عدو عدوي صديقي.. هل يتحول بيب جوارديولا إلى مشجع لليفربول بسبب أرسنال؟
في تاريخ الصراعات الكبرى، لا تُبنى التحالفات على العاطفة، بل على الضرورة، المقولة الخالدة “عدو عدوي صديقي” لم تولد من فراغ، بل من فهم عميق لطبيعة الصراع، حيث تُجمَّد المنافسة ومعارك الماضي مؤقتًا إذا كان الهدف أكبر، والخطر أقرب، والمكسب محتملًا، هذه الحكمة التي استخدمها القادة في ميادين الحرب، والساسة في دهاليز السلطة، وجدت طريقها اليوم إلى أكثر ساحات الصراع شراسة: الدوري الإنجليزي الممتاز.
هناك في الدوري الأقوى، لا مكان للمثاليات، ولا مساحة للمشاعر الخالصة، وهنا تحديدًا، يظهر بيب جوارديولا، المدرب الذي لا ينظر إلى كرة القدم كمجرد 90 دقيقة، بل كحرب طويلة النفس، تُحسم بالحسابات الباردة والدقيقة، والتوقيت المثالي، واستغلال لحظات ضعف الخصوم.
بيب، منذ أن وطأت قدماه إنجلترا، عرف جيدًا أن ليفربول هو الخصم الأكبر، معارك لا تُنسى، سباقات نقاط مجنونة، مواسم حُسمت بفارق نقطة، وأنفيلد الذي كان دائمًا اختبارًا نفسيًا قبل أن يكون ملعب كرة قدم، ورغم ذلك، يجد جوارديولا نفسه اليوم في موقف يبدو صادمًا في ظاهره، لكنه منطقي تمامًا في مضمونه وهو أن يتحول إلى مشجع مؤقت لليفربول.. فقط لأن الخصم هذه المرة هو أرسنال.

الأمر ليس في خيانة لماضٍ، ولا تصالحًا مع منافس قديم، بل قراءة دقيقة للمشهد، أرسنال هو المتصدر، أرسنال هو الفريق الذي يزحف بثبات نحو اللقب، وأرسنال هو الخطر الحقيقي على حلم مانشستر سيتي في مواصلة الهيمنة، وبالتالي، فإن أي تعثر للمدفعجية، مهما كان مصدره، يتحول إلى فرصة ذهبية لبيب، فرصة للانقضاض، وتقليص الفارق، وإعادة خلط الأوراق في سباق لا يعترف إلا بالأقوى ذهنيًا وصاحب النفس الأطول.
بيب لا يشجع ليفربول حبًا في الأحمر، ولا نكاية في الماضي، بل لأنه يدرك أن الدوري لا يُحسم بالمواجهات المباشرة فقط، بل بنتائج الآخرين، مباراة واحدة قد تغيّر مسار موسم كامل، وهدف واحد في شباك أرسنال قد يعيد الأمل إلى مدينة مانشستر بأكملها.. هكذا يفكر جوارديولا، وهكذا تُدار معارك القمة في البريميرليج.. عداوات تُعلّق مؤقتًا من أجل لقب لا ينتظر أحدًا.

أرسنال في القمة.. وجوارديولا يترقب
يدخل أرسنال مواجهته المرتقبة أمام ليفربول وهو في موقع الحلم، صدارة مستحقة، 48 نقطة، وفارق مريح نسبيًا يبلغ ست نقاط عن مانشستر سيتي، الخصم الذي يعرف جيدًا كيف يعود من تحت الركام، مشروع ميكيل أرتيتا يبدو في أفضل حالاته، فريق ناضج، واثق، يلعب بشخصية البطل المنتظر، ويستعيد شيئًا فشيئًا ذاكرة آخر لقب دوري حطّ في شمال لندن قبل أكثر من عقدين.
خمسة انتصارات متتالية في البريميرليج ليست مجرد أرقام، بل رسالة واضحة: هذا الأرسنال مختلف، الفوز المثير على بورنموث بنتيجة 3-2 لم يكن فقط ثلاث نقاط، بل اختبارًا ذهنيًا اجتازه الفريق بنجاح، حين عاد في مباراة معقدة وأثبت أنه قادر على الانتصار حتى في أسوأ الظروف، منذ خسارة أستون فيلا في ديسمبر، لم يعرف المدفعجية سوى طعم الفوز، وكأن الفريق دخل في حالة “زحف” لا يتوقف نحو اللقب.
لكن في الجانب الآخر من إنجلترا، هناك مدرب لا ينخدع بسهولة، ولا يفقد إيمانه بالمنافسة مهما اتسع فارق النقاط، تلك هي الفترة التي لطالما برع فيها فريق بيب، النصف الثاني من الموسم هو الحليف الأوفى لجوارديولا في سباقات الدوري، هنا تحديدًا.
بيب يعلم أن الصدارة في يناير لا تعني شيئًا إذا لم تُحمَ في مارس وأبريل، كيف لا وهو الذي حصد اللقب قبل موسمين من أرسنال نفسه، فهو يعلم أن الجانزر، مهما بدا قويًا، لا يزال في مرحلة الاختبار الحقيقي ومعركة النفس الطويل، اختبار الاستمرارية تحت الضغط، حين تتحول كل مباراة إلى عبء نفسي، وحين يصبح الخوف من السقوط أكبر من الرغبة في الفوز، لهذا، فإن كل مواجهة صعبة يخوضها أرسنال، هي بالنسبة لبيب فرصة يجب استغلالها.

مباراة ثأرية بين الريدز والجانزر.. وعيون بيب على الإمارات
مواجهة أرسنال وليفربول ليست مجرد قمة عادية في جدول مزدحم، بل فصل جديد من صراع طويل، يحمل في طياته ثأرًا مؤجلًا، ليفربول كان قد تفوق ذهابًا على ملعب أنفيلد بهدف دون رد على أرسنال، وهي خسارة لا تزال عالقة في أذهان لاعبي ميكيل أرتيتا، وتُحوّل المباراة المقبلة إلى اختبار نفسي بقدر ما هي فني.
ورغم غياب النجم المصري محمد صلاح لانشغاله مع منتخب بلاده في كأس أمم أفريقيا، فإن ليفربول يظل خصمًا لا يُستهان به، خاصة على ملعبه أو في المباريات الكبرى التي تُلعب على الحافة، فريق يعرف كيف يربك الكبار، حتى في مواسم التذبذب، ويجيد لعب دور “المُعطِّل” في سباق اللقب.

بيب جوارديولا لن يشاهد المباراة كمدرب عادي، ولن يحتفل لهدف لليفربول، ولن يتحسر على فرصة ضائعة لأرسنال بدافع العاطفة، بل سيجلس أمام الشاشة بعقلية القناص، يراقب التفاصيل الصغيرة: ارتباك في التمركز، توتر في اللمسة الأولى، بطء في التحولات الدفاعية، أو لحظة تهور تحت الضغط.
كل هجمة لليفربول قد تعني تقليص الفارق، كل تعثر لأرسنال قد يعيد الدوري إلى نقطة الصفر، بيب يعرف هذه اللعبة جيدًا، الدوري الإنجليزي لا يُحسم حين تكون في القمة.. بل حين يعتقد من في القمة أنه وصل إلى خط الأمان.

ليفربول المتعثر أمل جوارديولا الخفي
قد تبدو المفارقة غريبة، لكنها حقيقية، ليفربول، الذي اعتاد بيب جوارديولا اعتباره العدو الأخطر في سنوات الصراع على القمة، يتحول اليوم إلى ورقة أمل خفية في يد مدرب مانشستر سيتي، صحيح أن “الريدز” يعيشون موسمًا متذبذبًا، يحتلون المركز الرابع برصيد 34 نقطة، ويعانون من نزيف النقاط بعد تعادلين متتاليين أمام ليدز يونايتد وفولهام، لكن جوارديولا يعرف أن قراءة الجدول لا تكفي لفهم ليفربول.
هذا فريق لا يحتاج إلى سباق اللقب ليكون خطيرًا.. ليفربول، حتى وهو جريح، يمتلك شخصية تُربك الكبار، وتاريخًا من قلب المعادلات في اللحظات الحاسمة، قد لا ينافس فعليًا على التتويج هذا الموسم، لكنه يملك السلاح الأهم: القدرة على إسقاط المنافسين المباشرين، وهنا تحديدًا، يتحول من خصم إلى “صديق مؤقت”، في تجسيد عملي لمقولة “عدو عدوي صديقي”.

بيب لا ينتظر من ليفربول بطولة، ولا سلسلة انتصارات، بل مباراة واحدة فقط، مباراة تُوقِف زحف أرسنال، وتزرع الشك في طريقه، وتُعيد فتح باب الدوري الذي بدا وكأنه بدأ يُغلق في سباق طويل مثل البريميرليج، قد تكون مباراة واحدة كافية لتغيير مسار موسم كامل.
جوارديولا ينتظر الهدية من الريدز.. والسيتي يحارب خلف الستار
بينما تتجه الأنظار إلى قمة أرسنال وليفربول، يعمل مانشستر سيتي في صمت، مواجهة برايتون تمثل لبيب أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ إنها محاولة لاستعادة الإيقاع بعد تعادلين محبطين أمام سندرلاند وتشيلسي، فقد خلالهما الفريق أربع نقاط كانت كفيلة بتضييق الخناق على المتصدر أرسنال.
جوارديولا يعلم أن الفوز وحده لا يصنع البطل في هذا التوقيت من الموسم، اللقب لا يأتي فقط من الانتصارات المتتالية، بل من استغلال لحظات تعثر المنافسين، لهذا، فإن السيتي يترقب مسارين متوازيين: مسار علني داخل الملعب، حيث لا بديل عن الانتصار، ومسار خفي خارج المستطيل الأخضر، حيث يُراقَب أرسنال تحت الضغط.
كل نتيجة لا تصب في مصلحة المدفعجية، تعني أن مانشستر سيتي عاد خطوة للأمام دون أن يلمس الكرة، بيب يعرف هذا السيناريو جيدًا، وقد عاشه من قبل، لذلك، سيشجع ليفربول بصمت، ليس حبًا فيه، بل انتظارًا للحظة الانقضاض.. حين يتحول التعثر إلى فرصة، والفرصة إلى لقب جديد قد يُخطف في الوقت القاتل.
الدوري الإنجليزي.. حيث لا مكان للمشاعر بل للمصلحة
في عالم الدوري الإنجليزي الممتاز، لا يوجد شيء اسمه عواطف أو ولاء شخصي، هنا تُقاس النتائج بالرصيد من النقاط، وتُصنع البطولات بالذكاء أكثر من الحماس، بيب جوارديولا، الذي واجه ليفربول في أعنف صراعاته منذ وصوله إلى إنجلترا، قد يجد نفسه لمدة ليلة واحدة يهتف لهدف أحمر في شباك أرسنال.
ليس حبًا في “الريدز”، ولا نسيانًا للمعارك السابقة، بل استراتيجية مدروسة بعناية، فكل سقوط لأرسنال، كل خطأ في دفاعه، كل لحظة ضعف، هي فرصة ثمينة لمانشستر سيتي لاستعادة المنافسة على القمة، الدوري الإنجليزي لا يرحم، واللقب لا يُمنح لمن يستسلم للمشاعر، بل لمن يعرف كيف يحول كل ظرف، حتى إذا جاء من خصمه القديم، إلى خطوة نحو المجد، هكذا هي اللعبة، وهكذا يفكر بيب جوارديولا.