القيمة المالية أم الفنية..كيف تحدى النصر “خزائن” الهلال بصفقة حيدر عبد الكريم؟
لطالما كان “ديربي الرياض” معركة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، لتمتد ألسنتها إلى مكاتب الإدارات وصالات المفاوضات، حيث تُحسم الصراعات عادةً بدفاتر الشيكات والأرقام الفلكية. ولكن في شتاء 2026، تغيرت قواعد اللعبة بشكل درامي؛ فبينما واصل الهلال استعراض عضلاته المالية لتعزيز ترسانته، اختار النصر طريقاً مغايراً تماماً، معلناً عن تحدٍ جريء شعاره: “القيمة الفنية قد تهزم القوة الشرائية”، في رهان أشعل فتيل الإثارة قبل أن تبدأ المباريات.
في المعسكر الأزرق، كانت الاستراتيجية واضحة وصريحة: “الإنفاق بسخاء لضمان الجودة والسيطرة”. فتحت إدارة الهلال خزائنها لتدعيم كتيبة المدرب الإيطالي سيموني إنزاجي، ضاربةً بقوة في السوق المحلي بصفقات تجاوزت حاجز الـ 63 مليون ريال لثلاثة لاعبين فقط. الهدف لم يكن مجرد سد خانات، بل كان توجيه رسالة هيمنة، مفادها أن “الزعيم” قادر على شراء أي عقد يلمع في الدوري، وتأمين دكة بدلاء توازي في قوتها الفريق الأساسي.
على النقيض تماماً، وفي الجهة الصفراء من العاصمة، كان المشهد مختلفاً. تحت وطأة القيود المالية ورؤية فنية صارمة، قرر المدرب البرتغالي خورخي جيسوس دخول “حقل الألغام” بصفقة واحدة، زهيدة الثمن ولكنها غالية القيمة الفنية. تعاقد النصر مع الموهبة العراقية حيدر عبد الكريم بمبلغ لم يتجاوز 2 مليون ريال (500 ألف دولار)، في مفارقة رقمية مذهلة جعلت قيمة صفقة النصر تعادل بالكاد “عمولة وكيل” في صفقات الغريم التقليدي.

هذا التباين الصارخ في استراتيجيات الميركاتو حول المنافسة إلى ما يشبه صراعاً فلسفياً بين مدرستين؛ مدرسة الهلال التي تؤمن بأن “الجودة ثمنها غالٍ” وتدفع الملايين لشراء الجاهزية والاستقرار، ومدرسة النصر بقيادة جيسوس التي تراهن هذا الموسم على أن “عين المدرب الخبير” قادرة على اصطياد الجواهر التي لا يراها الآخرون، وصناعة الفارق بميزانية “تقشفية” تحرج أرقام السوق المتضخمة.
63 مليون ريال.. الهلال يضرب بقوة لاحتكار النجوم المحليين
لم تترك إدارة الهلال مجالاً للصدفة، حيث تحركت بآلة حاسبة لا تعترف إلا بالأرقام الكبيرة لتدعيم صفوف إنزاجي. البداية كانت مع الصفقة الأضخم، بالتعاقد مع المدافع الصلب مراد هوساوي قادماً من الخليج بصفقة بلغت قيمتها 30 مليون ريال، ليصبح أحد أغلى المدافعين المحليين، في خطوة تهدف لبناء جدار عازل أمام مرمى الفريق لسنوات قادمة.
ولم تتوقف الماكينة الزرقاء عند هذا الحد، بل أمنت مستقبل حراسة المرمى بضم الحارس الشاب ريان الدوسري من الخليج أيضاً، في صفقة ناهزت الـ 18 مليون ريال، قبل أن تختتم المشهد بضم الجناح الخبير سلطان مندش من التعاون مقابل 15 مليون ريال. هذه التحركات التي كلفت الخزينة نحو 63 مليون ريال، تعكس رغبة الهلال في “تجفيف منابع” المنافسين وضم أبرز الأسماء المحلية الجاهزة، لضمان ألا يواجه إنزاجي أي نقص في الزاد البشري مهما كانت الظروف.
“أقل من 2 مليون”.. رهان جيسوس الاقتصادي الذي أحرج السوق
في المقابل، كان النصر يلعب لعبة أخرى تماماً. فبدلاً من مجاراة الهلال في سباق الملايين الذي لا يقوى عليه حالياً بسبب الالتزامات المالية، لجأ النادي إلى “دهاء” مدربه العجوز. صفقة حيدر عبد الكريم، التي كلفت النادي أقل من 2 مليون ريال (شاملة قيمة الانتقال)، لم تكن مجرد تعاقد لسد عجز، بل كانت “صفعة فنية” لأسعار السوق المبالغ فيها.
جيسوس، الذي اختار اللاعب بنفسه من أرض الملعب، يراهن على أن هذا “المغمور” في حسابات السماسرة، سيتفوق فنياً في أرضية الملعب على أسماء كلفت عشرات الملايين. النصر هنا لا يشتري اسماً جاهزاً، بل يشتري “مشروع نجم” بسعر التكلفة، مستغلاً رؤية مدربه الثاقبة لتحويل الـ 2 مليون ريال إلى أداء يساوي 50 أو 60 مليوناً في نهاية الموسم، وهو التحدي الذي يرفع جيسوس شعاره في وجه القوة المالية للهلال.
صراع الفلسفات: الجاهزية المكلفة أم الموهبة المكتشفة؟
المشهد الحالي يضع جماهير الكرة السعودية أمام تجربة مثيرة؛ هل ينتصر المال الذي دفع الهلال 30 مليوناً في مدافع و15 مليوناً في جناح لضمان النتائج الفورية؟ أم تنتصر “العين الخبيرة” التي جلبت صانع ألعاب دولي وموهوب بمليوني ريال فقط؟
قد يهمك أيضًا.. بـ500 ألف دولار فقط.. حكاية حيدر عبد الكريم الجوهرة التي التقطتها عين جيسوس؟
إذا نجح حيدر عبد الكريم في قيادة وسط النصر وتقديم الإضافة التي عجزت عنها صفقات سابقة باهظة، فإن جيسوس سيكون قد سجل انتصاراً تاريخياً على “سوق الانتقالات” نفسه، مُثبتاً أن كرة القدم لا تزال تُلعب بالعقول والمواهب قبل الأموال. أما إذا فرض نجوم الهلال الجدد سطوتهم، فستكون رسالة تأكيد جديدة بأن “الجودة العالية” تتطلب تضحيات مالية بحجم طموحات الزعيم. الأيام وحدها، والمستطيل الأخضر، هما من سيعلنان الفائز في هذا الرهان الشتوي المثير.