أرسنالالدوري الإنجليزي365TOPأرسنال

الواقع مقابل الصيت.. كيف تفوق توتنهام على أرسنال في تكتيك الكرات الركنية؟

في عالم كرة القدم الإنجليزية، لم تعد المباريات تُحسم فقط بالهجمات المرتدة أو التمريرات الطويلة، بل باتت الركلات الثابتة، خصوصًا الركنيات، هي الشرارة الحاسمة التي تصنع الفارق، كل كرة ثابتة باتت تُدرس بدقة، وكل لاعب يعرف موقعه وتحركاته داخل الصندوق، حتى أصغر التفاصيل أصبحت تؤثر في نتيجة المباراة، في هذا السياق، تحولت الركنيات إلى “سلاح استراتيجي” لا يمكن تجاوزه، ومعركة التحكم فيها صارت ساحة اختبار حقيقية للفرق الكبرى في البريميرليج.

أرسنال، بقيادة ميكيل أرتيتا والمدرب المختص بالركلات الثابتة نيكولاس جوفر، اكتسب سمعة مميزة في تنفيذ الركنيات، كل ركنية لها خطة واضحة، وكل لاعب يعرف دوره بدقة: جابرييل، تيمبر، تروسارد وغيرهم، ينفذون الخطط كما لو كانوا يحللون خصومهم عبر كتب تكتيكية مفتوحة، الإحصاءات تؤكد ذلك، فالأهداف المسجلة من الركنيات ترتفع عامًا بعد عام، وأرسنال سجل 9 أهداف من الركنيات هذا الموسم، وهو رقم يعكس القوة التقنية للفريق في هذا النوع من الكرات.

لكن توتنهام، السبيرز، نجح في قلب المعادلة، رغم أن أرسنال يحظى بالصيت والشهرة في الكرات الثابتة، تمكن توتنهام من استغلال الركنيات بشكل أكثر فاعلية من الجانرز، 12 ركنية مسجلة هذا الموسم، كل واحدة تحولت إلى تهديد حقيقي للمرمى، مستفيدين من التحركات الذكية للاعبين مثل ميكي فان دي ڤين، ريتشالسون، وروميرو، القوة البدنية، السرعة، وحرية الحركة داخل منطقة الجزاء منحت توتنهام تفوقًا تكتيكيًا على أرسنال، حتى لو كان الأخير صاحب التاريخ والشهرة الإعلامية الأكبر.

أرسنال.. المصدر (Getty images)
أرسنال.. المصدر (Getty images)

تكتيكيًا، يظهر الفرق بين الفريقين بوضوح: أرسنال يعتمد على التخطيط المسبق والدقة في التحركات، بينما توتنهام يعتمد على الفوضى المنظمة، التي تحول كل ركنية إلى هدف محتمل، حرية تحرك اللاعبين داخل الصندوق، واستغلال الكرة الثانية بشكل سريع، يجعل السبيرز أكثر خطورة في اللحظات الحاسمة، في حين يظل أرسنال مقيدًا بخطط صارمة أحيانًا تجعل الخصوم يتوقعون تحركاته ويقللون من فاعليته.

معركة الركنيات تحولت إلى صراع “الصيت” بين عمالقة إنجلترا، أرسنال يمتلك الاسم والتاريخ والشهرة الإعلامية، لكن توتنهام أثبت أن التفوق لا يأتي بالسمعة فقط، بل بالذكاء التكتيكي والقدرة على استغلال الفرص، الركنيات ستظل جزءًا أساسيًا من البريميرليج، ومن يعرف كيف يحولها إلى تهديد حقيقي سيكون دائمًا المتفوق، كما أثبت السبيرز هذا الموسم، مخترقين سمعة أرسنال ومستحوذين على السيطرة داخل الصندوق.

توتنهام هوتسبير - (المصدر:Gettyimages)
توتنهام هوتسبير – (المصدر:Gettyimages)

بداية الثورة.. أرتيتا وجوفر يشعلان سلاح الركلات الثابتة

القصة بدأت عندما تولى ميكيل أرتيتا تدريب أرسنال في ديسمبر 2019، شعر فورًا بأن فريقه يحتاج إلى ما يشبه “سلاحًا خفيًا”، شيئًا يمكنه قلب موازين المباريات لصالح الجانرز، لم تكن الركلات الثابتة مجرد ضربات حرة أو ركنيات تُنفذ بشكل تقليدي، بل كانت تكتيكًا متكاملًا يشمل تحديد الأدوار بدقة، دراسة خصومه، واختيار اللاعبين الأكثر قدرة على الهيمنة في الهواء والمنافسة على الكرات العرضية.

وفي 2021، استعان أرتيتا بصديقه القديم نيكولاس جوفر، ليكون العقل المدبر وراء الركلات الثابتة، جوفر جاء بأفكار جديدة، حوّل أرسنال إلى ماكينة أهداف متقنة، سواء من ركلات مباشرة أو كرات عرضية منظمة، ونجح في ترسيخ فلسفة دقيقة: كل ركنية، كل تسديدة ثابتة، لها حساباتها الخاصة، وكل لاعب يعرف مكانه وتحركه قبل لحظة التنفيذ.

الموسمالأهداف من الركلات الثابتة
2019-20206
2020-202110
2021-202218
2022-202318
2023-202423
2024-202525
تطور أرسنال في الكرات الثابتة خلال المواسم الماضية

الأرقام لم تكذب أبداً، فقد أظهرت تصاعدًا واضحًا في فاعلية الركلات الثابتة مع مرور المواسم: في 2019-2020 سجل الفريق 6 أهداف فقط، ارتفع الرقم في الموسم التالي إلى 10، ثم قفز إلى 18 هدفًا في 2021-2022، واستمر على نفس المستوى في الموسم التالي، ومع موسم 2023-2024، بلغ عدد أهداف الركلات الثابتة 23، ثم 25 هدفًا في 2024-2025، ليصبح أرسنال أحد أبرز الفرق التي تعتمد على هذا السلاح الحاسم في صراع البريميرليج، مؤكدًا أن الاستراتيجية ما زالت راسخة وجزءًا لا يتجزأ من هوية الجانرز.

هذه الثورة التكتيكية جعلت أرسنال نموذجًا يُدرس في البريميرليج، وأصبحت الركلات الثابتة محور اهتمام كل الفرق الكبرى، حيث بدأ الجميع يبحث عن الطريقة الأمثل لتنفيذها أو تعطيلها، مع إدراك أن المباراة قد تُحسم عبر ركلة واحدة، أو تمريرة دقيقة داخل منطقة الجزاء، كما فعل أرسنال بقيادة أرتيتا وجوفر.

ميكيل أرتيتا - أرسنال - المصدر: Gemini
ميكيل أرتيتا – أرسنال – المصدر: Gemini

عدوى الركلات الثابتة.. كيف ألهم أرسنال البريميرليج 

نجاح أرسنال تحت قيادة ميكيل أرتيتا ونيكولاس جوفر لم يمر مرور الكرام، كل فريق آخر في الدوري الإنجليزي لاحظ ما يحدث في أسوار الإمارات، وكيف أن كل ركلة ثابتة، كل تمريرة عرضية محسوبة بدقة، يمكن أن تصنع الفارق، سريعًا، شاهدنا تشيلسي ومانشستر يونايتد وكريستال بالاس يسعون لتعيين مدربين متخصصين في الركلات الثابتة، محاولة لمحاكاة ما حققه الجانرز، واستنساخ أسلوبهم التكتيكي.

الركلات الثابتة لم تعد مجرد خيار تكتيكي ثانوي، بل تحولت إلى أداة استراتيجية قادرة على حسم المباريات، حتى أن نسبة الأهداف المسجلة منها في البريميرليج ارتفعت بشكل واضح: من 21.65% منذ موسم 2015-2016، إلى 27.8% هذا الموسم، الأرقام لا تكذب، والنتائج على أرض الملعب تثبت أن كرة القدم الحديثة أصبحت تعتمد على التفاصيل الدقيقة، واللحظات الحاسمة التي يمكن أن يخلقها مجرد ركنية أو ركلة حرة متقنة.

مواعيد مباريات الجولة 23 من الدوري الإنجليزي 2026 والقنوات الناقلة
الدوري الإنجليزي – البريميرليج – (المصدر:Gettyimages)

لكن، هنا تكمن المفاجأة: توتنهام، الخصم التقليدي لأرسنال، أخذ هذه العدوى، وطورها بطريقة جعلت الجانرز أنفسهم ينظرون بدهشة، السبيرز لم يكتفوا بمراقبة أرسنال، بل درسوا تنفيذ الركنيات، وزادوا من فعالية استغلالهم لها، حتى أصبحوا يسجلون ركنيات أكثر ويخلقون فرصًا لم يكن الجانرز أنفسهم يتوقعونها.

وهكذا، أصبح أرسنال هو الشرارة، والسبيرز هم من صاغوا المشهد من جديد: الفريق الذي ألهم الآخرين أصبح أمام منافس يعرف كيف يقلب الأمور على أرضه، ويجعل الركنيات التي كانت سلاح الجانرز الأكثر بروزًا، مجالًا لتحدي جديد ومباشر، هذه المعركة بين الصيت والتطبيق العملي، بين النظرية والواقع، تضع الركلات الثابتة في قلب المنافسة في البريميرليج، وتوضح كيف يمكن لتفاصيل صغيرة أن تصنع فوارق كبيرة بين أساطير التكتيك والفريق الذي يعرف كيف يحول النظرية إلى فعالية ملموسة على أرض الملعب.

تشكيل أرسنال ضد نوتنجهام فورست بالجولة 22 من الدوري الإنجليزي 2026
أرسنال (المصدر:Gettyimages)

الركنيات هذا الموسم.. أرسنال صاحب الصيت أم توتنهام المتفوق

رغم أن أرسنال هو الفريق الأكثر شهرة في تنفيذ الركلات الثابتة والصيت الذي بناه ميكيل أرتيتا ونيكولاس جوفر، تكشف الأرقام أن توتنهام يتفوق على الجانرز في عدد الركنيات، هذه المفارقة تبرز درسًا مهمًا: الصيت والشهرة لا يساوي السيطرة على تفاصيل المباراة، ولا يضمن تحويل الفرص إلى ضغط مستمر على المنافس.

توتنهام، رغم قلة الأهداف المباشرة من الركلات الثابتة مقارنة بأرسنال، يمتلك قدرة عالية على فرض الضغط واستغلال كل كرة ركنية لخلق فرص هجومية متجددة، وهو أسلوب بدأ يغير ديناميكية المباريات بين الفريقين، ويعطي السبيرز تفوقًا تكتيكيًا في هذا الجانب الحاسم.

الفريقعدد الركنياتاللاعبين وصفتهم
أرسنال9جابرييل 2، تيمبر 2، تروسارد 1، جيوكيريس 1، زوبيميندي 1، ميرينو 1، كلافيوري 1
توتنهام12ميكي ڤان دي ڤين 4، ريتشالسون 2، روميرو 1، جواو بالينيا 1، بابي سار 1، أرشي جراي 1، بن ديڤيز 1، رودريجو بينتانكور 1

الركنيات في البريميرليج لم تعد مجرد لحظات لتسجيل الأهداف، بل أصبحت أداة تكتيكية متكاملة، يمكنها تغيير إيقاع اللعب، خلق الفرص، إضعاف دفاع الخصم، وزيادة معدل الهجمات الخطيرة، أرسنال، تحت قيادة أرتيتا وجوفر، يعرف كيف يحوّل كل ركنية إلى تهديد مباشر، مستفيدًا من الدقة العالية والتمركز الذكي للاعبين داخل منطقة الجزاء، ما يجعل كل كرة ثابتة قد تتحول إلى هدف قاتل.

لكن توتنهام يستخدم الركنيات بطريقة مختلفة، أكثر صبرًا وتراكمًا: الكرات الركنية ليست فقط فرصة للتسجيل، بل وسيلة للسيطرة على اللعب وفرض الضغط المستمر على دفاع الخصم، حتى إذا لم يتحول كل ركن إلى هدف، فإنها تخلق فرصًا متجددة، وتحافظ على الضغط النفسي والتكتيكي على الخصم.

ميكي فان دي فين - المصدر (Getty images)
ميكي فان دي فين – المصدر (Getty images)

وهذا يوضح فلسفة مختلفة تمامًا عن أرسنال، بهذا الشكل، تتضح المعادلة: أرسنال يمتلك الفعالية العالية، وتوتنهام يمتلك الكم الكبير، وكل فريق يعكس من خلال ركنياته فلسفته التكتيكية المختلفة في البريميرليج.

الكرات الركنية استراتيجية مع سبق الإصرار والتخطيط

أرسنال لا ينفذ الركنيات عشوائيًا، بل كل ركنية لها هدف محدد مسبقًا، اللاعبون يعرفون مواقع زملائهم ومواقع لاعبي الخصم قبل حتى تنفيذ الركنية، وتُدرس تحركات الدفاع بدقة لتحديد نقاط الضعف، ميكيل أرتيتا ونيكولاس جوفر حرصا على إدخال تحركات وهمية (dummy runs) لإرباك الدفاع، بحيث يفتح كل تمرير أو عرضية مساحة للمتواجدين داخل منطقة الجزاء، والنتيجة نسبة النجاح مرتفعة نسبيًا، مع أهداف حقيقية وقابلة للتكرار، كل كرة ثابتة تصبح تهديدًا متوقعًا، وكل هدف يبدو نتاج دراسة وتحليل دقيق.

على النقيض، توتنهام يعتمد على كثافة الركنيات أكثر من الدقة المطلقة، الفريق لا يقضي وقتًا طويلًا في دراسة كل حركة للخصم، بل يركز على التواجد الجماعي داخل الصندوق، وخلق الفوضى لإرباك الدفاع وإيجاد فرص قد تبدو عشوائية لكنها فعالة، الهدف هنا هو الضغط المستمر وإجبار الخصم على ارتكاب الأخطاء، بدلاً من الاعتماد على تمريرة محسوبة أو خطة محددة سلفًا، فلسفة الفريق تعكس مرونة أكبر، وكمية أكبر من الركنيات التي تولد فرصًا متعددة حتى لو لم تثمر مباشرة في الهدف.

من هذه المقارنة يتضح أن أرسنال يمتلك الدقة والفعالية العالية، مع خطة واضحة لكل ركنية، بينما توتنهام يمتلك الكم والضغط المستمر، ما يسمح له بالسيطرة على إيقاع اللعب وتراكم الفرص، في النهاية، كل فريق يترجم فلسفته في الركنيات: أرسنال يعتمد على الجودة المدروسة، وتوتنهام يعتمد على الكمية والتكتيك الجماعي، ما يجعل مواجهاتهما في الدوري الإنجليزي أكثر إثارة وتشويقًا، خاصة عندما تتقاطع الركنيات مع المواجهات المباشرة بين الفريقين.

مستقبل الركلات الثابتة في البريميرليج

مع ازدياد الاعتماد على التحليل العلمي والذكاء التكتيكي، لم تعد الركلات الركنية مجرد فرصة إضافية، بل أصبحت أحد أهم مفاتيح الفوز في المباريات الحاسمة، أرسنال أثبت أن التنظيم والدقة يمكن أن يخلقا سلاحًا فتاكًا، بينما توتنهام يبرهن على أن القوة العددية والضغط المستمر قد تخلق فرصًا حتى ضد أقوى الدفاعات، كل كرة ثابتة أصبحت لحظة حاسمة، وموازين المباراة يمكن أن تتغير بضربة رأس أو تمريرة محسوبة بعناية.

الموسم المقبل قد يشهد ثورة أكبر في الركلات الثابتة، خاصة مع انتقال خبرات نيكولاس جوفر التكتيكية وانتشارها بين أندية البريميرليج الأخرى، المدربون سيواصلون تطوير أساليبهم، وتصبح كل مباراة فرصة لاستعراض الخطط المعقدة، بينما كل لاعب داخل منطقة الجزاء قد يصبح محورًا لحركة مدروسة مسبقًا، الركلات الثابتة لم تعد مجرد تكتيك ثانوي، بل أصبحت سلاحًا استراتيجيًا بامتياز.

إنها ليست مجرد كرة، إنها معركة ذهنية وتكتيكية، ورحلة أرسنال وتوتنهام في الركلات الثابتة دليل حي على أن كرة القدم الإنجليزية أصبحت أكثر عمقًا وأكثر إثارة، وأكثر تكتيكية من أي وقت مضى، من التنظيم الدقيق للجانرز إلى الكم والضغط المستمر للسبيرز، يتضح أن الركلات الركنية ليست مجرد تفاصيل، بل لغة جديدة تصنع الفارق في البريميرليج.

منصور مجاهد

صحفي مصري منذ 2019، خريج إعلام القاهرة، شغوف بكرة القدم الإنجليزية وصناعة التقارير العميقة، مقدم برامج ومعلق صوتي بخبرة أكثر من 7 سنوات بمجال الإعلام.