ديلاب”، اللاعب الذي حول رميات التماس إلى قذائف باليستية تمزق الدفاعات، سقط آرسنال وكبار إنجلترا أمام هذا الأسلوب الذي وصفه آرسين فينجر، حارس معبد الجمال، بأنه “ميزة غير عادلة”، بعدما خسر أمام ستوك سيتي بفضل “أيدي” الأيرلندي.

طالب فينجر بتعديل اللوائح، لكن ستوك سيتي كان ببساطة يقرأ “كتاب القواعد” بتركيز أكبر؛ حيث حوّل رمية التماس من مجرد إجراء روتيني إلى “سلاح دمار شامل”؛ ومن هناك خرجت مقولة أندي جراي الشهيرة:

هل يمكن أن يفعلها في ليلة ماطرة في ستوك؟

ستوك سيتي، الذي كان أحد الصادعين إلى البريميرليج، نجا من الهبوط وحافظ على مكانته وسط الكبار، بفارق 11 نقطة فقط عن الثلاثة الهابطين، ولكن السر لم يكن في قوة دفاعهم أو شراسة هجومهم، حيث أنهو الموسم بفارق أهداف -17، وإنما كانت في ملعبهم الصعب، ورميات التماس التي استخدموها بقوة آنذاك.

الأرقام كانت صادمة، فربع أهداف الفريق جاءت من ذراعي ديلاب، لم يكن الأمر صدفة، بل كان “هندسة للقبح” تُمارس يوميًا في التدريبات؛ هل كانت حقارة؟ ربما في نظر الخصوم، لكنها في نظر مشجعي ستوك كانت “عبقرية الفقراء”، والتي نجحت في إبقائهم في الدوري الإنجليزي الممتاز.

هل الجمال شرط للشرعية؟

تتمحور المعضلة في كرة القدم حول صراع فلسفي أزلي؛ مدرسة الالتزام الفني، التي ترى أن من واجب الفريق الأكبر تقديم كرة ممتعة، وأن “قتل اللعب” هو خيانة لروح الرياضة، ومدرسة النتيجة أولًا، التي ترى أن الملعب هو ساحة حرب، والغاية فيها تبرر الوسيلة ما دام القانون لم يُخرق.

كرة القدم ليست حقيرة لأنها تمنع الجمال، بل لأنها تمنح صك الغفران لمن “يسرق الوقت” بذكاء، إنها اللعبة الوحيدة التي قد يخرج فيها فريق لم يسدد كرة واحدة منتصرًا، لأن الخصم أخطأ مرة واحدة؛ هي اللعبة التي تسمح للاعب بتمثيل الإصابة لتعطيل هجمة مرتدة، وتسمح للمدرب بتغيير أبعاد الملعب ليحرم الخصم من مهاراته.

نحو “الوقت الفعلي” أم الحفاظ على “سحر العيوب”؟

إن وصف إنريكي للكرة بـ “الحقارة” هو صرخة عجز أمام واقعية اللعبة الفجة، فطالما ظل الحكم هو المتحكم الوحيد في تقدير الوقت، وظلت الثغرات القانونية متاحة، ستستمر “الفنون المظلمة” في الازدهار.

ربما يكمن الحل في الانتقال إلى نظام “الوقت الفعلي” (كما في كرة السلة) لإنهاء أسطورة تضييع الوقت، ولكن هل ستظل كرة القدم هي نفسها دون تلك الدراما؟ حتى ذلك الحين، ستظل كرة القدم هي المرآة الأكثر صدقاً للحياة: ساحة لا تنتصر فيها النوايا الحسنة دائمًا، بل يفوز فيها من يتقن اللعب داخل القواعد، بذكاء، وبراجماتية، وحتى بقليل من “الحقارة” القانونية.

محمود الشوادفي

صحفي مصري، أكتب في 365Scores عن كرة القدم كما تُرى من داخل التفاصيل، بدأت رحلتي الصحفية عام 2019، وأؤمن أن وراء كل رقم حكاية، ووراء كل مباراة فكرة تستحق أن تُروى بأسلوب مختلف.