عندما تفرض الأزمات بيع النجوم.. هل يسير الزمالك على طريق ميلان ويوفنتوس؟
لم يعد خافيًا على أحد أن نادي الزمالك يعيش واحدة من أعقد فتراته المالية والإدارية في تاريخه الحديث. أزمات متلاحقة تبدأ من إيقافات القيد، مرورًا بتراكم المستحقات المالية للاعبين والمدربين، وصولًا إلى خسارة أصول استثمارية مهمة مثل أرض أكتوبر، وضعت النادي في مأزق حقيقي، جعل بيع بعض لاعبيه خيارًا شبه إجباري، لا ترفًا إداريًا.
الزمالك خلال ميركاتو يناير لم يدخل في أي عملية شراء بسبب قضايا إيقاف القيد، حيث لم يتمكن النادي من تسجيل أي لاعب، وبالتالي قرر التجديد لمحمد السيد، ثم باع الثنائي ناصر ماهر إلى بيراميدز، ونبيل عماد دونجا إلى النجمة السعودي.
الزمالك تخلى عن ثنائي أساسي في التشكيل؛ ناصر ماهر كان صانع الألعاب الأول في الزمالك ومحرك الفريق بالكامل، بينما نبيل عماد دونجا كان أحد أبرز اللاعبين في وسط الملعب، وأكثرهم خبرة في النادي الأبيض.
شكرًا نبيل عماد دونجا على كل ما قدمته للنادي ⚪️#Zamalek | #MostTitledIn20C | #الزمالك_أولًا | #أكبر_قلعة_رياضية pic.twitter.com/98EQGOXMA1
— Zamalek SC (@ZSCOfficial) February 2, 2026
عندما تفرض الأزمات بيع النجوم.. هل يمكن للزمالك أن يعيد كتابة تاريخه؟
كرة القدم لا تُقاس بلحظة ضعف واحدة. فالتاريخ القريب والبعيد مليء بأندية كبرى وجدت نفسها في ظروف مشابهة، بل أشد قسوة، واضطرت للتخلي عن نجومها مثل الزمالك، ليس من أجل الانسحاب من المشهد، بل من أجل البقاء وإعادة البناء، وكأن هذا الأمر حل مؤقت لسيطرة دائمة.
تجارب بروسيا دورتموند، يوفنتوس، وميلان، تقدم نماذج واضحة لكيف يمكن أن تتحول الأزمة إلى نقطة انطلاق، بشرط أن تكون هناك رؤية واضحة ومشروع حقيقي.
بروسيا دورتموند.. من حافة الإفلاس إلى نهائي أوروبا
عرف بوروسيا دورتموند تقلبات حادة عبر تاريخه، لكن عقد التسعينات يبقى العلامة الأبرز في مسيرته الكروية. البداية كانت عام 1991 مع التعاقد مع أوتمار هيتسفيلد، المدرب الذي لم يكن يملك حينها اسمًا لامعًا، قبل أن يقود النادي لاستعادة لقب الدوري الألماني عام 1995 بعد غياب دام 32 عامًا، ثم الدفاع عنه في الموسم التالي.
وبلغ المجد ذروته عام 1997، حين تُوِّج دورتموند بدوري أبطال أوروبا للمرة الوحيدة في تاريخه، عقب فوزه التاريخي على يوفنتوس 3-1، قبل أن يعزز إنجازه بإحراز كأس الإنتركونتيننتال على حساب كروزيرو البرازيلي.
München, 28. Mai 1997. 🥹 pic.twitter.com/8SKlXJWJEY
— Borussia Dortmund (@BVB) May 28, 2025
وكان الفريق آنذاك يعج بنجوم شكلوا العمود الفقري للمنتخب الألماني بطل أوروبا 1996، مثل ماتيوس زامر، يورجن كولر، أندرياس مولر، وشتيفان رويتر.
غير أن مرحلة الازدهار لم تدم طويلًا، فمع رحيل هيتسفيلد واعتزال عدد من الركائز، اتجه النادي إلى استثمارات مكلفة في نجوم جدد لم ينجحوا في الحفاظ على المستوى، ما أدخل دورتموند في أزمة مالية خانقة.
وبلغ التراجع ذروته في موسم 1999-2000 باحتلال المركز الحادي عشر، في عام أصبح فيه أول نادٍ ألماني يُدرج في البورصة.
ورغم استعادة الأمل عام 2002، حين قاد سامر الفريق إلى لقب الدوري السادس وبلوغ نهائي كأس الاتحاد الأوروبي، فإن النادي سرعان ما دخل نفقًا مظلمًا أعاد للأذهان أزمات الثمانينات، وصولًا إلى حافة الإفلاس، وبيع ملعب “فيستفالن شتاديون”، واستقالة الرئيس جيرد نييباوم عام 2004.
Heute vor 14 Jahren… // #OnThisDay in 2002…🎉🎉🎉 pic.twitter.com/mGBDrIRgwp
— Borussia Dortmund (@BVB) May 4, 2016
ومع تولي راينهارد راوبال الرئاسة، ثم هانز يواكيم فاتسكه الإدارة التنفيذية، خاض دورتموند معركة بقاء حقيقية. اقتُطعت رواتب اللاعبين، وتخلى النادي عن أصحاب الأجور المرتفعة، قبل أن يتبنى فلسفة جديدة قائمة على ضبط الإنفاق والاعتماد على المواهب الشابة.
وخلال ذروة أزمته المالية منتصف العقد الأول من الألفية، اضطر بوروسيا دورتموند إلى التخلي عن عدد من أبرز نجومه وأصحاب الرواتب المرتفعة، في إطار سياسة تقشف قاسية هدفها إنقاذ النادي من الإفلاس، حتى حصل على مساعدات من بايرن ميونخ.
وشملت قائمة الراحلين المهاجم البرازيلي مارسيو أموروسو، وأحد رموز الفريق يان كولر، إلى جانب صانع الألعاب التشيكي توماس روزيسكي الذي انتقل لاحقًا إلى أرسنال، إضافة إلى الجناح البرازيلي إيفرتون، والمدافع الدولي كريستوف ميتزلدر، فضلًا عن البرازيلي إيفانيلسون، في قرارات عكست أولوية الاستقرار المالي على حساب الطموحات الرياضية في تلك المرحلة.
وجاء التحول الحقيقي مع التعاقد مع يورجن كلوب في صيف 2008، لتؤتي هذه الرؤية ثمارها سريعًا. فاستعاد دورتموند لقب الدوري عام 2011 لأول مرة منذ 2002، واحتفظ به في الموسم التالي، مضيفًا كأس ألمانيا 2012، قبل أن يبلغ نهائي دوري أبطال أوروبا للمرة الثانية في تاريخه، بعدما أطاح بريال مدريد من نصف النهائي، ليصطدم في المشهد الختامي بغريمه بايرن ميونيخ، الذي كان قد حرمه محليًا من لقبي الدوري والكأس.

البناء كان من خلال الاعتماد على مواهب أصغر، والاستثمار الحقيقي، وتصعيد لاعبين من الأكاديمية، وحتى التعاقدات كانت من خلال خطة مدروسة، وهو ما تمثل في محمد زيدان وماركو ريوس، وبينهما لوكاس باريوس، وحتى روبرت ليفاندوفسكي مع بيتشي، وإيلكاي جوندوجان.
وما حدث يؤكد أن بوروسيا دورتموند نجا أولًا، ثم نافس لاحقًا، وتمكن من أن يكون بين كبار أوروبا، خاصة في فترة يورجن كلوب الأعظم في تاريخ النادي، بعيدًا حتى عن الألقاب.
يوفنتوس.. الهبوط القسري والانتقام من إيطاليا
في 2006، تلقى يوفنتوس ضربة تاريخية عقب فضيحة “كالتشيوبولي”، تمثلت في الهبوط إلى دوري الدرجة الثانية، وسحب لقبي الدوري الإيطالي 2004-2005 و2005-2006، ومنحهما إلى إنتر ميلان.
كان ما حدث بمثابة صدمة، زلزال في تورينو هز أرجاء يوفنتوس وقلب الأمور رأسًا على عقب، وهو ما أدى إلى تراجع كارثي في الإيرادات وتشويه الصورة الذهنية للنادي، ولم يكن التأثير اقتصاديًا فقط.
لم يعد النادي قادرًا على الاحتفاظ بنجومه أو دفع الرواتب نفسها، خاصة وأن البيانكونيري كان يمتلك مجموعة من أفضل اللاعبين في العالم.
اضطر يوفنتوس لبيع نجوم الصف الأول، مثل زلاتان إبراهيموفيتش إلى إنتر ميلان، ومعه باتريك فييرا، بينما اصطاد برشلونة في الماء العكر أيضًا وضم الثنائي ليليان تورام وجيانلوكا زامبروتا.

مع ذهاب الثنائي الآخر إيميرسون وفابيو كانافارو إلى ريال مدريد، وجميع هؤلاء كانوا ضمن التشكيل الأساسي للفريق، مع بقاء الخماسي الوفي: ديل بييرو، بافل نيدفيد، بوفون، كامورانيزي، وديفيد تريزيجيه.
مرحلة البناء الذكي بدأت بعد العودة للدوري الممتاز، من خلال تعيين جوسيبي ماروتا مديرًا رياضيًا، وتولي أندريا أنييلي زمام الأمور في نادي العائلة الأول.
بدأ يوفنتوس في التعثرات، لكنه بعد ثلاث سنوات جنى ثمار مشروعه، إذ بدأ مع ماروتا والمدرب أنطونيو كونتي تحقيق النجاحات في الملعب، مع بناء استاد جديد يمنح الفريق دفعة مالية كبيرة، كأحد أبرز إنجازات الرئيس السابق أندريا أنييلي.
الاعتماد على صفقات مجانية ذكية تمثل في أندريا بيرلو، الذي انتهى عقده مع ميلان، وانتقل إلى يوفنتوس ليكون رأس المشروع في الملعب، مع بول بوجبا من مانشستر يونايتد، وكذلك لاعبين مثل أرتورو فيدال، وحصول شباب الفريق على الفرصة الأكبر، مثل جورجيو كيليني وكلاوديو ماركيزيو.

تقليص فاتورة الأجور وبناء فريق متوازن دون إنفاق مفرط كانت سياسة يوفنتوس، ومع مرور الوقت عاد البيانكونيري ليكون من كبار أوروبا.
لعب الفريق مرتين نهائي دوري الأبطال، وفاز على ريال مدريد وبرشلونة في نسختي 2015 و2017 في نصف النهائي وربع النهائي، على الترتيب.
وسيطر سيطرة مطلقة على الدوري الإيطالي بتسع نسخ متتالية من 2012 وحتى 2020، مع ثلاثة مدربين مختلفين: كونتي وأليجري وساري.
انتقم اليوفي من كل إيطاليا، فبدأ يذهب إلى الأندية ويضم نجومها، مثلما حدث معه من قبل، فجلب هيغواين من نابولي وهو هداف الفريق، ومنع ميلان من ضم كارلوس تيفيز، وأضعف روما بالتعاقد مع ميراليم بيانيتش، وكذلك المهدي بن عطية.
وقبل أن يصل يوفنتوس إلى مرحلة صعبة أخرى مؤخرًا بعد رحيل أنييلي، كان قد وصل إلى قدرة كبيرة على جلب صفقات مثل كريستيانو رونالدو ودي ليخت، ورغم خسارته أسماء سابقة، فإنه عاد من جديد قوة عظمى في أوروبا، وكسب مؤسسة مستقرة.
ميلان ما بعد بيرلسكوني
مع مطلع العقد الماضي، بدأ الجيل الذهبي لميلان في التلاشي: اعتزال نجوم تاريخيين، تقدم أعمار العناصر الأساسية، وتراجع القدرة المالية مقارنة بالأندية الأوروبية الصاعدة.
وجد ميلان نفسه غير قادر على الاستمرار بالنسق نفسه، لكن الضربة الأقوى جاءت مع تغيير الدماء في 2012، واعتزال عدد من عناصر الفريق الأول ورحيل بعضهم، ليأتي القرار الصادم ببيع الثنائي زلاتان إبراهيموفيتش وتياجو سيلفا إلى باريس سان جيرمان.
لم يؤدِ البيع إلى نجاح فوري، بل دخل ميلان سنوات من التخبط الإداري، وتغييرات فنية متكررة، وغياب عن المنافسة الحقيقية، بل وبيع النادي نفسه لأكثر من مستثمر.

وسط كل هذا بدأت عملية إعادة هيكلة بطيئة: ضبط الميزانية، تغيير سياسة التعاقدات، والتركيز على لاعبين صغار السن، وصفقات الإعارة.
كان وراء هذا المشروع باولو مالديني، أسطورة النادي الذي عاد بمنصب المدير الرياضي، فجلب لاعبين مثل ساندرو تونالي، وإبراهيم دياز معارًا من ريال مدريد، مع عودة إبراهيموفيتش مرة أخرى في 2020، ليبدأ بناء مشروع جديد.
بعد سنوات من المعاناة، بدأ المشروع يؤتي ثماره: التتويج بالدوري الإيطالي 2022، والعودة للمنافسة القارية بالوصول إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا لأول مرة منذ 2007، والخسارة أمام إنتر ميلان.
ميلان دفع ثمنًا طويلًا، لكنه تعلّم كيف ينهض، ونهض بشكل مثالي، وربما بتكلفة أقل كثيرًا مما كان متوقعًا، قبل السقوط مجددًا أو التعثر بعد رحيل مالديني.

الاختبار الحقيقي للزمالك يبدأ الآن
اليوم يقف الزمالك أمام واقع لا يختلف كثيرًا عن تلك التجارب: إيقافات متكررة للقيد، مستحقات مالية متأخرة للاعبين، ضغوط قانونية وقرارات دولية، وفقدان أصول استثمارية مثل أرض أكتوبر.
كل ذلك فرض على الزمالك التفكير في بيع لاعبين لتقليل الأعباء المالية وسد العجز، لكن الفارق الحقيقي لا يكمن في البيع ذاته، بل فيما بعد البيع.
ما بين استخدام الأموال لسد الديون المفروضة على الزمالك، ومحاولة بداية إعادة الهيكلة الشاملة، يبحث النادي عن مشروع فني واضح، من خلال وضع استراتيجية واضحة تقود الفريق.

في النهاية، التاريخ لا يجامل أحدًا، لكنه يمنح فرصًا جديدة لمن يتعلم. بوروسيا دورتموند باع اللاعبين لينجو، وأعاد يوفنتوس البناء من الصفر، وصبر ميلان كثيرًا حتى عاد، والزمالك اليوم أمام مفترق طرق مثل هؤلاء: إما أن يكون البيع حلًا مؤقتًا يؤجل الأزمة، أو بداية مشروع يعيد النادي إلى مكانه الطبيعي.