بين “سجن” الدكة وحلم “العميد”.. هل ينجح الاتحاد في تحرير عبد الإله العمري من النصر؟
لا تزال قصة المدافع الدولي عبد الإله العمري ونادي الاتحاد أشبه بمسلسل درامي طويل لم تُكتب حلقته الأخيرة بعد. العلاقة بين الطرفين ليست مجرد رغبة نادٍ في ضم لاعب، بل هي حنين متبادل لتجربة ناجحة ما زالت عالقة في الأذهان، تجربة تذوق فيها اللاعب طعم المجد، ولمس فيها النادي الجداوي صلابة دفاعية افتقدها لاحقاً.
تعود جذور هذه القصة إلى الموسم الماضي، حينما ارتدى العمري قميص “النمور” بنظام الإعارة، ليقدم واحداً من أفضل مواسمه على الإطلاق. لم يكن مجرد لاعب عابر، بل كان ركيزة أساسية ساهمت في قيادة الاتحاد لتحقيق “الثنائية التاريخية” (دوري روشن وكأس الملك)، ليصبح معشوقاً للجماهير الاتحادية التي رأت فيه القائد المستقبلي لدفاعها.
ولكن، كما يقال “تجري الرياح بما لا تشتهي السفن”، انتهت الإعارة وعاد اللاعب إلى ناديه الأصلي النصر، ليصطدم بواقع مغاير تماماً لما عاشه في جدة. عاد وهو يمني النفس بالاستمرار في التألق، أو العودة حيث وجد نفسه، لكنه وجد نفسه حبيساً لقرارات فنية وإدارية أعادته إلى نقطة الصفر، وسط محاولات مستميتة من الاتحاد لاستعادته.
اليوم، ومع فتح نافذة الانتقالات الشتوية لموسم 2025/2026، يتجدد الجرح ويُفتح الملف مرة أخرى. الاتحاد يطرق الباب، واللاعب يعاني على دكة البدلاء، والنصر يملك مفتاح القرار. فهل ينجح “العميد” هذه المرة في كسر القيود، أم تتكرر مأساة الصيف الماضي؟
كواليس صيف 2025 الساخن.. حينما أفسد “المال” قصة العشق لـ العمري
لم يكن صيف عام 2025 عادياً بالنسبة لعبد الإله العمري، فقد كان اللاعب قاب قوسين أو أدنى من الانتقال النهائي إلى الاتحاد. كانت الرغبة مشتركة وواضحة؛ الاتحاد يريد بطل ثنائيته، والعمري يريد الاستمرار في البيئة التي تألق فيها، لدرجة أن الاتفاق الشخصي بين اللاعب والنادي الجداوي كان شبه محسوم.
إلا أن إدارة النصر وقفت “حجر عثرة” أمام هذه الرغبة، مطالبة بمبلغ مالي وصفته الصحافة حينها بـ”الخيالي”، حيث اشترطت الحصول على ما يقارب 60 مليون ريال سعودي للتخلي عن المدافع الدولي. كان هذا الرقم بمثابة رسالة تعجيزية لإدارة الاتحاد التي حاولت بشتى الطرق تخفيض المبلغ، لكن المفاوضات وصلت إلى طريق مسدود أدى إلى انهيار الصفقة في اللحظات الأخيرة.
وجد العمري نفسه في موقف لا يُحسد عليه بعد فشل الانتقال، فقد كان عليه العودة لتدريبات النصر ومواجهة الجماهير التي علمت برغبته في الرحيل. اضطر اللاعب للخروج وتقديم اعتذار علني لجماهير “العالمي”، مؤكداً انتماءه للفريق، في محاولة لتهدئة الأجواء المشحونة التي أحاطت به.
ورغم الاعتذار، عاش اللاعب ضغطاً نفسياً رهيباً، حيث ساهمت تلك الأحداث في تهييج قطاع كبير من المشجعين ضده، معتبرين أن قلبه وعقله لا يزالان في جدة. ورغم محاولات المدرب البرتغالي خورخي جيسوس الدفاع عنه في ذلك الوقت لامتصاص غضب المدرج، إلا أن الشرخ كان قد حدث بالفعل، وظل شبح “الرحيل الفاشل” يطارده.
ضحية “الأجانب”.. كيف تحول البطل إلى متفرج تحت عباءة جيسوس؟
مع انطلاق منافسات الموسم الجاري 2025/2026، اصطدم العمري بواقع فني مرير أكد صحة مخاوفه السابقة. فالنصر، الباحث عن الألقاب، قام بتدعيم صفوفه الخلفية بأسماء عالمية ثقيلة، مما جعل فرصة المدافع السعودي في المشاركة الأساسية تتضاءل حتى تلاشت تقريباً.
يعتمد المدرب خورخي جيسوس بشكل كلي ومطلق على الثنائي الأجنبي، الفرنسي محمد سيماكان والإسباني إينيجو مارتينيز، في قلب الدفاع. هذا الثنائي يقدم مستويات ثابتة ويحظى بثقة “العراب” البرتغالي، مما جعل العمري الخيار الثالث أو ربما الرابع في الترتيب، ليتحول من بطل متوج مع الاتحاد إلى أسير لدكة البدلاء في النصر.
غياب العمري عن المشاركة الأساسية لم يؤثر فقط على حالته النفسية، بل هدد مكانته الدولية ومستواه الفني. فاللاعب الذي اعتاد على رتم المباريات الكبرى والضغط الجماهيري بقميص الاتحاد، وجد نفسه يكتفي بدقائق معدودة أو مشاهدة المباريات من الخارج، وهو وضع لا يرضي طموح لاعب ساهم في تحقيق ثنائية تاريخية قبل أشهر قليلة.
هذا التهميش الفني كان بمثابة “الضوء الأخضر” لإدارة الاتحاد للتحرك مجدداً. فالمسؤولون في جدة يراقبون الوضع عن كثب، ويدركون أن بقاء لاعب بقيمة العمري وإمكانياته حبيساً للدكة هو “هدر” لموهبة هم في أمس الحاجة إليها، خاصة وأنهم يعرفون جيداً كيف يوظفونه ليخرج أفضل ما لديه.
هل هناك “اتفاق سري” بين الاتحاد وعبد الإله العمري؟.. العودة لفتح الملف في الشتاء
تجدد مفاوضات الاتحاد في الميركاتو الشتوي الحالي يطرح تساؤلات مشروعة حول ما يدور في الخفاء. هل كان هناك اتفاق ضمني بين اللاعب وإدارة “النمور” على الصبر لنصف موسم ثم المحاولة مجدداً؟ التحركات السريعة والمباشرة من الاتحاد فور فتح باب القيد تشير إلى أن الرغبة لم تمت، بل كانت تنتظر التوقيت المناسب.
الوضع الآن يختلف عن الصيف الماضي؛ فالنصر يملك فائضاً في المدافعين، واللاعب يمثل عبئاً مالياً براتب مرتفع دون مشاركة فعلية، وقيمته السوقية قد تتأثر باستمرار جلوسه احتياطياً. هذه العوامل قد تجعل موقف النصر أكثر ليونة في التفاوض مقارنة بمطالب الـ 60 مليون ريال السابقة، خاصة إذا ضغط اللاعب برغبته في اللعب.
وتشير الكواليس إلى أن العمري لا يزال يرى في الاتحاد طوق النجاة لاستعادة بريقه. فالعلاقة التي بناها مع جمهور الذهب والنجاح الذي حققه هناك يجعله الخيار الأمثل له، بينما يرى الاتحاد فيه القطعة الناقصة لترميم دفاعه، مستغلاً وضع اللاعب الحالي مع جيسوس للضغط من أجل إتمام الصفقة بسعر معقول.
الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة في هذا الملف الشائك. هل يرضخ النصر للمنطق الفني والاقتصادي ويطلق سراح لاعبه؟ أم يتمسك بموقفه المتشدد ويبقى العمري “سجين” عقده ودكة البدلاء؟ المؤكد الوحيد هو أن قصة العمري والاتحاد لم تنتهِ فصولها بعد.