أردا جولرالدوري الإسباني365TOPريال مدريد

ضحايا التغيير.. الثنائي الأكثر تضررًا من رحيل تشابي ألونسو عن ريال مدريد

في كرة القدم، كما في الحياة، هناك قاعدة ثابتة واحدة: التغيير أمر لا مفر منه، لا شيء يبقى كما هو، لا اللاعبون، ولا المدربون، ولا حتى الخطط مهماعتقدنا أنها راسخة، كل قرار يُتخذ له سياقه الخاص؛ أحيانًا بسرعة البرق نتيجة ظرف طارئ، وأحيانًا بعد دراسة عميقة وصبر طويل، وأحيانًا أخرى تحت ضغوط اللحظة التي تفرض نفسها دون رحمة، وما بين تلك التقلبات، يُصبح الوفاء والانتماء أمورًا نسبية، تتأثر بالنتائج، بالمشاريع، وبالسياسات الداخلية للنادي.

وفي هذا السياق، جاء رحيل تشابي ألونسو عن ريال مدريد بشكل مفاجئ وصادم للكثيرين، رغم أن المدرب الإسباني كان يُعد أحد الأعمدة الأساسية في مشروع إعادة بناء الفريق بعد مغادرة الإيطالي كارلو أنشيلوتي، الذي ترك الميرينجي الصيف الماضي لتولي مسؤولية تدريب منتخب البرازيل.

تشابي ألونسو - المصدر (Gettyimages)
تشابي ألونسو – المصدر (Gettyimages)

تشابي ألونسو، الذي اشتهر برؤيته الثاقبة وقرارته الحاسمة، كان يمثل جسرًا بين الماضي العريق للنادي وبين المستقبل الذي يحاول ريال مدريد بنائه بعقلية جديدة، وهو ما يجعل رحيله ليس حدث عادي، بل ثقبًا كبيرًا في سفينة ريال مدريد وأحد أكبر التغييرات التي قد تؤثر على التوازن الفني للفريق.

بداية انهيار ألونسو.. مؤشرات قبل النتائج

مشروع تشابي ألونسو في ريال مدريد بدأ بأمل كبير وبروح من التماسك، لكن سرعان ما بدأت الشقوق تظهر في الأساس، جاءت الخسارة المدوية 0-2 أمام سيلتا فيجو في الدوري بمثابة الجرس الإنذاري، إذ أثارت سلسلة من التقارير الإعلامية التي تحدثت عن إمكانية إقالته منذ مطلع ديسمبر، ما وضع ضغطًا إضافيًا على المدرب الشاب أمام إدارة النادي والجماهير على حد سواء.

إدارة ريال مدريد، بقيادة فلورنتينو بيريز، شعرت بالحاجة الملحة لإعادة ضبط ديناميكية الفريق، خاصة على الجانب البدني، كانت الإصابات المتكررة وغياب الانسجام البدني بين اللاعبين يهددان المشروع بالكامل، لذا قررت الإدارة إعادة نيكو ميهيتش للجهاز الطبي، وتعزيز الطاقم بـ أنطونيو بينتوس، أخصائي اللياقة البدنية، بهدف رفع المستوى البدني للفريق وتقليل المخاطر الصحية للاعبين.

تشابي ألونسو
تشابي ألونسو

في الأسابيع التالية، بدا أن ألونسو بدأ يستعيد توازنه الفني والنفسي، اعتمد أسلوبًا أكثر قوة في التدريب، يركز على الهجمات المرتدة البسيطة والفعالة، مع تقليل التفاصيل المعقدة في التعليمات الفنية، ما جعل الجمهور يمنحه نوعًا من الدعم الصامت، خصوصًا بعد الانتصارات على إشبيلية وريال بيتيس.

ومع ذلك، حتى بعد الهزيمة في نهائي السوبر الإسباني 3-2 أمام برشلونة، بدا أن الوقت لا يزال في صالحه، وأن مشروعه قد يجد فرصة للنمو، لكن في ريال مدريد، حيث القرار الأخير دائمًا بيد بيريز، لم يكن هناك ضمان للاستمرار؛ الرجل الذي لم يتردد في الماضي في إقالة مدربين كبار مثل بينيتيز ولوبيتيجي، لم يكن مستعدًا لمنح ألونسو استثناءً، مهما بدا المشروع واعدًا أو النتائج قابلة للتحسن.

لكن يبقى السؤال الأهم هنا من المتضرر الأكبر من رحيل ألونسو عن تدريب الفريق؟ المدرب الذي اشتهرت حقبته بوجود حسبين من المؤيدين والمعارضين لمسيرته داخل سانتياجو بيرانبيو، خاصة أنه اشتهر باعتماده على لاعبين بعينهم طوال ولايته للفريق الملكي

مبابي الأكثر تضررًا من رحيل تشابي ألونسو

قد تبدو الإجابة بديهية عند طرح سؤال: من الأكثر تأثرًا برحيل تشابي ألونسو عن ريال مدريد؟ فخلال فترة المدرب الإسباني، لم يكن هناك لاعب حظي بالثقة والاعتماد كما حدث مع كيليان مبابي، الذي تحوّل سريعًا إلى القطعة المحورية في المشروع الهجومي للفريق، ألونسو بنى منظومته الهجومية بالكامل حول النجم الفرنسي، مانحًا إياه حرية شبه مطلقة داخل الملعب، سواء في التحرك بين الخطوط، أو تبادل المراكز، أو اتخاذ القرار الحاسم بين التسديد والتمرير في الثلث الأخير.

مع مرور الوقت، لم يعد مبابي مجرد مهاجم أساسي في التشكيلة، بل أصبح محرك اللعب الأول ومصدر الخطورة الدائم، وهو ما انعكس بوضوح على أرقامه التهديفية وتأثيره المباشر في نتائج الفريق، هذه الثقة غير المشروطة جعلته يشعر بالاستقرار الفني والنفسي، ويقدم أفضل نسخة هجومية له بقميص ريال مدريد تحت قيادة ألونسو.

كيليان مبابي - المصدر (Gettyimages)
كيليان مبابي – المصدر (Gettyimages)

وعلى مستوى الأرقام، سجّل مبابي 30 هدفًا في 28 مباراة خلال فترة إشراف تشابي ألونسو، وهو رقم استثنائي يوضح مدى انسجام اللاعب مع فلسفة المدرب، وكيف استطاع استغلال الحرية التكتيكية التي مُنحت له ليصبح اللاعب الأكثر تألقًا وحسمًا في الفريق، لكن هذا الازدهار السريع اصطدم بواقع قاسٍ، تمثل في رحيل ألونسو المفاجئ، الذي شكّل صدمة مزدوجة لمبابي: فقدان المدرب الذي وضع ثقته الكاملة فيه، وفقدان المنظومة الفنية التي صُممت خصيصًا لإبراز قدراته.

ومن المتوقع أن يترك هذا التغيير المفاجئ أثرًا واضحًا على المستوى الفني لمبابي، خاصة على صعيد الثقة والاستمرارية، إذ سيكون مطالبًا بالتأقلم مع أفكار جديدة قد لا تمنحه نفس الحرية أو الدور المركزي الذي اعتاد عليه، وهكذا، يتحول اللاعب الذي كان رمزًا لمشروع ألونسو إلى أحد أبرز المتضررين من نهايته، في مرحلة انتقالية تبدو أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا.

أردا جولر.. الصدمة التركية برحيل الإسباني

لم يكن كيليان مبابي وحده من شعر بالارتباك بعد رحيل تشابي ألونسو، بل امتد الأثر بقوة إلى لاعب الوسط التركي الواعد أردا جولر، الذي ارتبط اسمه بشكل وثيق بمشروع المدرب الإسباني، العلاقة بين ألونسو وجولر لم تكن عادية، بل قامت على الثقة الكاملة والتوجيه المستمر، حيث لعب المدرب دورًا محوريًا في صقل موهبة اللاعب، وتطوير أسلوبه الفردي، ومنحه مساحة حقيقية للتعبير عن إمكانياته داخل منظومة الفريق.

ألونسو آمن بقدرات جولر منذ اللحظة الأولى، ومنحه دقائق لعب لم يكن يحظى بها سابقًا، ما انعكس بشكل مباشر على نضجه التكتيكي وثقته بنفسه، هذا الارتباط العميق دفع اللاعب التركي إلى التعبير عن امتنانه علنًا عبر حسابه على “إنستجرام”، حيث كتب:

السيد تشابي ألونسو، شكرًا لك على إيمانك وثقتك بي منذ اليوم الأول، كل محادثة، كل تفصيلة، وكل مطلب ساعد في تشكيل أسلوبي في اللعب ودفعني إلى مستوى أعلى

وخلال موسم 2025-2026، شارك أردا جولر في 28 مباراة تحت قيادة ألونسو، سجل خلالها 3 أهداف وقدم 8 تمريرات حاسمة، وهي أرقام تعكس بوضوح حجم التأثير الإيجابي للمدرب على تطوره الفني، إلا أن رحيل ألونسو المفاجئ من المتوقع أنه سيخلّف فراغًا واضحًا في هوية اللاعب داخل الميدان، ليس فقط على المستوى التكتيكي، بل على صعيد الدعم النفسي والتحفيز، ما يجعله مطالبًا بإعادة التأقلم مع فلسفة جديدة قد لا تمنحه نفس الثقة أو الحرية التي اعتاد عليها.

أردا جولر من مباراة ريال مدريد ضد مايوركا- (المصدر:Gettyimages)
أردا جولر من مباراة ريال مدريد ضد مايوركا- (المصدر:Gettyimages)

ومع التغيير الفني، يواجه جولر خطر العودة إلى دور البديل وحبيس دكة الاحتياط، وهو السيناريو الذي عاشه قبل وصول تشابي ألونسو، ما يجعل مستقبله القريب في ريال مدريد أكثر غموضًا.

في المحصلة، يبدو أن كيليان مبابي وأردا جولر هما أكبر الخاسرين من رحيل تشابي ألونسو عن ريال مدريد، الأول فقد المدرب الذي بنى مشروعًا هجوميًا كاملًا حوله ومنحه الحرية والثقة المطلقة، والثاني خسر الداعم الأكبر لمسيرته، والذي فتح له باب التطور والاستمرارية، وبينما يواصل ريال مدريد مسيرته تحت قيادة جديدة، يبقى هذان الاسمان الأكثر تأثرًا بقرار أنهى مشروعًا قبل أن يصل إلى ذروته.

أردا جولر - فينيسيوس جونيور - ريال مدريد - المصدر (Getty images)
أردا جولر – فينيسيوس جونيور – ريال مدريد – المصدر (Getty images)

الفائز الأكبر من التغيير.. فينيسيوس جونيور

على النقيض من مبابي وأردا جولر، بدا أن رحيل تشابي ألونسو جاء كفرصة ذهبية للمهاجم البرازيلي فينيسيوس جونيور، فخلافه مع ألونسو يعرفه القاصي والداني، خلال فترة المدرب الإسباني، عانى فينيسيوس من توتر واضح داخل غرفة الملابس، خاصة بعد سلسلة إهداراته للفرص الحاسمة، الأمر الذي خلق فجوة بينه وبين ألونسو، لا سيما في المباريات الكبرى مثل مواجهة الكلاسيكو ضد برشلونة، حيث كانت الاختيارات الفنية للمدرب تعيق قدرته على التحرك بحرية واستغلال مهاراته الفردية.

مع رحيل ألونسو، يبدو أن هذه التوترات شارفت على النهاية، ليتألق من جديد قبل فترة ألونسو، والأن رحل تشابي ورحلت معه كل تلك التوترات، ومن المنتظر أن يحصل فينيسيوس على حرية أكبر على أرض الملعب، بعيدًا عن القيود التكتيكية الصارمة وأسلوب المدرب الهادئ الذي كان يحد من اندفاعه الطبيعي. 

فينيسيوس جونيور - ريال مدريد - المصدر (Getty images)
فينيسيوس جونيور – ريال مدريد – المصدر (Getty images)

هذه الحرية الفنية ستعيد للاعب الثقة بنفسه، وستتيح له إعادة تأكيد حضوره وأهميته في صفوف الفريق، كما أن رحيل المدرب سيعطي فينيسيوس مساحة أكبر للتفاوض على تمديد عقده مع النادي، بعد أن باتت عروض الأندية الأخرى مثل تشيلسي أو الدوري السعودي أقل تأثيرًا على استقراره، فبرحيل تشابي أصبح يشعر بأنه عنصر أساسي في مشروع ريال مدريد من جديد كما كان مع أنشيولتي.

باختصار، بينما كان بعض النجوم يخسرون دفعة أساسية مع رحيل ألونسو، استطاع فينيسيوس تحويل هذه اللحظة إلى فرصة للانطلاق، ليصبح المنتصر الأكبر في أعقاب التغيير المفاجئ الذي شهدته غرفة الملابس الملكية.

فينيسيوس جونيور - ريال مدريد - المصدر (Getty images)
فينيسيوس جونيور – ريال مدريد – المصدر (Getty images)

نهاية مؤثرة.. وداع بلا عودة لتشابي ألونسو

خلال آخر مباراة له مع ريال مدريد، بدا تشابي ألونسو متوترًا على خط التماس، تعكس ملامحه ضغط المسؤولية الثقيلة التي حملها طوال الموسم، لم تكن هذه مجرد مباراة، بل مشهدًا يجسد قسوة كرة القدم: مواجهة ساخنة مع دييجو سيميوني في نصف نهائي كأس السوبر، ومشادة حادة مع هانز فليك مدرب برشلونة، كل تفاصيلها تشير إلى عالم لا يرحم، حيث لا يكفي النجاح الشخصي لضمان الاستمرار.

هذه اللحظات الصاخبة على أرض الملعب كانت مرآة لما حدث خلف الكواليس؛ النجوم الذين بنى حولهم ألونسو مشروعه – من مبابي وجولر الذين شعروا بالفقد، إلى فينيسيوس الذي ازدهر بعد رحيله – كلهم أصبحوا شهودًا على إرثه، سواء بالإيجاب أو السلب، وبينما يغادر ألونسو، يستمر المشوار الرياضي بلا توقف، وكأن الكرة لا تتوقف عن الدوران، والفرص لا تنتظر أحدًا.

رحيل تشابي ألونسو لم يكن مجرد إقالة مدرب، بل درسًا في الحياة الرياضية: هناك من يتأثر ويخسر، هناك من يزدهر ويقتنص الفرص، وهناك من يبقى تحت وطأة القرارات الصارمة، وسط دوامة الصبر والضغوط التي لا تعرف رحمة، إرثه يبقى في ذاكرة اللاعبين والمشجعين، كإشارة إلى أن القيادة الحقيقية تتجاوز النتائج المباشرة، وتترك أثرًا طويل المدى في كل من احتك به.

منصور مجاهد

صحفي مصري منذ 2019، خريج إعلام القاهرة، شغوف بكرة القدم الإنجليزية وصناعة التقارير العميقة، مقدم برامج ومعلق صوتي بخبرة أكثر من 7 سنوات بمجال الإعلام.