فالفيردي ولغز الملكي.. كيف تحول من لاعب مهدد بالرحيل إلى قائد لا يمكن الاستغناء عنه
فالفيردي.. في كل لغز معقّد، ومع كل محاولة جادة لاكتمال الصورة، تبرز قطعة واحدة تبدو في ظاهرها عادية، بلا ألوان صارخة ولا تفاصيل لافتة، قطعة تمر عليها العين سريعًا، يظن البعض أنها زائدة عن الحاجة أو يمكن الاستغناء عنها، بل وأنها قد تضع في أي مكان، لكنها في الحقيقة أخطر قطعة في اللغز كله.
لأن غيابها لا يُفسد جزءًا فقط، بل يُربك المشهد بالكامل، حتى وإن تم وضعها لا يكتمل المشهد إلا حين توضع في المكان الصحيح، وحين تحاول إنهاء اللغز دونها، تكتشف متأخرًا أن هناك فراغًا صغيرًا، لكنه كفيل بأن يمنع اكتمال الصورة مهما اقتربت منها.
هذه القطعة لا تصرخ، لا تفرض نفسها ولا تثير الجدل، ولا تطالب بالاهتمام، قيمتها الحقيقية لا تظهر إلا عند غيابها، حين تختل الخطوط، وتفقد الصورة توازنها، وتتحول المحاولات إلى دائرة مفرغة، عندها فقط تدرك أن الحل كان موجودًا أمامك منذ البداية، لكنك لم تمنحه ما يستحقه من تركيز، ولم تضعه في مكانه.

فيديريكو فالفيردي هو تلك القطعة بالضبط في ريال مدريد، لاعب لا يعيش على الأضواء، ولا يتغذى على العناوين العريضة، لكنه موجود في كل تفصيلة خفية تصنع الفارق، هذا الموسم مع ريال مدريد، يربط الخطوط ببعضها، يرمم الثغرات، ويمنح الصورة انسجامها الكامل، يؤدي بإجادة في مركز الظهير الأيمن بسبب غياب الأظهرة الملكية، ومع كل ذلك قد لا يكون أول اسم يُذكر عند الحديث عن النجوم، لكن غيابه أو التقليل من دوره يجعل اللغز مستحيل الحل.
فالفيردي هذا الموسم ليس اللاعب الذي يُكمّل المشهد فقط، بل هو الذي يمنع انهياره، ومعه تكتمل الصورة، وبدونه يبقى ريال مدريد يبحث عن قطعة ناقصة.. كانت دائمًا في مكانها الصحيح.
مِن متهم لا يليق بريال مدريد.. إلى سؤال هل نسينا من هو فالفيردي؟
في الفترة الأخيرة، ارتفعت أصوات تُشكك في مكانة فيديريكو فالفيردي داخل ريال مدريد، وتحديدًا قبل بداية الموسم الحالي، أصوات تقول إنه لم يعد يليق بقميص الفريق، وإن مستواه تراجع، بل إن البعض ذهب أبعد من ذلك، فاتهمه بأنه أصبح عبئًا على المجموعة، أو سببًا مباشرًا في فقدان التوازن داخل الملعب، اتهامات ثقيلة، وسهلة الإطلاق، لكنها تفتقد للعدالة والذاكرة.
المفارقة المؤلمة أن هذه الأصوات نفسها، ومن نفس الجماهير والمنصات، كانت بالأمس القريب تهتف باسم فالفيردي، وتصفه بمصدر الطاقة الذي لا ينضب، وبالقلب النابض لفريق كارلو أنشيلوتي، اللاعب الذي كان يغطي كل شبر في الملعب، ويمنح زملاءه الأمان، ويقاتل بلا كلل من أجل الشعار.

فما الذي تغيّر؟ هل تراجع فالفيردي فعلًا؟ أم أن الأدوار اختلفت، والمهام تبدلت، بينما بقي الحكم عليه ثابتًا ومتعجلًا؟ هذا بالضبط ما نحن بصدد كشفه للجماهير بعد تحليل عميق لمعضلة فالفيردي مع ريال مدريد.
فربما المشكلة ليست في فالفيردي بقدر ما هي في ذاكرتنا القصيرة، ذاكرة تنسى التضحية، وتغفل العمل الصامت، ولا تتذكر إلا من يظهر في لقطة الهدف الأخير، فمن ينسَ طرده التاريخي أمام أتلتيكو مدريد في نهائي السوبر الإسباني في 2020 عندما منح ريال مدريد فرصة للحياة على حساب تواجده في الملعب، فالفيردي لم يفقد قيمته، لكنه دفع ثمن كونه لاعبًا يضع مصلحة الفريق فوق الأرقام، ويؤدي ما يُطلب منه دون ضجيج.
والسؤال الحقيقي الذي يجب طرحه الآن ليس: هل يليق فالفيردي بريال مدريد؟ بل: هل نسينا فعلًا من هو فالفيردي؟وعد أنشيلوتي الشهير… عندما راهن المدرب على فالفيردي.

كارلو أنشيلوتي يكشف القيمة الحقيقية لفالفيردي
نعود قليلًا بالذاكرة إلى موسم 2022-2023، حين أطلق كارلو أنشيلوتي واحدًا من أكثر تصريحاته جرأة وإثارة للجدل، تصريح لم يكن مجرد دعابة إعلامية، بل رسالة ثقة علنية في لاعب كان المدرب يرى فيه ما لا يراه الكثيرون آنذاك، قال أنشيلوتي بثقة كاملة:
إذا لم يصل فالفيردي إلى 10 أهداف هذا الموسم، سأمزق رخصتي التدريبية
لم يكن هذا الكلام موجهًا للصحافة بقدر ما كان تحديًا مباشرًا للاعب، ورهانًا واضحًا من مدرب يعرف كيف يقرأ إمكانيات لاعبيه، لم يكن فالفيردي وقتها معروفًا بغزارة الأهداف، بل كان يُنظر إليه كلاعب مجهود وتوازن قبل أي شيء آخر، لكن أنشيلوتي رأى مساحة غير مستغلة، وسلاحًا هجوميًا لم يُستخدم بعد بالشكل الصحيح.

فالفيردي لم يرد بالكلام، بل بالأفعال، تجاوب مع التحدي، بل تجاوز الرقم المطلوب، وقدم موسمًا كان فيه واحدًا من أكثر لاعبي الوسط تأثيرًا هجوميًا في أوروبا، جامعًا بين القوة، والاندفاع، والحسم أمام المرمى.
أنشيلوتي وقتها عاد بعدها ليشرح فكرته قائلاً:
“ما فاجأني في فالفيردي هي قلة تسجيله للأهداف سابقًا.. أخبرته بضرورة التسديد بقدمه اليسرى، وأنه إذا سجل أقل من 10 أهداف يجب تمزيق بطاقتي التدريبية، يجب الانتظار قليلًا ليكون فالفيردي الأفضل في العالم في مركزه.”
هذه الكلمات لم تكن مجاملة عابرة، ولا ثناءً مؤقتًا مرتبطًا بفترة تألق، بل كانت تعبيرًا عن رؤية مدرب مخضرم يدرك أن فالفيردي مشروع لاعب استثنائي، يحتاج فقط إلى الوقت والثقة ليصل إلى قمته، رؤية تؤكد أن فالفيردي لم يكن يومًا لاعبًا عاديًا في ريال مدريد، بل رهانًا ناجحًا من مدرب يعرف جيدًا قيمة القطعة التي يمتلكها في لغزه الكبير.

تهمة التمرد.. ورد فالفيردي بالفعل في عهد أنشيلوتي وألونسو
في خضم الانتقادات، لم تتوقف الاتهامات عند حدود المستوى فقط، بل ظهرت رواية أخطر: أن فيديريكو فالفيردي يتمرد على مدربه، ويرفض تعدد المراكز، ولا يتقبل الأدوار المختلفة داخل الملعب، تهمة سهلة الانتشار وتكررت في عهد تشابي ألونسو وكارلو أنشيلوتي، لكنها ثقيلة في معناها، خاصة حين تُلصق بلاعب عُرف دائمًا بالالتزام والانضباط.
اللافت أن رد فالفيردي لم يأتِ عبر جدال إعلامي، ولا تصريحات نارية، ولا محاولات لتبرير موقفه، الرد جاء بالطريقة الوحيدة التي يؤمن بها، بل عبر من خلال الملعب، خرج فالفيردي ليقول بوضوح وحسم: “لم ولن أرفض اللعب في أي مركز يُطلب مني”.
لكن الأهم من الكلمات كان ما تبعها من أفعال، فالفيردي لم يكتفِ بالتصريحات، بل جسّدها عمليًا: لعب ظهيرًا أيمن عندما احتاجه الفريق، عاد إلى خط الوسط فور تغيّر المتطلبات التكتيكية، نفّذ التعليمات كاملة عند تواجد أرنولد دون أي اعتراض.

واليوم، في ظل إصابات الأظهرة، عاد مجددًا كظهير أيمن.. وهنا كان مفتاح عودته للتألق في الموسم الحالي، اللاعب الذي عرف في بداياته في متوسط الميدان، كانت فترة إزدهاره في مركز مغاير تمامَأ هو الظهير الأيمن، خاصة في عهد أنشيلوتي، ومؤخرًا مع تشابي ألونسو، وكان حاضرًا كعادته في المباراة الأخيرة ضد بصناعة هدفين ضد ريال بيتيس، وهنا بيت القصيد، حين يكون فالفيردي في المكان المناسب، يصول ويجول ويصنع الأهداف لهذا وذاك.
وبهذا الأداء، أصبح ثاني أكثر لاعب صناعة للأهداف في الدوري الإسباني برصيد 6 صناعات، رغم أنه لا يلعب في مركزه الأصلي أغلب الوقت، هذه ليست قصة لاعب متمرد، ولا نجم يفرض شروطه، هذه قصة لاعب يفهم معنى القميص، ويقدّم مصلحة الفريق على راحته الشخصية، هذا ليس تمردًا.. هذا هو الاحتراف في أنقى صوره.

فالفيردي لاعب بلا “شو” لكن بقلب ريال مدريد
من أجمل ما يميز قصة فيديريكو فالفيردي أنها تُكتب بعيدًا عن الأضواء. لا يبحث عن الكاميرات، ولا يتصدر العناوين المفتعلة، ولا يصنع أزمات ليبقى حاضرًا في المشهد. لا يشتكي من مركزه، ولا يطالب بدورٍ بعينه، ولا يدخل في صراعات جانبية، هو ببساطة يفعل شيئًا واحدًا يلعب ويترك الحكم للأداء داخل المستطيل الأخضر.
يلعب حين يُطلب منه الركض، فيركض، يلعب حين يُطلب منه الدفاع، فيدافع، يلعب حين يُطلب منه صناعة الفارق، فيصنعه، كل هذا دون ضجيج، ودون استعراض، ودون حاجة للتصفيق، فالفيردي لا يحتاج إلى “شو” ليُثبت قيمته، لأن قلبه حاضر في كل دقيقة يرتدي فيها قميص ريال مدريد. لاعب لا يطلب الضوء.. لكنه يضيء الفريق من الداخل.

فالفيردي لم يتغيّر، نحن والمركز من تغيّرنا
فيديريكو فالفيردي لم يستيقظ يومًا ليصبح فجأة لاعبًا لا يليق بريال مدريد، ولم يفقد قيمته بين ليلة وضحاها، الحقيقة أبسط وأقسى في الوقت نفسه: فالفيردي هو نفسه كما كان دائمًا، نفس الطاقة التي لا تنفذ، نفس الالتزام الصامت، نفس التضحية بلا شروط ولا حسابات.
لم يتغير أداؤه بقدر ما تغيّرت نظرتنا إليه بتغير مركزه، اعتدنا وجوده في كل مكان، اعتدنا أن يغطي الأخطاء، ويملأ الفراغات، ويمنح الفريق توازنه دون أن يطالب بالمقابل، ومع الاعتياد، فقدنا القدرة على التقدير، فصرنا لا نراه إلا حين يغيب أو حين يُطلب منه ما هو خارج المألوف.
وفي نهاية كل لغز، عندما تحاول مرارًا وتكرارًا ولا تصل إلى الحل، ثم تضع القطعة الأخيرة في مكانها الصحيح، تدرك الحقيقة المؤلمة: المشكلة لم تكن في القطعة نفسها، بل في نظرتك إليها طوال الوقت، فالفيردي هو القطعة الناقصة في لغز ريال مدريد، واللغز لا يُحل إلا بها شرط أن توضع في مكانها.