“شبح ألونسو”.. كيف كشف غضب مبابي الهادئ عن مرض ريال مدريد المزمن؟
لم تكن صافرة النهاية في ملعب “دا لوز” مجرد إشارة لنهاية مباراة ريال مدريد وبنفيكا، بل كانت صوتًا مرعبًا لبطلٍ مُهان، وعملاق أوروبي مُذل، ووهمٍ بُني بعناية؛ ملك كرة القدم القارية بلا منازع، مُني بهزيمة ساحقة على يد خصمٍ عنيدٍ لا يلين.
لم تكن نتيجة مجرد هزيمة، بل كانت بمثابة إنذارٍ بالخروج من نخبة دوري أبطال أوروبا، ليُجبر الفريق الملكي العظيم على خوض غمار الملحق المؤهلة، خيّم صمتٌ ثقيل على المنطقة المختلطة، التي عادةً ما تعجّ بحماس الجماهير، صمتٌ أشدّ وطأةً من أي هتاف.
ثم ظهر، كيليان مبابي الذي تُشعل كل لمسةٍ منه حماس الجماهير، وهو الذي وقع على هدفي الريال في اللقاء، وقف أمام وسائل الإعلام؛ لم يكن هناك غضبٌ مسرحي، ولا توجيهٌ للاتهامات، ولا توبيخٌ علنيٌّ لزملائه أو لأخطاء التكتيكية.
أربيلوا أدرك سريعًا الطريقة الأمثل لإرضاء غرفة ملابس ريال مدريد 😅
— 365Scores Arabic (@365scoresarabic) January 29, 2026
ولكن هل سيكون ذلك كافيًا لتحقيق النجاحات؟ ⁉️#ريال_مدريد #أربيلوا #بيريز pic.twitter.com/8TyymMPV2i
كان صوته هادئًا، بل ومثيرًا للقلق، ومع ذلك، فمع كل كلمةٍ محسوبة، لم يكتفِ مبابي بتحليل مباراةٍ فحسب، بل أجرى تشريحًا لموسمٍ كامل، كاشفًا دون قصدٍ عن شبحٍ طارد ملعب “سانتياجو برنابيو” لفترةٍ أطول بكثيرٍ مما يرغب أي شخصٍ في الاعتراف به، ألا وهو شبح تشابي ألونسو.
ما نطق به مبابي تلك الليلة لم يكن مجرد نقد، بل كان اتهامًا؛ وبذلك، أعاد فتح قضيةٍ قديمةٍ دون قصد، مُظهرًا أن المشكلة نفسها التي حاربها ألونسو – وخسر في النهاية أمامها – لا تزال تتفاقم في قلب ريال مدريد.
الهمس الذي هزّ مملكة ريال مدريد
“الأمر لا يتعلق بالجودة، ولا بالتكتيكات، الأمر يتعلق بامتلاك رغبةٍ أكبر من خصمك”.
“كان واضحًا أن كل شيء على المحك بالنسبة لبنفيكا، بينما لم يكن واضحًا ذلك بالنسبة لنا”.
“نحن نفتقر إلى الثبات، لا يمكنك تقديم مباراة كبيرة اليوم وغدًا لا، فريق الأبطال لا يفعل ذلك”.
– كيليان مبابي.
ظاهريًا، كان هذا الكلام مجرد كلامٍ معتاد بعد المباراة من نجمٍ مُحبط، أما في أروقة ريال مدريد الفخمة، المشحونة سياسيًا، فقد كان بمثابة قنبلة؛ لم يكن مبابي يصف ليلةً سيئة في العمل، بل كان يصف مرضًا مزمنًا، وثقافة استحقاق، وهشاشةً لا يمكن لأي تعديل تكتيكي أن يُعالجها؛ كان، في جوهره، يصف جوهر “مشكلة ألونسو”.

إمبراطورية بيريز.. حيث تطغى النجوم على النظام
لفهم الأثر الهائل لتصريحات مبابي المتواضعة، لا بد من فهم هيكل إدارة ريال مدريد الفريد تحت قيادة فلورنتينو بيريز. فعلى مدى عقدين من الزمن، لم يكتفِ بيريز ببناء فرق كرة قدم فحسب، بل شيّد إمبراطورية يتجاوز فيها اللاعبون النخبة أدوارهم الرياضية.
إنهم “جالاكتيكوس” ، ليسوا مجرد لاعبي كرة قدم، بل شخصيات مؤسسية، وعمالقة تجاريين، وأصول سياسية، يمتد نفوذهم إلى ما هو أبعد من خط التماس، خالقًا بيئةً غالبًا ما يطغى فيها التفوّق الفردي على الانضباط الجماعي.
ينجح هذا التوازن الدقيق عندما تتوافق الشخصيات، وعندما لا يُشوّه سحر النجومية الفردية نسيج تماسك الفريق، لكنه يتصدّع عندما يجرؤ مدرب على تحدّي هذا التسلسل الهرمي الراسخ، عندما يصطدم الانضباط بالشهرة.

هنا يأتي دور تشابي ألونسو، وصل إلى البرنابيو ومعه مخططٌ لفريق النخبة الحديث، صُقل في كرة القدم الألمانية، كانت رؤيته واضحة، الضغط الجماعي، والالتزام التكتيكي الصارم، والتضحية الدفاعية حتى من أكثر المهاجمين تألقًا، والتدريب المنظم، والتحكم في وصول وسائل الإعلام، والأهم من ذلك، تقليص استقلالية اللاعبين.
نظريًا، دافع بيريز عن هذه الرؤية التقدمية، عمليًا، اعتاد نجوم ريال مدريد على عالم مختلف تمامًا في ظل الإدارات الفنية السابقة، حيث عالم يتميز بالمرونة، والتحكم العاطفي، والحرية الفردية المطلقة؛ سعى ألونسو لتغيير ثقافة الفريق؛ لكن هذه الثقافة، بجذورها العميقة وقوتها الهائلة، قاومت بشدة.
نفس الداء.. وكبش فداء مختلف
حين ننتقل بالزمن سريعًا إلى تلك الليلة في لشبونة، ندرك أن تشخيص مبابي لما حدث لم يكن مجرد ملاحظة عابرة أو وليدة اللحظة؛ بل كان صدىً صوتيًا يكاد يتطابق حرفيًا مع الشكاوى المكتومة التي طالما رفعها “تشابي ألونسو” في غرف الاجتماعات المغلقة.

لقد كانت كلمات النجم الفرنسي بمثابة استحضار للأشباح التي ظن الجميع أنهم تخلصوا منها برحيل المدرب الباسكي، لتعود الآن وتطارد الحاضر بكل ثقلها.
عندما قال مبابي بنبرة يملؤها الانكسار: “لقد امتلكوا رغبةً تفوقنا بكثير”، كان في الواقع يعيد إحياء معركة ألونسو القديمة ضد لاعبين يرفضون الحفاظ على وتيرة قتالية مستدامة، ويكتفون بومضات من الجهد لا تغني ولا تسمن من جوع في مواجهات كسر العظم.
لقد استرسل مبابي في وصف الفجوة الروحية قائلًا: “لم نبدُ كأننا نلعب من أجل حياتنا”، وهي الجملة التي كانت بمثابة طعنة في قلب “ثقافة الانتقائية” التي انتشرت في الفريق؛ حيث يختار النجوم متى يبذلون العرق ومتى يكتفون بالمشاهدة، وهو بالضبط “الجهد المزاجي” الذي حاول ألونسو استئصاله فاستأصلوه هم من منصبه.
وحين حسم مبابي الجدل بقوله: “الأمر لا يتعلق بالتكتيك”، فإنه كان يضع يده على الجرح النازف الذي طالما أشار إليه ألونسو؛ وهو أن التمرد على التعليمات الفنية لم يكن اعتراضًا على “رسم الخطط”، بل كان قناعًا لإخفاء ممانعة النجوم للالتزام السلوكي والبدني الشاق.
عدم الاستمرارية التي اشتكى منها مبابي ما هي إلا التجسيد الحي لـ “التقلبات العاطفية والبدنية” التي نخرت في جسد الفريق، وجعلت من استقرار الأداء غايةً لا تُدرك.

الحقيقة المرة التي تجلت في ليلة لشبونة هي أن بنفيكا لم يتفوق على ريال مدريد بعبقرية تكتيكية فذة أو بلمحات إعجازية من أقدام موهوبيه، بل تفوق عليهم “بالعمل الشاق” لا غير.
لقد سيطر البرتغاليون على الكرة الثانية، وانتصروا في الالتحامات البدنية، ونفذوا مرتداتٍ لا تهدأ بروحٍ قتالية لا تلين، هذه كانت “الأساسيات غير البراقة” التي حاول ألونسو جاهداً غرسها في عقول وقلوب لاعبيه، وقُوبل حينها بمقاومة شرسة لأنها تتطلب تضحيةً بالرفاهية الفردية لصالح الكدح الجماعي.
وما حدث في “دا لوز” لم يكن مجرد خسارة ثلاث نقاط، بل كان اعترافًا ضمنيًا مهينًا وصادمًا بصحة كل كلمة وعظ بها ذلك المدرب الذي رحل، وبأن ريال مدريد لا يزال يتجرع مرارة الدواء الذي رفض تناوله على يد ألونسو.

هذه هي الحلقة المفرغة التي تُحاصر ريال مدريد، حيث يصل مدربٌ جديد، مُطالبًا بمزيدٍ من العمل الجماعي، وبذل جهدٍ أكبر؛ ثم يقاوم اللاعبون الأساسيون، المُعتادون على نموذجٍ مختلف، هذه المطالب.
تضعف سلطة المدرب تدريجيًا بفعل التحدي الصامت، ويُقال المدرب في نهاية المطاف، ليُصبح كبش فداءٍ مُناسبًا لمشاكل أعمق؛ ثم تخف المعايير، باسم الانسجام، وتعود الامتيازات الفردية.
تعود نفس المشاكل الأساسية – غياب الرغبة الجماعية، وعدم ثبات مستوى الأداء – للظهور، غالبًا بأكثر الطرق علنيةً وإذلالًا؛ كانت مقابلة كيليان مبابي الصريحة والجريئة الخطوة الأخيرة، كانت تلك اللحظة التي اكتملت فيها الحلقة المفرغة.
الحقيقة المقلقة.. نمطٌ لا استثناء
بعيدًا عن السياسة والاتهامات، كانت رسالة مبابي واضحةً لا لبس فيها: “الموهبة وحدها لا تكفي إن كانت العقلية متقلبة”؛ كانت هذه رسالة ألونسو، التي وجّهها قبل أشهر، رسالةٌ كلّفته وظيفته؛ والآن، كلّفت ريال مدريد التأهل المباشر إلى أوروبا، كاشفةً عن ثغرةٍ تُهدّد بتحديد مصير موسمهم.
غيّر ريال مدريد مدربه، لكنه فشل في تغيير موازين القوى الداخلية جذريًا، عالجوا العرض، لكنهم تجاهلوا الداء؛ وطالما لم تُستأصل ثقافة الانتقائية في الأداء، حيث يُخلط بين التألق الفردي والجهد الجماعي، فلن تكون كارثة لشبونة حادثةً معزولة، بل ستكون نمطًا مُقلقًا مُتكررًا.

لم يكن مبابي، في تقييمه الهادئ والحاسم، يسعى لإعادة فتح صفحة ألونسو، لكن بكلماتٍ قليلةٍ هادئةٍ وقوية، أثبت أن المدرب السابق ربما لم يكن يخوض المعركة الصحيحة فحسب، بل حربًا أبديةً ضد روح ريال مدريد نفسها؛ ويبدو أن شبح تشابي ألونسو لا يزال يجوب ملعب البرنابيو، كحارس صامت، في انتظار أن يتعلم النادي أخيرًا الدروس التي يحتاجها بشدة.