بـ500 ألف دولار فقط.. حكاية حيدر عبد الكريم الجوهرة التي التقطتها عين جيسوس؟
بعيداً عن صخب الملايين وضجيج الصفقات العالمية التي اعتاد عليها جمهور النصر في المواسم الأخيرة، حسمت إدارة نادي النصر صفقة هادئة ولكنها تحمل في طياتها رهاناً فنياً كبيراً، بالتعاقد مع العراقي الشاب حيدر عبد الكريم، صانع ألعاب نادي الزوراء، لتدعيم مركز “خط الوسط المهاجم” في الميركاتو الشتوي، بعقد يمتد لموسمين ونصف. لم تكن هذه الصفقة وليدة تقارير كشافة أو ترشيحات وكلاء، بل كانت نتاج “نظرة مباشرة” من المدرب البرتغالي خورخي جيسوس، الذي قرر أن يراهن على موهبة رآها بعينه، ليكون الحل السحري والاقتصادي.
وتأتي هذه الخطوة في توقيت دقيق يمر به البيت النصراوي، حيث فرضت “الأزمة المالية” والقيود الصارمة للكفاءة واقعاً جديداً أجبر الإدارة على تغيير استراتيجيتها بالكامل. فبدلاً من مطاردة “صناع اللعب” السوبر في دوريات أوروبا الكبرى بمبالغ فلكية، اتجهت البوصلة نحو المواهب الخام في الجوار، لتلتقط “جوهرة الزوراء” مقابل مبلغ زهيد في عرف كرة القدم الحالية لا يتجاوز 500 ألف دولار، في صفقة تعكس تحولاً من “سياسة البذخ” إلى “سياسة الحاجة الفنية” لسد العجز في المركز رقم (10).
قصة انضمام حيدر عبد الكريم للنصر ليست مجرد توقيع عقد، بل هي حكاية ثقة مدرب خبير بقدراته على صقل المواهب، حيث رأى جيسوس في اللاعب العراقي قدرات خاصة في الربط بين الخطوط، متجاوزاً عقبات نقص الخبرة أو ضعف التسويق الإعلامي. المدرب البرتغالي يبحث عن “قطعة شطرنج” محددة تنشط الشق الهجومي خلف المهاجمين، ووجد ضالته في لاعب يملك “الكاريزما” والمهارة، والدليل تلك الأهداف الرائعة واللمسات الساحرة التي قدمها مع “أسود الرافدين” في المحافل الإقليمية.
وبهذا التعاقد، يغلق النصر ملف “صانع الألعاب” الشتوي بقرار فني خالص، مُعلناً عن بداية فصل جديد يعتمد فيه على “عين الخبير” جيسوس أكثر من اعتماده على الأسماء الرنانة. صفقة حيدر عبد الكريم هي اختبار حقيقي لقدرة “الداهية” البرتغالي على تحويل لاعب وسط مهاجم واعد بـ 500 ألف دولار إلى مايسترو يقود إيقاع الفريق في دوري يعج بأغلى لاعبي العالم، في مغامرة محسوبة قد تكون هي العلامة الفارقة في موسم 2025/2026.
كواليس اختيار جيسوس لصفقة حيدر عبد الكريم من أرض الملعب
لم يحتج خورخي جيسوس لأشرطة فيديو أو بيانات رقمية معقدة ليقتنع بموهبة حيدر عبد الكريم؛ كل ما تطلبه الأمر هو مواجهة مباشرة بين النصر والزوراء. في تلك المباراة، لفت الفتى العراقي انتباه المدرب العجوز بتحركاته الذكية في الثلث الأخير ولمساته المتقنة، ليقرر جيسوس في مشهد غير معتاد النزول إلى أرضية الملعب فور صافرة النهاية، متجهاً مباشرة نحو اللاعب الشاب في لقطة رصدتها الكاميرات وتحدث عنها الجميع لاحقاً.

دار بين الثنائي حوار قصير ولكنه كان حاسماً في مسيرة اللاعب؛ لم يسأله جيسوس عن وكيله أو عقده، بل سأله أسئلة كاشفة: “كم عمرك؟ ما هو مركزك الأصلي؟ وما هي جنسيتك؟”. وبعد إجابات مقتضبة من اللاعب المذهول من الموقف، بادره جيسوس بعبارة: “أنت لاعب جيد”. لم تكن مجرد مجاملة عابرة، بل كانت “تأشيرة دخول” مبكرة لقلعة العالمي، حيث تحولت هذه الكلمات لاحقاً إلى طلب رسمي وضعه جيسوس على طاولة الإدارة: “أريد هذا اللاعب في مركز صناعة اللعب”.
هذا الموقف يعكس الطريقة التي يدار بها ملف التعاقدات الشتوية؛ المدرب هو العين الفاحصة والقرار النهائي. جيسوس يثق بحدسه الفني ويرى في حيدر خامة قابلة للتشكيل، وقرر أن يختصر المسافات ويطلبه بالاسم، ليكون هذا التعاقد بمثابة “شهادة جودة” موقعة من أحد أبرز المدربين في العالم، تمنح اللاعب دفعة معنوية هائلة قبل أن يلمس الكرة في تدريبات النصر.
موقف كريستيانو رونالدو من الصفقات وتأثير الأزمة المالية
لعبت الظروف الاقتصادية دور “البطل الخفي” في تحييد الأدوار داخل النادي؛ فالنصر الذي كان يهز الميركاتو بصفقات مدوية بتأثير مباشر من نجمه الأول كريستيانو رونالدو، وجد نفسه هذا الشتاء محاصراً بقيود الالتزامات المالية. وفي مفارقة لافتة عما حدث في الصيف الماضي، حيث كان لرونالدو كلمة مسموعة وتدخلات مباشرة في اختيار الأسماء الأجنبية الكبرى، تراجع دور “الدون” تماماً في هذه الصفقة الشتوية، ولم يكن له أي دور في اختيار اللاعب العراقي.
غياب رونالدو عن المشهد التعاقدي هذه المرة سببه الرئيسي هو “الواقع المالي”، فالنادي غير قادر على تلبية طموحات جلب نجوم من الصف الأول في أوروبا الذين عادة ما يقترحهم أو يجذبهم رونالدو. لذلك، تُركت الساحة بالكامل للمدرب جيسوس لينفرد بالقرار الفني، باحثاً عن حلول “ذكية” ومنخفضة التكلفة تناسب ميزانية النادي الحالية، فكان الخيار العراقي هو الحل الأمثل للمعادلة: موهبة فذة وسعر في المتناول، وقرار فني بحت بعيداً عن سطوة النجوم.
تحليل فني: نقاط القوة والضعف ومهارات حيدر عبد الكريم
لا يأتي حيدر عبد الكريم إلى النصر من فراغ، فاللاعب يمتلك شخصية قيادية برزت بوضوح من خلال ركلة الجزاء الجريئة على طريقة “بانينكا” التي نفذها ببرود أعصاب، مساهماً في قيادة منتخب العراق الأولمبي لنهائي كأس الخليج تحت 23 عاماً. ولكن، ماذا تقول لغة التحليل الفني عن “المايسترو” الجديد؟
تبرز نقاط القوة لدى اللاعب بشكل واضح في جانب “الإبداع والتمرير”، فهو يمتلك رؤية استثنائية في صناعة اللعب تمكنه من كشف زوايا التمرير المخفية، مدعوماً بمدى تمرير دقيق يسمح له بضرب الخطوط الدفاعية للخصوم ووضع المهاجمين في مواجهة المرمى، وهو ما يجعله خياراً مثالياً لربط الوسط بالهجوم في خطة جيسوس.
على الجانب الآخر، يرصد المحللون بعض نقاط الضعف التي تحتاج لتطوير عاجل، وأبرزها افتقاد اللاعب للحدة والجرأة المطلوبة في “الثلث الأخير” من الملعب، حيث يواجه صعوبة في التأثير هجومياً بشكل مباشر (تسجيل الأهداف) مقارنة بصناعتها. سيعمل الجهاز الفني للنصر على معالجة هذا “الخجل التهديفي” ليكون اللاعب أكثر شراسة أمام المرمى.