جوارديولا على نهج كلوب.. تسليم آمن للسلطة في مانشستر سيتي
في كرة القدم، لا تُقاس عظمة المدرب فقط بعدد البطولات، بل بما يتركه خلفه عند الرحيل، وهو ما حدث مع يورجن كلوب مع ليفربول، عندما ترك فريقًا قادرًا على المنافسة مع آرني سلوت.
ومع تصاعد الحديث عن إمكانية مغادرة بيب جوارديولا مانشستر سيتي بنهاية الموسم، يبدو أن المدرب الإسباني لا يفكر في الخروج بقدر ما يعمل على ترتيب المشهد من بعده.
جوارديولا، الذي أعاد تعريف النجاح في الدوري الإنجليزي، يدرك أن أصعب اختبار لأي مشروع كروي هو ما بعد رحيل صاحبه. لذلك، لا يظهر سيتي اليوم كفريق يقترب من نهاية دورة، بل كنادٍ في منتصف عملية إعادة ضبط محسوبة.
يورجن كلوب يصرّ على أنه لا ينوي تدريب ريال مدريد في الوقت الراهن ❌
— 365Scores Arabic (@365scoresarabic) January 19, 2026
لكنه يترك الباب مفتوحًا أمام أي احتمال في المستقبل 😉#كلوب #ريال_مدريد #365ScoresArabic pic.twitter.com/RJaYrBPBRr
تجديد الدماء في مانشستر سيتي
كان موسم 2024-2025 هو الأصعب لمانشستر سيتي منذ وصول بيب جوارديولا. تراجع في النتائج، اهتزاز في الإيقاع، وضغط متواصل كشف أن الفريق بلغ مرحلة تشبّع طبيعي بعد سنوات من الهيمنة. لكن الفارق أن جوارديولا لم ينتظر نهاية الموسم للاعتراف بالمشكلة.
في يناير، بدأ سيتي أولى خطوات التصحيح بتدعيمات محسوبة لمعالجة اختلالات واضحة في بعض المراكز، قبل أن تتحول سوق الانتقالات الصيفية إلى مرحلة إعادة بناء فعلية، عبر صفقات ركزت على خفض متوسط الأعمار وضخ طاقة جديدة داخل الفريق، مع الحفاظ على هوية اللعب نفسها.
هذه التحركات لم تكن رد فعل موسميًا، بل جزءًا من خطة أوسع لإعداد فريق قادر على الاستمرار والمنافسة، سواء بوجود جوارديولا أو من دونه.

وبالنظر إلى تشكيل مانشستر سيتي خلال المباريات الماضية، سنجد أن أكثر من 60% من قوام الفريق من اللاعبين المنضمين خلال العام الأخير.
عمر مرموش وخوسانوف في يناير 2025، ثم في الصيف جاء ريان شرقي وريان آيت نوري، وفي وسط الملعب نيكو جونزاليس، بالإضافة إلى مارك جيهي في قلب الدفاع.
بالإضافة إلى الاعتماد على جيانلويجي دوناروما في مركز حراسة المرمى، وهو ما يؤكد أن قوام الفريق الأساسي حاليًا من لاعبين لم يُكمل أي منهم أكثر من عام في قلعة أزرق مانشستر.
عناصر شابة تم دمجها تدريجيًا في التشكيل الأساسي، تقليل الاعتماد على حلول فردية مع رحيل كيفين دي بروين، وترسيخ أسلوب لعب واضح لا يتغير بتغير الأسماء.

السيتي لم يعد فريقًا يحتاج إلى مدرب «منقذ»، بل منظومة جاهزة لاستقبال مدرب جديد دون أن يفقد هويته أو قدرته على المنافسة، وهو ما يجعل جوارديولا يُعدّ لمستقبل الفريق معه أو بدونه.
جوارديولا يسير على نهج كلوب في مانشستر سيتي
ما يحدث في مانشستر يعيد إلى الأذهان تجربة يورجن كلوب مع ليفربول.
كلوب لم يرحل تاركًا فراغًا، بل سلّم آرني سلوت فريقًا مستقرًا فنيًا، يمتلك شخصية المنافسة، ولديه توازن بدني كبير، والنتيجة كانت واضحة، وهي تحقيق الريدز لقب الدوري الإنجليزي الممتاز في أول موسم للمدرب الهولندي.
يورجن كلوب لم ينتظر السقوط الكامل ليعترف بأن مشروعه يحتاج إلى دماء جديدة. في الموسم قبل الأخير، تعثّر ليفربول بوضوح، تراجع في النسق، إرهاق ذهني وبدني، وفريق بدا وكأنه يدفع ثمن سنوات من الضغط المتواصل.
لكن كلوب، بعكس كثيرين، لم يتعامل مع الأزمة كمرحلة عابرة، بل كإشارة تحذير. بدأ التحرك مبكرًا، وأطلق واحدة من أوسع عمليات تغيير الدماء في تاريخ النادي الحديث: تعاقدات في كل الخطوط، تجديد شامل لخط الوسط، إعادة صياغة الأدوار الهجومية، ومنح الثقة لوجوه شابة صعدت من الأكاديمية لتصبح جزءًا حقيقيًا من الفريق الأول.

لم يكن الهدف إنقاذ موسم، بل إعادة ضبط المشروع بالكامل. كلوب بنى فريقًا أكثر حيوية، أقل اعتمادًا على أسماء بعينها، وأكثر قدرة على الركض والمنافسة لسنوات قادمة.
وعندما قرر الرحيل، لم يترك خلفه فريقًا مُنهكًا أو مشروعًا منتهي الصلاحية، بل سلّم آرني سلوت منظومة جاهزة: لاعبون يعرفون متطلبات اللعب، هيكل فني واضح، وشخصية منافسة لم تتآكل. ما فعله كلوب لم يكن مجرد نهاية هادئة، بل درسًا في كيف يرحل المدرب الكبير وهو يضمن أن الفريق سيواصل الطريق بدونه.
فبالنظر إلى ما حدث في وسط الملعب، بعد رحيل جيمس ميلنر وفابينيو وفينالدوم، قرر الفريق التعاقد مع جرافنبيرخ وماك أليستر وواتارو إندو ودومينيك سوبوسلاي.
ومع رحيل ساديو ماني، كان البديل جاهزًا قبل أن يرحل السنغالي، ليأتي لويس دياز، ثم في الهجوم كان الراحل ديوجو جوتا تعاقدًا سابقًا على مغادرة روبرتو فيرمينو، وكذلك جاكبو وداروين نونيز، مع استمرار محمد صلاح وتغيير دوره.

يورجن كلوب تمكن من إعادة ترتيب البيت في ليفربول، مثلما كان هو الرجل الذي بنى ذلك البيت عندما وصل في 2015، ومع مرور الوقت تمكن من تحقيق كل الألقاب الممكنة مع الريدز.
إذا كان كلوب قد قدّم نموذجًا للرحيل المسؤول، فإن جوارديولا يبدو عازمًا على تكراره بطريقته الخاصة، خاصة في ظل ما يحدث من تشابه بين التجربتين.
المدرب الإسباني لا يخطط لنهاية، بل لانتقال هادئ للسلطة الفنية، يضمن أن يظل مانشستر سيتي حاضرًا في القمة، لا أسيرًا لاسم من صنع أمجاده هو نفسه، فلم يكن هناك شخص له تأثير في تاريخ مانشستر سيتي مثل الفيلسوف.