ديربيات محتملة وطريق ملتهب.. كيف تبدو حظوظ العرب في دور الـ16 لأمم إفريقيا 2025؟
تدخل المنتخبات العربية المشاركة في كأس أمم إفريقيا 2025 المقامة في المغرب مرحلة مفصلية مع انطلاق منافسات دور الـ16، حيث تتحول الحسابات من منطق جمع النقاط إلى معادلة الإقصاء المباشر، التي لا تعترف إلا بالتفاصيل الصغيرة والجاهزية الذهنية والبدنية.
وبين طموحات مشروعة وأحلام تاريخية، تتباين حظوظ العرب بين مواجهات تبدو في المتناول وأخرى تصطدم بعمالقة القارة، في نسخة تحمل الكثير من المؤشرات الاستثنائية.
يحمل دور الـ16 من كأس أمم إفريقيا 2025 مزيجًا من الفرص والتحديات للمنتخبات العربية، المغرب ومصر يبدوان الأقرب للعبور، الجزائر أمام اختبار ناري مبكر، تونس مطالبة بإعادة اكتشاف نفسها، والسودان يسعى لكتابة صفحة مشرّفة أمام الكبار؛ وبين هذا وذاك، تظل البطولة مفتوحة على كل الاحتمالات، في انتظار ما ستفرزه لحظة الحقيقة في ملاعب المغرب.
حضور عربي لافت في دور الـ16 من كأس أمم إفريقيا 2025
نجحت خمسة منتخبات عربية في بلوغ ثمن نهائي أمم إفريقيا 2025، هي: المغرب، مصر، الجزائر، تونس، والسودان، في مشهد يعكس تطور الحضور العربي قاريًا، سواء من حيث الاستمرارية أو اتساع قاعدة المنافسة.
المغرب ومصر والجزائر تصدروا مجموعاتهم بثبات نسبي، بينما عبرت تونس بوصف الوصيف خلف نيجيريا، كما حسم منتخب السودان تأهله إلى ثمن النهائي بعدما تواجد في المركز الثالث خلف الجزائر وبوركينا فاسو.
هذا التواجد العربي الكثيف يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، من بينها احتمالية حدوث مواجهات عربية خالصة في الأدوار المتقدمة، وهو ما قد يمنح البطولة طابعًا غير مسبوق على مستوى الصراع الإقليمي داخل القارة السمراء.
وسجل تأهل 5 منتخبات عربية، رقمًا قياسيًا جديدًا، حيث تشهد النسخة الحالية أكبر عدد من المنتخبات العربية المتأهلة إلى الأدوار الإقصائية منذ رفع العدد إلى 24 منتخبًا بداية من نسخة كأس أمم إفريقيا مصر 2019.
منتخب المغرب: أفضلية الأرض وتحدي تأكيد الترشيح
يدخل المنتخب المغربي، مستضيف البطولة، مواجهة تنزانيا بأفضلية واضحة على الورق، ليس فقط بسبب الفوارق الفنية، بل أيضاً بفعل عامل الأرض والجمهور؛ “أسود الأطلس” قدموا دور مجموعات متماسكًا، عكس استقرارًا تكتيكيًا واضحًا، وعمقًا في الخيارات، خاصة على مستوى الأطراف والوسط.

في المقابل، تعيش تنزانيا لحظة تاريخية ببلوغها دور الـ16 للمرة الأولى في تاريخ مشاركاتها بأمم إفريقيا، بعدما تأهلت برصيد نقطتين فقط، أبرزها تعادل ثمين أمام تونس، ورغم إدراك مدربها ميجيل أنخل جاموندي لصعوبة المهمة، إلا أن منتخب بلاده قد يلعب دون ضغوط حقيقية، ما يجعله خصمًا غير مريح إذا ما استهان به المغرب؛ ومع ذلك، يبقى السيناريو الأقرب هو عبور مغربي، شريطة الحسم المبكر وتجنب الوقوع في فخ التراخي.
منتخب مصر: خبرة البطولات في مواجهة طموح بنين
المنتخب المصري، صاحب الرقم القياسي في عدد ألقاب كأس الأمم (7)، يخوض مواجهة تبدو في المتناول أمام منتخب بنين، الذي يشارك بروح المغامرة بعد تحقيقه أول فوز في تاريخه بالبطولة خلال هذه النسخة.
الفراعنة تصدروا مجموعتهم بثقة وبدون أي خسارة، ولم يستقبلوا سوى هدف وحيد فقط، مستفيدين من التوازن بين الخبرة والشباب، ومن القوة الهجومية الضاربة بقيادة محمد صلاح وعمر مرموش.

ورغم الفوارق الواضحة، فإن مباريات الإقصاء لا تخلو من المفاجآت، خاصة أمام منتخب لا يملك ما يخسره؛ لكن الشخصية التاريخية لمصر في الأدوار الحاسمة، وقدرتها على إدارة الإيقاع، تمنحها أفضلية كبيرة لعبور الدور، مع تطلع الجماهير لرؤية أداء أكثر إقناعاً مع تقدم المنافسة.
منتخب الجزائر: اختبار مبكر لطموحات اللقب
على عكس المغرب ومصر، لم يكن المسار رحيمًا بالمنتخب الجزائري، الذي يصطدم بالكونجو الديمقراطية في واحدة من أقوى مواجهات دور الـ16 لكأس أمم إفريقيا، “محاربو الصحراء” أنهوا دور المجموعات في الصدارة، لكنهم يواجهون منتخبًا يملك تاريخًا ثقيلًا وخبرة كبيرة في المباريات الكبرى.
الجزائر، الساعية لاستعادة اللقب الغائب منذ 2019، مطالبة بتقديم أفضل مستوياتها التكتيكية والبدنية، خاصة في ظل القوة البدنية والسرعة التي يتميز بها منتخب الكونجو، المباراة مرشحة لأن تكون صراع تفاصيل، وقد تشكل نقطة تحول حقيقية في مسار الجزائر بالبطولة، إما نحو التأكيد على الجاهزية، أو الخروج المبكر الذي سيعيد فتح أبواب الأسئلة.

ولكن ما يُعقد المواجهة على رفاق رياض محرز، أن الكونجو الديمقراطية احتلت المركز الثاني خلف السنغال بفارق الأهداف فقط، بعد الفوز في مباراتين والتعادل أمام أسود التيرانجا؛ كما نجح المنتخب الكونجولي في حجز مقعده في الملحق العالمي المؤهل لنهائيات كأس العالم 2026 على حساب نيجيريا والكاميرون، بعد أن أطاحوا باثنين من أقوى منتخبات القارة الإفريقية.
منتخب تونس: البحث عن الذات أمام مالي
تعيش تونس وضعًا معقدًا بعد دور مجموعات متذبذب، عكس حالة من عدم الاستقرار الفني، مواجهة مالي تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة “نسور قرطاج” على التحول في الأدوار الإقصائية، كما أشار المدرب سامي الطرابلسي، الذي اعترف بعدم الرضا عن الأداء، لكنه راهن على اختلاف الحسابات في المباريات الفاصلة.
مالي منتخب منظم، قوي بدنيًا، ويجيد استغلال أنصاف الفرص، ما يفرض على تونس الانضباط الدفاعي والفعالية الهجومية إذا ما أرادت العبور؛ ورغم صعوبة المهمة، فإن التاريخ والخبرة قد يلعبان دورًا حاسمًا إذا ما نجح المنتخب التونسي في استعادة هويته.

يعاني منتخب مالي على المستوى الهجومي، بعد التسجيل مرتين فقط خلال 3 مباريات، ولكن الصلابة الدفاعية هي التي حملتهم للوصول لدور الـ16 حيث استقبلوا هدفين فقط كذلك.
منتخب السودان: الحلم يصطدم بواقع الكبار
يبقى المنتخب السوداني أمام التحدي الأصعب، إذ ينتظره خصم من العيار الثقيل، قد يكون بطل أمم إفريقيا 2021 السنغال، أو أحد عمالقة القارة في مجموعة تضم الكاميرون وكوت ديفوار، تأهل السودان بحد ذاته يُعد إنجازًا، لكنه يطمح لما هو أبعد من مجرد المشاركة.

المنتخب السوداني سيخوض المباراة دون ضغوط كبيرة، وهو عامل قد يمنحه جرأة إضافية، لكن الفوارق الفنية والخبرة تميل بوضوح لصالح المنافس؛ ومع ذلك، فإن التنظيم الدفاعي والروح القتالية قد يجعلان المواجهة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه نظريًا.
طريق العرب نحو نهائي أمم إفريقيا 2025.. فرص حقيقية ومخاطر كامنة
وجود خمسة منتخبات عربية في دور الـ16 (المغرب، مصر، الجزائر، تونس، السودان) لا يمكن اعتباره مصادفة، بل يعكس تحسنًا نسبيًا في البنية الفنية والتنافسية. غير أن هذا الحضور، بدل أن يكون ميزة مطلقة، قد يتحول إلى سلاح ذي حدين، في ظل وقوع العرب في مسارين متقابلين، ما يعني أن حلم تتويج عربي لن يتحقق إلا على حساب خروج عربي آخر.
الطريق إلى النهائي مقسوم بوضوح إلى مسارين؛ الأول يضم: مصر، تونس، السودان؛ والثاني يضم: المغرب، الجزائر؛ وهو تقسيم يضع احتمالية الديربي العربي في قلب البطولة، لا على هامشها.
المسار الأول.. صراع البقاء قبل الحلم
في هذا المسار، لا توجد مباريات سهلة، تونس تواجه مالي وهي مباراة تكشف معضلة “نسور قرطاج” المزمنة: منتخب يملك التاريخ والخبرة، لكنه يفتقد الاستقرار الفني والحدة الهجومية؛ أي عبور تونسي لن يكون إلا عبر مباراة مغلقة، منخفضة الإيقاع، تحسمها تفاصيل صغيرة.
السودان، من جانبه، يصطدم مباشرة ببطل النسخة قبل الماضية السنغال؛ هنا، الواقعية تفرض نفسها: الفوارق تميل لصالح السنغال، لكن السودان يملك ميزة اللعب بلا ضغوط، وهو ما قد يمنحه جرأة تكتيكية تصعّب المهمة على خصم اعتاد السيطرة.
الفائز من المباراتين يلتقي في ربع النهائي، حيث تصبح الحسابات عربية-أفريقية خالصة، وقد نشهد مواجهة تونسية-سنغالية كلاسيكية، أو مفاجأة سودانية تعيد خلط الأوراق.
منتخب مصر يبدو نظريًا صاحب الطريق الأقل تعقيدًا حتى نصف النهائي، بداية بمواجهة بنين، ثم الفائز من بوركينا فاسو وكوت ديفوار، لكن الخطورة هنا ليست فنية بقدر ما هي ذهنية.
مصر تاريخيًا تجيد إدارة الأدوار الإقصائية، لكنها تعاني أحيانًا من الوقوع في فخ الأداء الوظيفي البحت، دون حسم مبكر، أي تهاون قد يحوّل أفضلية الأسماء إلى عبء نفسي.
ومع ذلك، إذا بلغ “الفراعنة” نصف النهائي، فإن احتمال الديربي العربي يصبح واقعًا ملموسًا، سواء أمام تونس أو السودان، في مواجهة ستكون مشحونة أكثر بالعاطفة من التكتيك.
المسار الثاني.. طريق النار وصدام الكبار
المغرب، صاحب الأرض والجمهور، يواجه تنزانيا في ثمن النهائي، وهي مباراة لا تحتمل سوى سيناريو واحد: الفوز، أي نتيجة أخرى ستُعد إخفاقًا صريحًا، لكن التحدي الحقيقي يبدأ في ربع النهائي أمام الفائز من جنوب أفريقيا والكاميرون، وهنا يتقلص هامش الخطأ إلى الحد الأدنى.
المغرب مطالب ليس فقط بالعبور، بل بإثبات أنه قادر على التحكم في نسق البطولة، لا الاكتفاء برد الفعل، وهو الامتحان الذي فشل فيه في نسخ سابقة.
الجزائر تواجه الكونغو الديمقراطية في واحدة من أقوى مباريات دور الـ16، هذه ليست مجرد مباراة عبور، بل اختبار هوية؛ الجزائر تملك جودة فنية عالية، لكنها مطالبة بإثبات قدرتها على الصمود في مواجهات بدنية شرسة.
في حال العبور، ينتظرها الفائز من نيجيريا وموزمبيق، وهو طريق لا يقل صعوبة، أي وصول جزائري إلى نصف النهائي سيكون إعلانًا صريحًا عن نوايا المنافسة على اللقب.
السيناريو الأكثر إثارة يتمثل في نصف نهائي عربي في المسار الأول بين مصر وتونس أو السودان، ونصف نهائي ناري في المسار الثاني بين المغرب والجزائر؛ وهي مواجهات لا تُحسم بالأسماء ولا بالأرقام، بل بالقدرة على التحكم في الأعصاب وإدارة الضغط الجماهيري والإعلامي.
النهائي.. معركة المسارين
في حال وصول منتخب عربي من كل مسار، سيكون النهائي تتويجًا لتفوق عربي تاريخي في نسخة استثنائية، أما إذا بلغ النهائي منتخب عربي واحد، فسيكون مطالبًا بكسر عقدة النهائيات أمام مدارس أفريقية مختلفة، بين القوة البدنية والسرعة والصلابة التكتيكية.
كأس أمم أفريقيا 2025 تضع المنتخبات العربية أمام فرصة تاريخية حقيقية، لكنها في الوقت ذاته تكشف هشاشة بعض المشاريع الفنية عند أول اختبار ضغط؛ المغرب ومصر يملكان مفاتيح الوصول، الجزائر تملك طريق التحدي، تونس تبحث عن ذاتها، والسودان يلعب دور الحلم.
في النهاية، البطولة لا تكافئ الأكثر موهبة، بل الأكثر صبرًا، والأذكى في قراءة لحظة الحقيقة، ولكن قد يصطدم الحلم العربي بواقع صادم، وقد يتأهل منتخبي مصر والمغرب فقط بحكم تواضع الخصوم في ثمن النهائي.