السوبر الإسبانيبرشلونة365TOPبرشلونة

تجنبًا لسيناريو الكلاسيكو الماضي.. لماذا منع فليك لامين يامال من استخدام الهاتف؟

لامين يامال، في كرة القدم، لا تُحسم كل المعارك على الورق، ولا يكون الانتصار دائمًا انعكاسًا مباشرًا لعبقرية تكتيكية أو تفوقٍ فني واضح، كثيرًا ما تتراجع الخطط والتشكيلات أمام عاملٍ أكثر خفاءً وأشد تأثيرًا: التركيز الذهني، ففي المباريات الكبرى، تصبح السيطرة على ما يدور خارج المستطيل الأخضر لا تقل أهمية عن التحكم في المسافات داخله، ويتحوّل الهدوء النفسي إلى سلاحٍ حاسم لا يقل خطورة عن أي منظومة لعب.

في هذا النوع من المواجهات، قد تكون كلمة زائدة قبل المباراة أو في مؤتمر صحفي، أو اعتراض عفوي على قرار تحكيمي، أو حتى انفعال لحظي داخل الملعب، كفيلًا بخلق ضغطٍ نفسي لا يُحتمل، الضوضاء، الجماهير، التوقعات، والضغوط الإعلامية، كلها عناصر تتسلل بهدوء إلى عقول اللاعبين قبل صافرة البداية، لتصبح عدوًا خفيًا يسبق المباراة نفسها، وقد يحسمها قبل أن تبدأ فعليًا.

بعيدًا عن السبورة، والتشكيل المتوقع، وخطط إيقاف ريال مدريد، يبدو أن هانز فليك يخوض معركة من نوعٍ خاص داخل معسكر برشلونة، معركة لا علاقة لها بالضغط العالي أو التحولات السريعة، بل بشيء أكثر خطورة في عصر كرة القدم الحديثة: الهاتف المحمول.. وتحديدًا هاتف لامين يامال.

هانز فليك - لامين يامال - برشلونة - إسبانيول - الدوري الإسباني - المصدر (Getty images)
هانز فليك – لامين يامال – برشلونة – إسبانيول – الدوري الإسباني – المصدر (Getty images)

وسط هذه الأجواء المشحونة، تتجه أنظار عشاق كرة القدم إلى ملعب الإنماء “الجوهرة المشعة” بمدينة الملك عبد الله الرياضية في جدة، مساء اليوم، حيث يُسدل الستار على بطولة كأس السوبر الإسباني 2026 بمواجهة نهائية تحمل كل معاني الصراع التاريخي بين برشلونة وريال مدريد، مواجهة لا تقتصر على 90 دقيقة، بل تمتد جذورها إلى عقود من التنافس، والهيمنة، ومحاولات كسر التفوق المعنوي قبل الفني.

وهكذا، يضرب العملاقان موعدًا جديدًا مع مواجهة لا تعرف الرحمة، نهائي قد لا يُحسم بخطة مرسومة أو أسماء لامعة، بل بقدرة كل فريق على التحكم في أعصابه، وامتصاص الضغط، وتحويل الضوضاء المحيطة إلى طاقة إيجابية، في جدة، لن يكون الصراع على الكأس فقط، بل على من يملك العقل الأكثر هدوءًا.. قبل القدم الأكثر دقة.

فينيسيوس جونيور - لامين يامال - برشلونة - ريال مدريد - المصدر (Getty images)
فينيسيوس جونيور – لامين يامال – برشلونة – ريال مدريد – المصدر (Getty images)

هاتف يامال.. فليك يمنع الضجيج قبل أن يفكر في الفنيات

فليك يدرك جيدًا أن الموهبة وحدها لا تحمي اللاعب من الضوضاء، وأن “قصة” واحدة على إنستجرام لامين يامال، بجملة عميقة أكثر من اللازم أو رسالة مبهمة، أو حتى تصريح واضح ومباشر كسابقه قد يشعل عاصفة لا حاجة لها قبل نهائي بهذا الحجم، لذلك، تبدو أولويات المدرب الألماني واضحة في هذه المرحلة: ليس اختيار من يبدأ على اليمين أو من يغطي العمق، بل التأكد من أن يامال لا يمسك الهاتف، ولا يشعر برغبة في مخاطبة العالم قبل مواجهة بتلك الحجم وفق ما أفادت التسريبات من داخل المعسكر الكتالوني.

الرسالة داخل برشلونة بسيطة: التركيز أولًا، الصمت ثانيًا، وكل شيء آخر يمكن تأجيله لما بعد صافرة النهاية، الألماني المخضرم يدرك بكل وضوح أن السيطرة على عقل لاعب شاب موهوب أهم من أي تعديل تكتيكي، لأن النهائيات لا تُخسر بسبب الخطة فقط.. بل بسبب تفصيلة صغيرة خرجت عن السيطرة.

لامين يامال ليس مجرد لاعب شاب، بل رمز لجيل جديد في برشلونة، وكلمة واحدة منه قادرة على إشعال العناوين، موهبته الاستثنائية جعلته تحت الأضواء باستمرار، لكن هذه الأضواء نفسها قد تتحول إلى عبء نفسي، خاصة في مباراة بحجم الكلاسيكو، فليك لا يريد يامال المتحدث أو الفيلسوف، بل يريده اللاعب الصامت الذي يترك قدميه تتكلمان داخل الملعب فقط.

يامال ودرس لم يُنسَ من الكلاسيكو الماضي

قرار هانز فليك لم يأتِ من فراغ، ولم يكن رد فعلٍ مبالغ فيه تجاه تصرّف عابر، بل خلاصة درسٍ قاسٍ ما زال حاضرًا في ذاكرة الجهاز الفني، قبل قرابة شهرين وتحديدًا قبل ديربي أكتوبر 2025 بالدوري الإسباني، وجد لامين يامال نفسه في قلب عاصفة إعلامية، بعدما أطلق تصريحات نارية اتهم فيها ريال مدريد بالاستفادة من القرارات التحكيمية، وسخر بشكل مباشر من هيمنتهم التاريخية، كلمات بدت عفوية في ظاهرها، لكنها كانت كافية لإشعال فتيل مواجهة لم يكن برشلونة بحاجة إلى تعقيدها.

تلك التصريحات لم تمر مرور الكرام داخل معسكر ريال مدريد، على العكس، تحولت سريعًا إلى مادة تحفيزية داخل غرفة الملابس، وتناقلها اللاعبون كرسالة تحدٍّ أكثر منها رأيًا شخصيًا، في مباراة اتسمت بالندية والضغط العالي، ظهر ريال مدريد أكثر شراسة وتركيزًا، وكأنه يلعب بدافعٍ إضافي لا علاقة له بالنقاط أو الترتيب، وانتهت المواجهة بفوزهم 2-1، في سيناريو أكد أن المعركة النفسية كانت محسومة قبل أن تبدأ.

من هنا، فهم فليك الرسالة بوضوح: في مباريات الكلاسيكو، الكلمات قد تسبق الأهداف، والتصريحات قد تكون أخطر من الأخطاء التكتيكية، التحفيز النفسي حين يُمنح للخصم مجانًا قد يتحول إلى سلاح قاتل، خاصة أمام فريق يعرف جيدًا كيف يستثمر الغضب ويحوّله إلى تفوق داخل الملعب، لذلك، جاء التشدد الحالي ليس كقمعٍ لصوت لاعب شاب، بل كحماية له وللفريق من تكرار سيناريو دفع ثمنه الجميع.

هانز فليك - لامين يامال - المصدر (Getty images)
هانز فليك – لامين يامال – المصدر (Getty images)

ريال مدريد.. روح البطولة وفريق النهائيات بامتياز

عندما يصل ريال مدريد إلى النهائيات، لا يُقاس حضوره بجمال الأداء أو نسب الاستحواذ، بل بعقليته الصلبة، فريق لا يستعجل، يعرف كيف ينتظر اللحظة المناسبة، وكيف يعاقب بأقل عدد من الفرص، وكيف يحسم المباريات الكبرى بلقطة واحدة قد تبدو عابرة، لكنها غالبًا تكون قاتلة، في هذا النوع من المواجهات، يصبح الهدوء سلاحًا، والصبر فضيلة، والأخطاء الصغيرة من الخصم هدايا لا تُرفض.

تشابي ألونسو يدرك جيدًا أن مواجهة برشلونة لا تُكسب بمحاولة السيطرة الشكلية على الكرة، ولا بالدخول في صراع إيقاع مفتوح يخدم أسلوب البارسا، بل بإدارة التفاصيل الدقيقة: توقيت الضغط، اختيار لحظة التحول، واستغلال أي اندفاع زائد أو ثقة مفرطة قد تظهر لدى الخصم، بالنسبة له، النهائي ليس ساحة لاستعراض الأفكار، بل امتحان لقدرة الفريق على قراءة اللحظة واتخاذ القرار الصحيح تحت الضغط.

موعد مباراة برشلونة القادمة بعد الهزيمة من ريال مدريد في الدوري الإسباني
ألفارو كاريراس – لامين يامال – برشلونة – ريال مدريد (المصدر:Gettyimages)

هذا النهائي يُعد الرابع على التوالي بين الفريقين في بطولة كأس السوبر الإسباني، حيث يتفوق برشلونة بلقبين مقابل لقب واحد لريال مدريد، ورغم هذا التفوق الرقمي، فإن الذاكرة الأقرب لا تصب في مصلحة الفريق الكتالوني من الناحية النفسية، فالفوز الكاسح 5-2 في سوبر 2025، الذي بدا وقتها دليل هيمنة مطلقة، قد يتحول الآن إلى عبء ذهني وضغط إضافي، خاصة عندما يتحول إلى مرجع دائم في المقارنات والتوقعات.

في المقابل، يدخل ريال مدريد هذا النهائي بروح ثأرية واضحة، مستحضرًا تلك الليلة الثقيلة بكل تفاصيلها: تألق لامين يامال، وحضور رافينيا الحاسم، ولمسات ليفاندوفسكي القاتلة، وهي ذكريات لا تُربك مدريد بقدر ما تحفّزه، إذ اعتاد الفريق الملكي عبر تاريخه أن يُخرج أفضل ما لديه عندما يشعر بأن كرامته الكروية موضع اختبار، في مثل هذه اللحظات، يصبح الماضي وقودًا، لا عبئًا، وتتحول الرغبة في الرد إلى أداء أكثر تركيزًا وواقعية.

فينيسيوس جونيور - لامين يامال - ريال مدريد - برشلونة - المصدر (Getty images)
فينيسيوس جونيور – لامين يامال – ريال مدريد – برشلونة – المصدر (Getty images)

فليك ويامال.. هل يكون الهاتف أخطر من الخصم؟

في نظر هانز فليك، لا تبدأ المعركة مع صافرة البداية، بل قبلها بكثير، تبدأ في التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر في الإحصائيات، ولا تُرسم على السبورة، لكنها قادرة على تغيير مسار مباراة كاملة، “قصة” واحدة، جملة تبدو عميقة أكثر من اللازم، أو سخرية عابرة، قد تمنح ريال مدريد الدافع الذي يبحث عنه، وتحوّل التركيز من المستطيل الأخضر إلى صراعٍ جانبي لا يخدم أحدًا.

من هذا المنطلق، لم يكن منع الهاتف تصرّفًا مبالغًا فيه أو قيدًا على حرية لاعب شاب، بل قرارًا وقائيًا يهدف إلى حماية لامين يامال قبل حماية الفريق، فليك يدرك أن الضغوط في النهائيات تتضاعف، وأن أي كلمة تُقال خارج الملعب قد تعود مضاعفة داخله، في هذه المرحلة تحديدًا، الهدوء ليس رفاهية، بل سلاحًا أساسيًا لا يقل أهمية عن أي خيار تكتيكي.

ما هي إصابة يامال وما مدة غيابه عن برشلونة؟
لامين يامال – برشلونة (المصدر:Gettyimages)

في جدة، قد يُحسم نهائي السوبر الإسباني بهدف مباغت، أو بهجمة مرتدة محسوبة، أو بلحظة شرود عابرة في تمركز أو قرار، وقد يُحسم أيضًا بصمت لاعب لم ينشر شيئًا، ولم يصرّح بشيء، واكتفى بأن يترك حديثه لقدميه، فليك يعلم أن التركيز قد يهزم الموهبة، وأن كرة القدم، في أقسى لحظاتها، لا ترحم من يتحدث قبل أن يفعل.

منصور مجاهد

صحفي مصري منذ 2019، خريج إعلام القاهرة، شغوف بكرة القدم الإنجليزية وصناعة التقارير العميقة، مقدم برامج ومعلق صوتي بخبرة أكثر من 7 سنوات بمجال الإعلام.