القلم الثالث.. عندما أصبحت السنغال عقدة تسكن عقول الفراعنة
لم يكن صوت صافرة النهاية في نصف نهائي أمم إفريقيا 2025 مجرد إعلان عن تأهل السنغال إلى النهائي، بل كان دويًا لارتطام حلم مصري جديد بصخرة “داكار” العتيدة.
في تلك اللحظة، لم يخسر الفراعنة مباراة كرة قدم، بل سقطوا مرة أخرى في فخ “الذاكرة المثقوبة”، حيث تحول قميص السنغال الأخضر إلى “مقصلة” نفسية، تدخل اللاعبون تحت ظلها وهم يجرون أقدامًا أثقلها تاريخ قريب من الانكسارات أمام الخصم ذاته.
مصر والسنغال.. الغياب الكامل عن الوعي
لم تكن مباراة مصر والسنغال صراعًا بين مدرستين، بل كانت “استحواذًا من طرف واحد” لدرجة الإذلال الكروي؛ فأن تسيطر السنغال على 65% من مجريات اللعب طوال المباراة، وخلال الشوط الأول وصل إلى 70%، يعني أن المنتخب المصري كان ضيف شرف يراقب حركة الكرة دون أن يجرؤ على لمسها.
حالة “الارتباك الذهني” تجلت في أبشع صورها حين عجز الفراعنة عن إتمام تمريرتين متتاليتين؛ كانت الكرة تبدو وكأنها “جمرة نار” يهرب منها اللاعبون، فتُفقد قبل أن تبدأ أي هجمة، في مشهد ينم عن فقدان كامل للثقة وتأثير طاغٍ لرهبة الخصم وعدم تحضير أي فكرة لامتلاك الكرة.
بلغت المأساة ذروتها في العجز الهجومي الذي سجل رقمًا تاريخيًا سلبيًا؛ فبينما كانت الجماهير تنتظر رد الفعل، انتظر اللاعبون حتى الدقيقة الخامسة من الوقت بدل الضائع ليطلقوا أول تسديدة بين القائمين والعارضة.
تسعون دقيقة من “الشلل الهجومي” الكامل، وركنية وحيدة يتيمة لم تأتِ إلا بعد الدقيقة 84، أرقام تعكس أن الفريق لم يكن حاضرًا فنيًا ولا حتى بدنيًا، بل كان يغط في سبات عميق فرضه “الخوف من المبادرة”؛ لقد كان الفراعنة يدافعون عن “عدم الخسارة” بدلًا من اللعب على “الفوز”، فخسروا كل شيء.
سجن “المرة الثالثة”.. ندوب لم تندمل
دخل رفاق محمد صلاح اللقاء وهم يحملون على أكتافهم جثامين هزيمتين لا تُنسيان؛ نهائي الكاميرون وضياع حلم المونديال؛ هذا الضغط خلق حالة من “البارانويا” الكروية؛ فالخوف من الخسارة للمرة الثالثة أمام نفس الجلاد كان أقوى من الرغبة في الانتصار.

خسارة نصف نهائي 2025 وليدة الصدفة، بل كانت امتدادًا لليلة حزينة في “ياوندي” عام 2022؛ هناك، تحت أضواء ملعب “أوليمبي”، وقف المصريون على بعد ركلة ترجيح واحدة من الكأس الثامنة، لكن يد “إدوارد ميندي” وصمود السنغال خطفا الحلم من بين أنياب الفراعنة.
تلك الليلة لم تكن مجرد خسارة بطولة، بل كانت “حجر الأساس” في جدار الخوف الذي بدأ يرتفع بين المنتخبين، حيث استقرت في الأذهان صورة السنغال كفريق “يعرف كيف يسرق الفرحة” في الأمتار الأخيرة.
وبعد أسابيع قليلة من جرح الكاميرون، جاءت “موقعة داكار” لتعمق المأساة وتجعل العقدة واقعًا لا يمكن إنكاره؛ في ليلة امتزج فيها ضجيج المدرجات بأضواء الليزر التي شتتت الأبصار قبل الأقدام، خسر الفراعنة تذكرة العبور لمونديال قطر بنفس السيناريو الدرامي.
ركلات الترجيح التي كانت يومًا “تخصصًا مصريًا”، خذلتهم أمام نفس الخصم مرتين في أقل من شهرين؛ تلك المباراة تحديدًا هي التي زرعت “الرهبة”؛ فالفوز على السنغال لم يعد معركة فنية فحسب، بل صار يتطلب قوة ذهنية خارقة لمواجهة “النحس” الذي بات يطارد القميص الأحمر كلما واجه “الأسود”.

بين نهائي ضائع وتأهل مونديالي مفقود، تشكلت “العقيدة القتالية” للسنغال و”الهشاشة النفسية” لمصر في المواجهات المباشرة؛ اللاعب المصري الذي دخل ملعب مباراة 2025، لم يكن يرى أمامه 11 لاعبًا فقط، بل كان يرى شريط ذكريات “ركلة ماني” الأخيرة في ياوندي، ودموع صلاح في داكار.
تبادل الأدوار.. الدرس الإيفواري المكرر
المفارقة القدرية في هذه البطولة تجسدت في مشهد “كوت ديفوار” في ربع النهائي؛ هناك، عاش الأفيال نفس “التراجيديا” أمام مصر.
دخل الإيفواريون الملعب وهم ينظرون لقميص الفراعنة كأنه “قدرٌ لا يمكن رده”، وبان عليهم الذعر الذهني منذ الدقيقة الأولى.

كعب مصر العالي تاريخيًا على كوت ديفوار جعلهم يرتكبون أخطاءً بدائية كلفتهم المباراة، تمامًا كما فعلت “عقدة السنغال” بالمصريين اليوم؛ فهو قانون الغابة الأفريقية الجديد: “من يمتلك عقلك، يمتلك المباراة”.
هذا التراكم حوّل السنغال من مجرد “منافس قوي” إلى “قدرٍ محتوم”، تمامًا كما يرى لاعبو كوت ديفوار المنتخب المصري؛ قوة خفية تهزمك قبل أن تبدأ المباراة، بمجرد أن يذكرك التاريخ بما حدث في المرات السابقة.
تغادر مصر البطولة وهي تدرك أن الخصم القادم ليس منتخبًا بأسماء رنانة، بل هو “الحاجز النفسي” الذي يحتاج لتحطيم؛ إنها لعنة تشبه لعنة الفراعنة، لكنها هذه المرة ارتدت عليهم.
فهل يستطيع هذا الجيل أن يخرج من “التابوت” النفسي للسنغال، أم أن العقدة ستتحول إلى حقيقة أزلية تطارد كل من يرتدي القميص الأحمر؟