أيقونة مدرجات أمم إفريقيا 2025 .. لومومبا يثبت أن التمثال لديه مشاعر
في مدرجات كأس أمم إفريقيا 2025، كان هناك رجل واحد أثار فضول الجميع منذ اللحظة الأولى، واقفًا ثابتًا، صامتًا، كأن الزمن توقف عنده، وذراعاه مرفوعتان، ينظر إلى الملعب بعينين تحملان شغفًا لا يوصف.
هذا الرجل هو ميشيل كوكا مبولادينغا، المشجع الكونغولي الذي أصبح يُعرف بين الجماهير باسم “لومومبا”، ليس لأنه الزعيم، بل لأنه يحمل في قلبه روح باتريس لومومبا، رمز الحرية والنضال الوطني للكونغو الديمقراطية.
لطالما كان حلمه أن يكون جزءًا من كل لحظة يعيشها منتخب بلاده، ليس بالهتاف أو الصخب، بل بالصمت العميق الذي يعبّر عن احترامه وتقديره لتاريخ وطنه.
في كل مباراة، يقف كتمثال حي، يذكّر الجميع أن كرة القدم ليست مجرد لعبة، لكنها يمكن أن تحمل العديد من الرسائل، ومنصة ومسرحًا لعرض التاريخ.
ميشيل كوكا مبولادينغا .. وفي رواية أخرى “باتريس لومومبا”
مع مرور البطولة، أصبح الجميع يلاحظه: هذا الرجل الذي لا يبرح مكانه، لا يهتف ولا يصرخ، لكنه يروي قصة أمة بأكملها. كانت صوره تنتشر، وتتحول لحظة كل مباراة إلى درس وتعبير عن التاريخ، دون حتى أن يتكلم.
باتريس لومومبا، الزعيم التاريخي الذي اغتيل وهو في ريعان شبابه، أصبح أيقونة الحرية في إفريقيا.
بعد استقلال الكونغو، دخلت البلاد في فوضى سياسية وصراع على السلطة، خاصة مع تدخل بلجيكا ودعمها لانفصال إقليم كاتانغا الغني بالمعادن.
لومومبا حاول الحفاظ على وحدة البلاد، وطلب دعم الأمم المتحدة ثم لجأ إلى الاتحاد السوفيتي، ما أثار غضب القوى الغربية خلال الحرب الباردة.
في سبتمبر 1960 أُقيل من منصبه، ثم اعتُقل، وفي 17 يناير 1961 تم اغتياله في كاتانغا بدعم وتواطؤ بلجيكي، وبعلم أجهزة استخبارات غربية. جرى التخلص من جثمانه سرًا لمنع تحوله إلى رمز.
تحول لومومبا بعد اغتياله إلى أيقونة للنضال ضد الاستعمار، ورمز للسيادة الوطنية في إفريقيا، ولا يزال اسمه حاضرًا في الذاكرة السياسية والتاريخية حتى اليوم.
وفي اعتراف صادم، أقرّ ضابط الشرطة البلجيكي جيرارد سويت في مقابلة تلفزيونية عام 1999 بأنه كان مسؤولًا عن هذه المهمة، مؤكدًا أنه احتفظ باثنين من أسنان لومومبا كتذكار لسنوات طويلة.
وفيما بعد، انتهى تحقيق برلماني بلجيكي إلى أن الحكومة البلجيكية تتحمل مسؤولية أخلاقية مباشرة عن اغتيال الزعيم الكونغولي. كما كشفت لجنة تابعة لمجلس الشيوخ الأمريكي عام 1975 أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) كانت قد أعدّت خطة منفصلة لاغتيال لومومبا، لكنها لم تُنفذ.
وبعد عقود من الغياب القسري، أعادت بلجيكا في عام 2022 سِنّ لومومبا — وهو الجزء الوحيد المتبقي من رفاته — إلى عائلته، بعدما عُثر عليه داخل منزل ابنة الضابط سويت، في خطوة اعتُبرت اعترافًا متأخرًا بحجم الجريمة.
ومن قلب المدرجات، ربط المشجع الكونغولي نكوكا مبولادينغا بين التاريخ وكرة القدم، قائلًا في حديثه لوكالة أسوشيتد برس من غرفته بالفندق في الدار البيضاء: “أبقى ثابتًا لأمنح الفريق القوة والطاقة”.
لومومبا المشجع أصبح حديث العالم
سرعان ما أصبح المشجع أيقونة للبطولة. الصور والمقاطع التي تظهره واقفًا كتمثال حي اجتاحت وسائل الإعلام ومنصات التواصل، وجعلت الملايين حول العالم يتحدثون عن حبه العميق لوطنه وفخره بتاريخ بلاده.
الجماهير في المدرجات، والمشجعون في شتى أنحاء العالم، شعروا بأنهم يشاهدون ليس مجرد مشجع، بل رمزًا للوفاء والانتماء الحقيقي. كل من رآه شعر بأن هناك قصة أعمق من مباراة كرة قدم، قصة عن الأمل والصمود والشغف الذي لا يموت، وبدأ الجميع يبحث عن ما وراء اغتيال الزعيم لومومبا.
مشهد الختام السينمائي
وصلت القصة إلى ذروتها في مباراة دور الـ16 ضد الجزائر. طوال المباراة، ظل لومومبا واقفًا صامتًا، بلا حراك، يحمل كل آمال بلاده في وقفته. ومع اقتراب الدقيقة 119، سقط هدف قاتل للجزائر أنهى حلم الكونغو في البطولة.
وهنا، لم يستطع الصمت أن يستمر، غطى وجهه براحتيه، وانهمرت دموعه، دموع امتزج فيها الحزن والأمل والفخر العميق لبلاده.
تلك اللحظة لم تكن مجرد دموع خسارة مباراة، بل تجسيدًا لكل المشاعر الوطنية، لكل الحلم، ولكل فخر كونغولي.
بين مشاهد البكاء والصدمة، شعر العالم كله أن هذا مشجع الكونغو الديمقراطية لم يكن مجرد فرد في المدرجات، بل رمزًا للروح الوطنية التي لا تنكسر، وأيقونة حب لا يعرف الهزيمة.
وبينما غادر منتخب الكونغو البطولة، بقي لومومبا في قلوب الجميع، كتذكير بأن الحب الحقيقي للوطن أعمق من أي نتيجة على أرض الملعب، وأكثر قوة من أي هدف أو هزيمة.
ففي لحظة النهاية، عندما سقط حلم الكونغو بين قدميه، لم يعد تمثالًا. ظهر الإنسان، ظهر قلبه، ظهر كل شعور حي فيه، ودموعه كانت شهادة على أن الوفاء والحب لا يصمتان أبدًا، وأن وراء كل صمت قلبًا ينبض بالحياة، لأن في النهاية لومومبا المشجع ليس تمثالًا، بل إنسان.