الدوري الإسبانيبرشلونة365TOPالأهلي المصري

حمزة عبد الكريم بين الضغط والفرصة.. كيف كان يناير نقطة التحول للمواهب المصرية؟

فتح انتقال حمزة عبد الكريم إلى صفوف برشلونة المجال لتسليط الضوء على مفارقة غريبة، لم يكن شهر يناير يومًا مجرد محطة انتقال عادية في مسيرة اللاعب المصري، بل تحوّل مع مرور السنوات إلى علامة فارقة تسبق التحول الحقيقي، تكرار السيناريو ذاته مع أسماء مختلفة، وفي عصور كروية متباعدة، يؤكد أن الأمر لا يخضع للمصادفة، بل يعكس نمطًا متكررًا وتاريخًا يترك إشارات واضحة لمن يملك القدرة على قراءته بهدوء بعيدًا عن الضجيج.

كرة القدم لا تسير في خطوط مستقيمة، ولا تعترف دائمًا بالتخطيط الطويل، لكنها تنحاز للتوقيت الذكي، يناير هو شهر القرارات الحاسمة، والفرص المحدودة، والرهانات التي لا تحتمل الانتظار، إما أن تُثبت نفسك فورًا، أو تذوب في الهامش، وهذا ما جعل يناير بيئة مثالية للاعب المصري، الذي اعتاد الدخول في معارك إثبات الذات منذ لحظته الأولى.

حمزة عبد الكريم لاعب برشلونة الجديد
حمزة عبد الكريم لاعب برشلونة الجديد

في هذا الشهر، لا تُمنح الفرص بدافع المجاملة، ولا تُصنع النجومية بالوعود، بل تُفرض بالاحتياج، الأندية في يناير لا تبحث عن لاعب للمستقبل، بل عن حل حاضر، عن لاعب قادر على التأقلم السريع، وتحمل الضغط، وتقديم الإضافة دون فترات تدرج طويلة، وهي متطلبات قاسية، لكنها تتناسب مع عقلية اللاعب المصري الذي تشكّل دائمًا تحت الضغط.

لهذا، لم يكن غريبًا أن تتحول نافذة يناير إلى نقطة انطلاق حقيقية للمصريين في أوروبا، شهر لا يمنح الأمان، لكنه يمنح الفرصة، ومن ينجح فيه لا يفعل ذلك بالحظ، بل بالجاهزية الذهنية قبل الفنية، يناير لا يصنع الأساطير، لكنه يكشف من يملك القدرة على أن يبدأ طريقه نحوها.

حمزة عبد الكريم يسير على خطى النني.. يناير الانضباط وبناء الهوية

عندما وصل محمد النني إلى أرسنال في يناير 2016، لم يكن اسمه يتصدر العناوين، ولم يأتِ محمّلًا بتوقعات النجومية أو ضجيج الصفقات الكبرى، دخل واحدة من أقسى بيئات المنافسة في أوروبا في توقيت لا يمنح فرصًا ثانية، يناير لا يسمح بالبطء ولا يرحم المترددين، وكل دقيقة فيه تُقاس بالجاهزية لا بالوعود.

النني أدرك سريعًا أن البقاء في أوروبا لا يقوم على اللمحات الفردية، بل على الانضباط والالتزام والقدرة على تنفيذ الأدوار بدقة، وجد نفسه مطالبًا بالاندماج الفوري داخل منظومة تكتيكية معقدة في الدوري الإنجليزي، وسط صراع يومي على المراكز، حيث لا مكان للأخطاء ولا وقت للتجربة، وهو ما شكّل شخصيته الكروية منذ اللحظة الأولى.

محمد النني - أرسنال (المصدر:Gettyimages)
محمد النني – أرسنال (المصدر:Gettyimages)

ومع مرور الوقت، تحوّل النني إلى نموذج مختلف للمحترف المصري، لم يكن لاعب عناوين أو بطل لقطات، لكنه أصبح رمزًا للاستمرارية والاعتماد عليه عند الحاجة، تجربة يناير لم تصنع منه نجمًا لامعًا، لكنها صنعت لاعبًا يعرف متطلبات اللعبة الحديثة، ويؤديها بهدوء، مؤكّدًا أن نافذة يناير قد تكون بوابة لبناء هوية احترافية كاملة، لا مجرد انتقال عابر.

محمد صلاح.. يناير السقوط ثم البعث من جديد

انتقال محمد صلاح إلى تشيلسي في يناير 2014 شكّل صدمة مبكرة في مسيرته الأوروبية، فجأة، انتقل من دور البطولة إلى مقاعد الانتظار، ومن نادٍ يمنحه المساحة إلى فريق يعج بالنجوم ولا يرحم الأخطاء، الدوري الإنجليزي لم يمنحه وقتًا للتعلم، ومورينيو لم يمنحه دقائق كافية ليخطئ أو يصيب، فبدأت علامات الاستفهام تطارد اسمه، وظهرت الشكوك حول قدرته على الاستمرار في أعلى مستوى.

ورغم قسوة التجربة، كان يناير 2014 درسًا تأسيسيًا في مسيرة صلاح، هناك، تعلّم أن الموهبة وحدها لا تفتح الأبواب، وأن التوقيت والمكان والثقة عناصر لا تقل أهمية عن القدرات الفنية، تلك المرحلة القاسية صقلت وعيه الاحترافي، وجعلته يدرك أن الخطوة التالية يجب أن تكون محسوبة بدقة، لا مدفوعة بالحلم وحده.

محمد صلاح يحتفل بهدفه الأول مع تشيلسي في البريميرليج - المصدر (Getty images)
محمد صلاح يحتفل بهدفه الأول مع تشيلسي في البريميرليج – المصدر (Getty images)

عاد يناير مرة أخرى، ولكن هذه المرة بوجه مختلف، انتقاله إلى فيورنتينا في شتاء 2015 لم يكن مجرد إعارة، بل كان فرصة لإعادة كتابة القصة، وجد صلاح مساحة أكبر للتحرك، ومدربًا يؤمن بقدراته، وبيئة أقل ضغطًا سمحت له باستعادة ثقته سريعًا، في نصف موسم فقط، تحوّل إلى لاعب حاسم، أعاد تعريف نفسه، وأجبر الجميع على إعادة النظر في الحكم الذي صدر عليه مبكرًا.

من فيورنتينا، لم يعد صلاح اللاعب الذي يبحث عن فرصة، بل اللاعب الذي يفرض نفسه، يناير تحوّل من شهر السقوط إلى شهر البعث، ومن محطة شك إلى نقطة انطلاق حقيقية نحو القمة، بعدها، لم تكن المسيرة سوى صعود متواصل، قاده ليصبح أحد أفضل لاعبي العالم من بوابة ليفربول وقبلها روما، وكل ذلك بدأ بقرار شجاع في نافذة لا تعترف إلا بمن يعرف كيف يستغلها.

مباراة ليفربول اليوم ضد نيوكاسل يونايتد.. الموعد والقنوات الناقلة
محمد صلاح – ليفربول – (المصدر: Getty images)

عمر مرموش.. يناير إثبات الذات في مانشستر سيتي

في الموسم الماضي، وقف عمر مرموش أمام مفترق طرق حاسم في مسيرته الأوروبية، لاعب يملك الموهبة والمرونة، لكنه لم يكن قد وصل بعد إلى مرحلة الاستقرار التي تحسم المسار، يناير جاء كفرصة مزدوجة، باب مفتوح للإثبات، لكنه في الوقت ذاته اختبار قاسٍ، لأن أي خطأ في هذا التوقيت يُضخّم، وأي نجاح يُحسب بدقة.

مرموش لم يتعامل مع يناير كنافذة انتظار، بل كمساحة فعل، لم يبحث عن الأضواء، ولم ينتظر أن تُمنح له الثقة، بل انتزعها تدريجيًا داخل الملعب، دقائق لعب محدودة في مانشستر سيتي تحوّلت إلى حضور متزايد، وأداء هادئ تحوّل إلى اعتماد واضح من بيب جوارديولا، في مسار يؤكد أن يناير لا يصنع النجومية السريعة، بل يبني الثقة خطوة بخطوة.

عمر مرموش وسافينيو - المصدر (Gettyimages)
عمر مرموش وسافينيو – المصدر (Gettyimages)

تجربة مرموش مع السيتي جاءت لتؤكد من جديد قاعدة اللاعب المصري في أوروبا، حين تُتاح الفرصة في توقيت صعب، تكون القدرة على الرد داخل الملعب هي الفارق الحقيقي، لا تصريحات، لا ضجيج، فقط أداء يفرض نفسه، ويعيد كتابة موقع اللاعب في الحسابات الفنية، تمامًا كما حدث مع من سبقوه في نافذة يناير.

حمزة عبد الكريم.. يناير الجيل الجديد

انتقال حمزة عبد الكريم من الأهلي إلى برشلونة لم يمر كخبر عابر في سوق الانتقالات، بل جاء كحدث لافت جذب انتباه الإعلام الإسباني مبكرًا، الصحف الكبرى تعاملت مع الصفقة بجدية واضحة، وتحدثت عن لاعب يملك موهبة هجومية تستحق المتابعة، وهي لغة نادرًا ما تُستخدم مع لاعب قادم من خارج الدوائر الأوروبية التقليدية، ما يعكس حجم الرهان الكامن خلف هذه الخطوة.

برشلونة لم يتحرك بدافع المجاملة أو العلاقات، بل وفق رؤية فنية محسوبة، صيغة الإعارة حتى نهاية الموسم مع بند أحقية الشراء تؤكد أن النادي الكتالوني يريد اختبار اللاعب في بيئة تنافسية حقيقية، لا إدراجه ضمن مشروع تجريبي، القرار يحمل في طياته فرصة واضحة، لكنه في الوقت نفسه يضع حمزة أمام مسؤولية إثبات ذاته منذ اللحظة الأولى.

حمزة عبد الكريم - تصوير: مصطفى الشحات
حمزة عبد الكريم – تصوير: مصطفى الشحات

البداية مع الفريق الرديف لا تعني التقليل من قيمة حمزة، بل تمثل خطوة ذكية ومدروسة، هذه المرحلة تمنحه مساحة ضرورية للتأقلم مع إيقاع الكرة الإسبانية، وفهم متطلبات اللعب في منظومة برشلونة، بعيدًا عن ضغط الأضواء المباشرة، هنا، يُقاس اللاعب بالاستيعاب والتطور، لا بعدد العناوين أو ردود الفعل السريعة.

الأهم أن يناير يمنح حمزة عبد الكريم نصف موسم للتعريف بنفسه دون مطالب تعجيزية، لا يُطلب منه صناعة المعجزات، بل تقديم إشارات واضحة على موهبته واستعداده للتطور، وهو السيناريو ذاته الذي مر به من سبقوه من اللاعبين المصريين، كل بطريقته، ليصبح يناير مرة أخرى بوابة الجيل الجديد نحو الاحتراف الأوروبي الحقيقي.

حمزة عبد الكريم - منتخب مصر تحت 17 سنة - (المصدر: Getty images)
حمزة عبد الكريم – منتخب مصر تحت 17 سنة – (المصدر: Getty images)

لماذا يتكرر المشهد مع المصريين في يناير؟

يتكرر مشهد انطلاق اللاعب المصري في يناير لأن دخوله أوروبا غالبًا ما يكون محمّلًا بالشكوك المسبقة، اللاعب لا يُعامل كموهبة جاهزة، بل كمشروع يحتاج لإثبات مضاعف، وهو ما يجعل أي نافذة انتقال تمثل اختبارًا حقيقيًا لشخصيته قبل موهبته، يناير هنا لا يجمّل الصورة ولا يمنح فرصًا مجانية، بل يضع اللاعب مباشرة في قلب الامتحان.

طبيعة ميركاتو يناير نفسها تلعب دورًا حاسمًا، الأندية لا تبحث عن أسماء للمستقبل البعيد، بل عن حلول فورية، لاعب قادر على الانضباط، على استيعاب التعليمات بسرعة، وعلى تقديم الإضافة دون أعذار، هذه البيئة القاسية، التي تُسقط الكثيرين، كانت عبر السنوات مساحة مثالية للاعب المصري كي يثبت أنه أكثر جاهزية مما يُعتقد.

ومع تكرار التجارب، تحوّل يناير من مجرد توقيت إلى نمط، من النني إلى صلاح، ومن مرموش إلى حمزة عبد الكريم، أصبحت نافذة الشتاء بوابة انطلاق حقيقية، لا محطة عبور مؤقتة، كأن التاريخ قرر أن يمنح اللاعب المصري فرصته الحاسمة دائمًا حين تكون الظروف في أقسى حالاتها.

مصر ضد موزمبيق
منتخب مصر – محمد النني – محمد صلاح (تصوير – مصطفى الشحات)

الخيط المشترك.. يناير لا يمنح وعودًا بل فرصًا

النني، صلاح، مرموش، وحمزة عبد الكريم لا يجمعهم مركز واحد ولا عمر متقارب ولا حتى مسار كروي متشابه، لكن الرابط الحقيقي بينهم هو الجرأة في اختيار التوقيت، كل منهم قرر أن يقفز في منتصف الموسم، في لحظة لا تمنح رفاهية التدرج ولا تحتمل أخطاء البداية، يناير كان دائمًا اختبارًا للذهن قبل القدم، ومن ينجح فيه يثبت أنه مستعد للعيش في أوروبا لا مجرد المرور بها.

في هذا التوقيت، تكون الضغوط في ذروتها، الفرق تبحث عن حلول لا أعذار، والمدربون يريدون لاعبًا يفهم سريعًا وينفذ أسرع، النني دخل أرسنال دون ضجيج وصنع لنفسه مكانًا بالانضباط، صلاح سقط ثم نهض أقوى، مرموش شق طريقه بهدوء، وحمزة اليوم يقف على نفس العتبة، أمام امتحان مبكر لا يرحم لكنه عادل.

التاريخ لا يمنح ضمانات، لكنه يترك علامات إرشاد واضحة، وعندما تتكرر القصص بنفس التوقيت وبنفس الجرأة، يصبح من الصعب اعتبار الأمر صدفة، يناير لم يعد مجرد نافذة انتقال، بل موعدًا متكررًا لاختبار الشخصية المصرية في أوروبا.

حمزة عبد الكريم لا يدخل برشلونة وهو محاط بالوعود، بل بالفرص، وفرصة يناير، كما أثبتت التجارب السابقة، قد لا تكون الطريق الأسهل، لكنها كثيرًا ما تكون بداية الحكاية الحقيقية، لا نهايتها.

منصور مجاهد

صحفي مصري منذ 2019، خريج إعلام القاهرة، شغوف بكرة القدم الإنجليزية وصناعة التقارير العميقة، مقدم برامج ومعلق صوتي بخبرة أكثر من 7 سنوات بمجال الإعلام.