“سأعتزل هنا في الـ41”.. كيف تبددت نبوءة رونالدو داخل ريال مدريد قبل 8 سنوات من موعدها؟
في الخامس من فبراير 2026، يُكمل كريستيانو رونالدو عامه الحادي والأربعين، رقمٌ لم يكن يومًا عاديًا في مخيلة صاحبه، ولا في مخيلة جماهير ريال مدريد؛ فقبل عشرة أعوام تقريبًا، قالها رونالدو بوضوح وثقة لا تعرف التردد: “أريد أن أعتزل هنا.. بقميص ريال مدريد، في سن 41”.
لم يكن تصريحًا عاطفيًا عابرًا، بل وعدًا بدا حينها منطقيًا، بل شبه محسوم، في ظل علاقة وُصفت بأنها أنجح زواج في تاريخ كرة القدم الحديثة.
لكن بينما تُطفأ الشموع اليوم، لا يظهر اللون الأبيض في المشهد، لا “سانتياجو برنابيو”، ولا جمهور مدريد، ولا صورة أخيرة لأسطورة تُسلّم الراية في المكان الذي صنعته أسطورة.

الواقع جاء مختلفًا، وربما قاسيًا، فمنذ صيف 2018، لم يعد رونالدو لاعبًا في ريال مدريد، ومنذ ذلك اليوم بدأت نهاية متنقلة لمسيرة كان يُفترض أن تُختتم بنهاية ملكية ثابتة.
ثماني سنوات مرّت، تنقّل خلالها بين تورينو، ومانشستر، ثم الرياض؛ ثلاث محطات، وثلاث هويات مختلفة، وكأن اللاعب الذي أراد أن يُغلق الدائرة في مدريد، وجد نفسه يفتح دوائر جديدة، واحدة تلو الأخرى، بعيدًا عن البيت الذي ظن الجميع أنه بيته الأبدي.
كيف انتهت هذه القصة بهذه السرعة؟ وكيف تحوّل الحلم المشترك إلى فراق بارد؟
تتبدل القمصان، تتغير القارات، وتمر السنين.. ويبقى هو الثابت الوحيد في معادلة التاريخ 🤩
رحلة بدأت من شوارع ماديرا، جابت ملاعب أوروبا، واستقرت في قارة آسيا.. وفي كل محطة، كان الرقم 7 هو العنوان الوحيد للإعجاز والكمال الكروي 🐐👑
إليكم أبرز أرقام واحصائيات الدون كريستيانو رونالدو… pic.twitter.com/LsyI9OnnXC— 365Scores Arabic (@365scoresarabic) February 5, 2026
رونالدو وريال مدريد.. سياسة الرئيس في مواجهة عقلية الملك
في عمق القصة، لم يكن الأمر مجرّد خلاف مالي، ولا حتى رغبة في التغيير، كان صدامًا بين فلسفتين لا تقبلان التنازل: غرور كريستيانو رونالدو المشروع كنجم استثنائي، وانضباط فلورنتينو بيريز المؤسسي كرئيس لا يعترف بالأفراد فوق الكيان.
ريال مدريد، تحت قيادة بيريز، لم يكن يومًا ناديًا عاطفيًا في قراراته؛ الأساطير تُكرَّم، نعم، لكنها لا تُمنح مفاتيح الخزينة، الشعار أكبر من الجميع، وهذه قاعدة لم تُكسر حتى مع أسماء صنعت التاريخ.

بيريز كان يدير النادي وفق منطق صارم، “قاعدة ما بعد الثلاثين”، عقود قصيرة، حذرة، بلا امتيازات مفتوحة مهما كان الاسم؛ وهيكل رواتب منضبط، لا مجاراة لجنون باريس سان جيرمان مع نيمار، ولا سباق أرقام مع برشلونة وميسي.
عندما تحدث رونالدو عن “عمره البيولوجي 23 عامًا” لجوسيب بيدريرول عام 2018، لم يكن يتباهى بلياقته البدنية فحسب، بل كان يُبرر موقفه التجاري؛ فقد شعر بأنه يستحق عقدًا “مدى الحياة” يتجاهل تاريخ ميلاده.
لكن بيريز، الذي نظر إلى الميزانيات ومستقبل الفريق، لم يوافقه الرأي، لم يكن مستعدًا لكسر قانونه الذهبي من أجل أي لاعب.. حتى لو كان كريستيانو نفسه.
غياب “الكارينيو” ولحظة الانكسار
هناك تناقض كبير للغاية بين تصريحات رونالدو التي قالها لأول مرة قبل أزمته مع ريال مدريد والرحيل بعد نهائي كييف، في بادئ الأمر صرح الدون:
“أنا في أفضل نادٍ في العالم، وأريد الاعتزال هنا، في سنّ الـ 41”.
“أريد الاعتزال في ريال مدريد لأنه أفضل نادٍ في العالم، هدفي هو تمديد عقدي والبقاء في النادي الذي أعشقه”.
“أريد الاستمرار في اللعب على هذا المستوى، وسأبذل قصارى جهدي لتحقيق ذلك، كما أفعل كل عام، أتمنى أن أفوز بالمزيد من الألقاب؛ أنا فخورٌ بكأس أوروبا وكأس الأمم الأوروبية، وقد ذرفتُ الدموع في كلتا المرتين”.
“لطالما تمنيتُ الفوز بلقبٍ مع البرتغال، والآن حققتُ ذلك”.
كريستيانو رونالدو.
مع مرور الوقت، بدأت العلاقة تنهار شيئًا فشيئًا، لم يعد الإحباط مرتبطًا بالأرقام فقط، بل بشعور أعمق وأكثر حساسية: غياب التقدير، أو ما يُسميه الإسبان “الكارينيو”.

في الكواليس، شعر رونالدو بأن ريال مدريد لم يقف بجانبه كما كان يتوقع خلال أزماته الضريبية في إسبانيا، قارن موقف النادي بصمتٍ ثقيل، بما فعله برشلونة علنًا لحماية ليونيل ميسي في أزمات مشابهة؛ هناك، شعر رونالدو، لأول مرة، أنه وحيد.
بحلول 2018، كانت العلاقة قد وصلت إلى مرحلة الجمود، مفاوضات التجديد توقفت، والرئيس لم يُبدِ استعجالًا؛ الأسوأ من ذلك، أن إشارات البحث عن “الخليفة” بدأت تظهر.
اسم نيمار كان حاضرًا في الكواليس، حتى وإن لم يخرج إلى العلن رسميًا، بالنسبة لرونالدو، كانت الرسالة واضحة: العصر يقترب من نهايته، حتى لو كنت لا تزال في القمة.
قال رونالدو لبرنامج “إل تشيرينجيتو” قبل أيام فقط من نهائي دوري أبطال أوروبا 2018: “هناك أمور لا أستطيع التحكم بها، عندما تكون في منزلك فأنت من تقرر، لكن في ريال مدريد؟ لأ”.
ثم جاءت الليلة الحاسمة، ريال مدريد يفوز بالكأس الثالثة تواليًا، والفرحة تعمّ الملعب؛ لكن رونالدو، بدلًا من الاحتفال، وقف جانبًا، وتحدث بلغة الماضي: “كان من الرائع التواجد في ريال مدريد”، في تلك اللحظة، انتهى الحلم قبل أن تُرفع الكأس، انتهى وعد الـ41 عامًا بصيغة الماضي.

الطموح الفردي مقابل استقرار المؤسسة
البقاء في مدريد حتى سن 41 كان يتطلب من رونالدو تنازلًا لم يكن مستعدًا له: قبول دور أقل مركزية، ربما كقائد غرفة ملابس، أو بديل فائق التأثير، أو مرشد لجيل جديد؛ لكن عقلية رونالدو لم تُصمم لهذا الدور.
صراعه كان مزدوجًا، فبين رفض التراجع وإيمانه المطلق بأنه لا يزال قادرًا على قيادة أقوى هجوم في العالم، والهوس بالتقدير من خلال رغبته في إثبات ذاته خارج مدريد، وإضافة بطولات وإنجازات جديدة إلى “علامة CR7″، حتى لو كان الثمن الابتعاد عن إرث النادي.
في المقابل، اختار ريال مدريد الاستقرار طويل المدى، انتقل بهدوء إلى حقبة كريم بنزيما، ثم إلى عصر جديد بـ جلاكتيكوس جديد بقيادة كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور وجود بيلينجهام؛ واصل الفوز، ورفع دوري أبطال أوروبا من جديد، مُرسلًا رسالة قاسية لكنها واقعية: ريال مدريد يمكنه أن ينجح حتى بدون أعظم هداف في تاريخه.

واقع رونالدو بعد 8 سنوات
منذ رحيله عن ملعب سانتياجو برنابيو عام 2018، خاض كريستيانو رونالدو ثلاث رحلات متميزة، تميزت كل منها بإحصائيات تهديفية عالية، لكنها شابتها خلافات داخلية وتغيرات في عالم كرة القدم.
في تورينو، استُقبل رونالدو كآخر قطعة في أحجية فريق يوفنتوس المتعطش للفوز بدوري أبطال أوروبا؛ إحصائيًا، ظل رونالدو عملاقًا، مسجلًا 101 هدفًا و28 تمريرة حاسمة في 134 مباراة، ليصبح أسرع لاعب في تاريخ النادي يصل إلى حاجز المئة هدف.

حقق لقبين في الدوري الإيطالي وكأس إيطاليا، لكنه وجد نفسه في نادٍ يمر بمرحلة انتقالية، فبينما هيمن على الساحة المحلية، عانى يوفنتوس من أجل التقدم في أوروبا، وبدأ العبء المالي لعقده يُرهق موارد النادي.
بحلول صيف 2021، كان “عمره البيولوجي البالغ 23 عامًا” الذي كان يتباهى به يُختبر في ظلّ قسوة كرة القدم الإيطالية، مما أدى إلى رحيله المفاجئ قبل أيام قليلة من إغلاق فترة الانتقالات.
مانشستر يونايتد.. العودة المريرة
بدت عودة “الابن الضال” إلى أولد ترافورد في عام 2021 وكأنها قصة خيالية، لكنها سرعان ما تحولت إلى صراع فلسفي، وجد رونالدو نفسه أمام مانشستر يونايتد الذي كان مجرد ظلٍّ للنادي الذي غادره عام 2009.
ورغم أنه أنهى موسمه الأول كهداف الفريق، إلا أنه وجد نفسه على خلاف مع أسلوب الضغط الحديث للمدرب الجديد إريك تين هاج، وصل التوتر إلى ذروته عندما رفض رونالدو المشاركة كبديل في وقت متأخر من مباراة توتنهام، ليبلغ ذروته في مقابلة نارية مع بيرس مورجان انتقد فيها بنية النادي التحتية وصرح بأنه “لا يكنّ أي احترام” لتين هاج.

تم فسخ عقد كريستيانو مع مانشستر يونايتد بالتراضي في نوفمبر 2022 قبل أيام من كأس العالم بقطر، تاركًا إرثه في النادي مثيرًا للجدل.
النصر.. جبهة الصحراء وصراع النفوذ
لم يكن انتقال رونالدو إلى الرياض مطلع عام 2023 مجرد انتقال، بل كان بمثابة بيان جيوسياسي، وبصفته نجم الدوري السعودي للمحترفين، حطم الأرقام القياسية، مسجلًا 35 هدفًا في موسم واحد، ليصبح أول لاعب يسجل 100 هدف مع أربعة أندية مختلفة.
مع النصر، قدم الدون مستويات جيدة وأخرى هائلة، وأخرى متواضعة، ولكن بشكل إجمالي سجل 111 هدفًا وقدم 22 تمريرة حاسمة، خلال 127 مباراة بقميص العالمي منذ توقيعه وحتى عيد ميلاده الحادي والأربعين.

مع بلوغه 41 عامًا اليوم، لا يزال رونالدو يتمتع بلياقة بدنية مذهلة، لكنه يُذكّرنا بأن وعود “الاعتزال في القمة” الرومانسية في عالم كرة القدم نادرًا ما تصمد أمام قسوة الواقع وقسوة الزمن؛ لا يزال رونالدو البالغ من العمر 41 عامًا وهو يرتدي قميص ريال مدريد أحد أعظم حالات “ماذا لو” في تاريخ كرة القدم.