أخبار الكرة الإنجليزيةالدوري الإنجليزي365TOPتقارير ومقالات خاصة

أموريم المتهم الأول.. كيف تحول أولد ترافورد من مسرح الأحلام إلى معقل للفوضى؟

في الوقت الذي كانت فيه مشاريع الكبار في أوروبا تنضج وتثمر، بدا روبن أموريم كمن يسير عكس اتجاه الريح، هانز فليك مع برشلونة حصد سبعة انتصارات متتالية، أعادت الثقة لجمهور كتالونيا وأكدت أن الفريق استعاد هويته، بيب جوارديولا واصل عادته المفضلة مع مانشستر سيتي، ثمانية انتصارات متتالية، ضغط، هيمنة، وثبات لا يعرف التذبذب.

حتى أوناي إيمري، قبل السقوط المدوي أمام أرسنال بنتيجة 4-1، كان قد حقق أحد عشر فوزًا متتاليًا، مثبتًا أن المدرب حين يجد أدواته يعرف كيف يصنع سلسلة انتصارات تُخيف المنافسين، كل هؤلاء كانوا يتحركون للأمام، بثقة ووضوح رؤية، بينما كان روبن أموريم يقف في المنتصف، لا هو متقدم ولا قادر على التراجع.

روبين أموريم مدرب مانشستر يونايتد - (المصدر:Gettyimages)
روبين أموريم مدرب مانشستر يونايتد – (المصدر:Gettyimages)

ثمانية انتصارات فقط في سبعة أشهر، رقم لا يعكس مشروعًا في طور البناء بقدر ما يكشف عن مدرب يعاني لإيجاد نقطة ارتكاز، لا هي سلسلة انتصارات تمنح الأمل، ولا حتى استقرار نسبي يسمح بتبرير التراجع، وكأن يونايتد يعيش حالة من فقدان الإحساس بالذات.

أولد ترافورد.. من مسرح الأحلام إلى مسرح الفوضى

لطالما كان أولد ترافورد قلعة مرعبة، يدخلها الخصم وهو نصف مهزوم نفسيًا، لكن في عهد أموريم، تحوّل الملعب إلى مساحة مفتوحة للخصوم، بلا رهبة ولا خوف، آخر أربع مباريات على أرض مانشستر يونايتد كانت بمثابة جرس إنذار متواصل لا يتوقف.

وست هام، الذي جاء إلى مانشستر وهو في المركز التاسع عشر، هاربًا من سلسلة تعثرات ثقيلة، خرج من مسرح الأحلام بنقطة ثمينة، بل وكان قريبًا جدًا من خطف الثلاث، فريق يعاني في القاع، دخل بثقة، وواجه يونايتد بندية، وكأن المباراة تُلعب على أرض محايدة.

مانشستر يونايتد
أولد ترافورد – مانشستر يونايتد (المصدر:Gettyimages)

ثم جاءت ليلة بورنموث، الأسوأ ربما هذا الموسم، فريق لم يحقق أي فوز في ست مباريات متتالية، يسجل أربعة أهداف كاملة في شباك مانشستر يونايتد داخل أولد ترافورد، أربعة أهداف بلا مقاومة حقيقية، وكان الخامس حاضرًا في اللحظات الأخيرة لولا إنقاذ استثنائي من لامينس، أنقذ ما تبقى من صورة الفريق أمام جماهيره.

اليونايتد والسقوط أمام الضعفاء.. حين يغيب منطق الكبار

على الجانب الآخر من كرة القدم، قد تُهزم الفرق الكبيرة أمام منافسين كبار دون أن يُشكك أحد في هويتها، فالهزيمة أمام نِدٍّ مكافئ تظل واردة مهما بلغت قوتك، لكن ما لا يُغتفر حقًا، وما يُعد إنذارًا أحمر لأي مشروع كروي، هو السقوط أو التعثر أمام فرق منهكة، بلا ثقة ولا نتائج، تدخل الملعب وهي تبحث فقط عن النجاة.

مواجهة وولفرهامبتون هذا الموسم جسّدت هذه الكارثة بأوضح صورها، فريق لا يملك سوى نقطتين، خرج لتوّه من سلسلة مروعة بلغت 11 خسارة متتالية، بلا انتصارات ولا أي رصيد معنوي حقيقي، خصم من المفترض أن يكون لقمة سائغة لفريق بحجم مانشستر يونايتد، أو على الأقل فرصة مثالية لاستعادة الهيبة وبناء الثقة.

لكن ما حدث داخل الملعب كان صادمًا.. مانشستر يونايتد لم يدخل المباراة بعقلية الكبير، استحواذ متقارب لا يعكس تفوقًا، إيقاع بطيء، فرص تُهدر بلا إصرار، وغياب شبه كامل للشخصية القيادية، لم نرَ فريقًا يفرض أسلوبه أو يخنق خصمه، بل شاهدنا فريقًا ينتظر أخطاء المنافس وكأن المباراة لا تمثل له اختبارًا حقيقيًا.

الأخطر أن الأداء لم يحمل أي إحساس بالعجلة أو الغضب الكروي، وكأن التعثر احتمال مقبول داخل غرفة الملابس، هذه ليست أزمة خطة أو تبديل لاعبين، بل أزمة عقلية كاملة، فالفِرق الكبيرة تُقاس بقدرتها على حسم هذا النوع من المواجهات، تلك التي تُلعب قبل أن تبدأ، لأن الفارق الذهني فيها يجب أن يكون حاسمًا.

حين تعجز عن هزيمة فرق غارقة في الانهيار، فالأزمة تكون قد تجاوزت حدود التكتيك والتعليمات، لتضرب في عمق الهوية، وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: هل مانشستر يونايتد يمر بمرحلة بناء مؤلمة؟ أم أنه يقف بالفعل على حافة مشروع ميت إكلينيكيًا، يتحرك بلا روح، وينتظر فقط صافرة النهاية؟

لغة الأرقام.. حين تفضح الإحصائيات واقع اليونايتد

بعيدًا عن الضجيج الإعلامي والعاطفة المرتبطة باسم مانشستر يونايتد وأموريم، تقف الأرقام كقاضٍ لا يعرف المجاملة، روبن أموريم، في مسيرته داخل الدوري الإنجليزي الممتاز، تعثر في 31 مباراة من أصل 45، نسبة تعثر تبلغ 61.3%، رقم لا يمر مرور الكرام، ولا يمكن إخفاؤه خلف شعارات “البناء” أو “المرحلة الانتقالية”، خاصة حين يكون الحديث عن نادٍ بوزن وتاريخ اليونايتد.

هذه الأرقام لا تعكس مجرد سوء نتائج، بل تفضح حالة فقدان التوازن، مدرب لم ينجح بعد في خلق سلسلة استقرار، ولا في تثبيت هوية واضحة داخل الملعب، كل مباراة تحمل سيناريو مختلف، وكل تعثر يضيف طبقة جديدة من الشك، حتى بات الفريق بلا منحنى واضح: لا تصاعد مستقر ولا حتى انهيار كامل يُجبر الإدارة على الحسم.

أموريمالرقم
إجمالي المباريات45 مباراة
عدد الانتصارات14 مباراة
عدد التعادلات11 مباراة
عدد الهزائم20 مباراة
إجمالي التعثرات (تعادل + خسارة)31 مباراة
نسبة التعثر61.3%

الحديث عن تغيير اللاعبين وضيق الوقت قد يكون منطقيًا في الأشهر الأولى، لكنه يصبح مكررًا ومهترئًا حين تتجاوز نسبة التعثر حاجز الـ60%، هنا لا يعود السؤال عن جودة الأسماء فقط، بل عن قدرة المدرب على استخراج الحد الأدنى من الثبات، وهو ما لم يتحقق حتى الآن. الفريق لا يتقدم خطوة ثابتة، بل يتحرك في دوائر مفرغة.

في الأندية الكبرى، لا تُقاس قيمة المدرب ببلاغة أفكاره أو شجاعته النظرية، بل بمنحنى الأداء، والكارثة أن هذا المنحنى لا يصعد، بل يتذبذب بشكل يثير القلق، وكأن المشروع عالق بين البداية والنهاية، لا يملك شجاعة الانطلاق ولا جرأة الاعتراف بالفشل.

مانشستر يونايتد- (المصدر:Gettyimages)
مانشستر يونايتد- (المصدر:Gettyimages)

الصبر أم القطيعة؟ سؤال المستقبل في مانشستر

هنا يتحول النقاش من ملعب التدريب إلى قاعات القرار، لم يعد السؤال تكتيكيًا بحتًا، بل وجوديًا يمس هوية النادي ومستقبله، إلى متى يمكن لجماهير مانشستر يونايتد أن تصبر على مشروع لا يمنحها أي ضمانات؟ وإلى أي نقطة يمكن للإدارة أن تراهن على الوقت بينما الأرض تهتز تحت أقدام الفريق؟

الصبر قد يكون فضيلة حين تصاحبه مؤشرات واضحة على التطور، لكن الصبر الأعمى يتحول سريعًا إلى تواطؤ مع التراجع، كل موسم يمرّ بلا هوية يكلّف النادي أكثر من مجرد نقاط، يكلّفه هيبته، وثقافة الانتصار التي بُني عليها تاريخه.

تغيير اللاعبين كل صيف ليس حلًا سحريًا، بل أحيانًا يصبح اعترافًا ضمنيًا بالعجز، التاريخ يقول إن المدرب الكبير هو من يصنع فريقًا رغم الصعوبات، لا من ينتظر الظروف المثالية، ومع كل تعثر جديد، يصبح قرار الرحيل أقل قسوة من الاستمرار في مشروع ضبابي بلا ملامح.

روبن أموريم - مانشستر يونايتد المصدر : (Gettyimages)
روبن أموريم – مانشستر يونايتد المصدر : (Gettyimages)

روبن أموريم جاء محمّلًا بأفكار جريئة وطموح مشروع، لكن مانشستر يونايتد يعيش أزمة أعمق من مجرد نظام لعب، النادي يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم: إما صبر محسوب يقوده إلى انفجار إيجابي حقيقي، أو قطيعة مبكرة تحمي ما تبقى من هيبة “مسرح الأحلام” قبل أن يتحول إلى مسرح للذكريات فقط.

أزمة الشخصية داخل غرفة الملابس

كل تلك أسباب معلنة وواضحة للجميع، لكن هناك سر خفي لا يعلمه إلا من ينظر من خلف الكواليس، منذ رحيل السير أليكس فيرجسون، يعاني مانشستر يونايتد من فراغ واضح في الشخصية القيادية داخل غرفة الملابس، وفي عهد روبن أموريم بات هذا الفراغ أكثر وضوحًا، الفريق لا يبدو غاضبًا عند التأخر، ولا شرسًا عند البحث عن الفوز، وكأن اللاعبين يدخلون المباريات بلا إحساس حقيقي بثقل الشعار الذي يرتدونه، القائد برونو فيرنانديز لا تبدو عليه الحمية في معظم الأوقات.

في مباريات كثيرة، يظهر الاستسلام مبكرًا، وتنخفض الروح القتالية بمجرد تلقي هدف أو التعرض لضغط متواصل، هذا السلوك لا يُمكن تفسيره فقط بأخطاء فنية، بل يعكس غياب القائد داخل الملعب وخارجه، وافتقاد المدرب للأدوات النفسية التي تعيد إشعال الحماس وقت الأزمات.

غرفة الملابس التي كانت يومًا تصنع الردود القوية بعد الهزائم، تحولت إلى مساحة صامتة، بلا رد فعل حقيقي، وهنا يصبح السؤال أخطر: هل فقد اللاعبون الإيمان بالمشروع، أم أن المشروع نفسه لم يصل إليهم بالشكل الصحيح؟ أم أن أمورميم يحتاج عناصر غير التي بيده لينفذ فلسفته.

هل اللاعبون مناسبون لفلسفة أموريم أم العكس؟

حين وصل روبن أموريم إلى مانشستر يونايتد، لم يأتِ بورقة بيضاء، بل بفلسفة واضحة المعالم: انضباط صارم، تمركز دقيق، ومرونة تكتيكية بين الخطوط تتطلب لاعبين أذكياء ذهنيًا قبل أن يكونوا موهوبين فنيًا، لكن ما كشفه الواقع سريعًا هو وجود فجوة واسعة بين ما يريده المدرب، وما يستطيع الفريق تنفيذه على أرض الملعب.

في كل مباراة تقريبًا، تتكرر المشاهد ذاتها: تردد في التحرك بدون كرة، بطء قاتل في التحولات، وسوء تمركز دفاعي لا يليق بفريق يفترض أنه ينافس في أعلى مستوى، هذه الأخطاء لم تعد لحظات فردية، بل تحولت إلى نمط ثابت، ما يطرح سؤالًا مؤلمًا: هل المشكلة في اللاعبين غير القادرين على استيعاب أفكار المدرب، أم في مدرب لم ينجح في تبسيط فلسفته بما يتناسب مع إمكانيات عناصره؟

المدربون الكبار في التاريخ لم ينتظروا اكتمال الترسانة ليبدأوا العمل، بل أعادوا تشكيل أفكارهم وفق ما يملكون، أما الإصرار على تطبيق نموذج مثالي فوق أرضية غير مهيأة، فيؤدي غالبًا إلى تصادم لا ينتج عنه سوى الفوضى، مانشستر يونايتد اليوم يبدو كفريق عالق بين فلسفة لا تُطبق بالكامل ولا تُهجر بالكامل.

بريان مبيومو - مانشستر يونايتد ضد جريمسبي (المصدر:Gettyimages)
بريان مبيومو – مانشستر يونايتد ضد جريمسبي (المصدر:Gettyimages)

ومع استمرار تغيير الأسماء موسمًا بعد آخر دون تحسن ملموس في الأداء أو النتائج، تتزايد الشكوك حول مدى ملاءمة فلسفة أموريم لواقع اليونايتد الحالي، فإما أن تتطور الأفكار لتحتضن الواقع، أو يتغير الواقع ليتماشى مع الأفكار، وما بين الخيارين، يدفع النادي ثمن الانتظار، مباراة بعد أخرى.

عناد الفكرة وصراع الهوية.. كيف ينقذ أموريم يونايتد من واقعه المعقّد؟

كل تلك أسئلة لا يملك الإجابة القاطعة عليها سوى البرتغالي روبن أموريم، المدير الذي يبدو أنه وسط معركة وجودية يخوضها المدرب للحفاظ على هيبته وهوية فريقه، ففي لحظة فارقة من الموسم، وبعد ضغوط إعلامية متصاعدة وانتقادات لا تهدأ.

اختار أموريم أن يتراجع خطوة محسوبة، لا استسلامًا، بل حفاظًا على مشروعه من الانهيار الكامل، قراره بالتخلي مؤقتًا عن خطة الثلاثة مدافعين والأجنحة، خلال مواجهة نيوكاسل التي حسمها يونايتد بهدف نظيف، كان إعلانًا صريحًا عن بداية مرحلة جديدة من التفكير داخل أسوار “أولد ترافورد”.

في تلك المباراة، اعتمد أموريم على رباعي دفاعي أكثر توازنًا، مع لاعبي ارتكاز في وسط الملعب، ليمنح الفريق صلابة افتقدها كثيرًا هذا الموسم، وجاء هدف الفوز عبر الدنماركي باتريك دورجو، ليمنح الانتصار طابعًا رمزيًا، وكأنه رسالة تقول إن التغيير لا يعني التخلي عن القناعة، بل إعادة ترتيب الأولويات في توقيت حاسم.

المدرب البرتغالي، الذي اشتهر بتصريحاته النارية مثل قوله الشهير: “حتى البابا لا يمكنه إجباري على تغيير نظامي”، بدا هذه المرة أكثر هدوءًا وواقعية، ففي المؤتمر الصحفي الذي سبق مواجهة وولفرهامبتون، كشف أموريم جانبًا مختلفًا من شخصيته، معترفًا بأن تمسكه السابق بالخطة لم يكن عنادًا أعمى، بل محاولة لبناء هوية واضحة منذ اللحظة الأولى. 

وأوضح أنه عند قدومه في الموسم الماضي، كان يدرك جيدًا أن العناصر المتاحة قد لا تكون الأنسب لتطبيق هذا النظام، لكنه أراد وضع حجر الأساس لفريق يعرف ماذا يريد وكيف يلعب.

أموريم يعلنها صريحة.. تلك هي مشكلة مانشستر يونايتد

وأشار أموريم إلى أن الظروف الحالية فرضت نفسها بقوة، فقلة الخيارات وكثرة الغيابات جعلت التكيف أمرًا لا مفر منه، ليس فقط من أجل النتائج، بل حتى يفهم اللاعبون أنفسهم منطق التغيير وأسبابه، وأكد أن المشكلة الحقيقية لم تكن في تغيير الخطة بحد ذاتها، بل في التوقيت والدوافع، موضحًا أن الاستجابة المستمرة لضغط الإعلام كانت ستفقده ثقة لاعبيه، لأنهم حينها سيشعرون أن قراراته لا تنبع من قناعته، بل من ضجيج الخارج، وهو ما وصفه صراحة بأنه “نهاية أي مدرب”.

كلمات أموريم حملت الكثير من الصراحة وربما الألم، حين أكد أن التغيير الحقيقي يجب أن يأتي بعد أن يؤدي الفريق بشكل جيد في نظامه الأساسي، عندها فقط يصبح التطوير خطوة طبيعية لا هروبًا من الفشل، كما شدد على أن مانشستر يونايتد لن يكون أسير خطة واحدة، موضحًا أن الفريق عندما يستعيد كامل عناصره، لن يلعب بثلاثة مدافعين طوال الوقت، بل سيتحول إلى فريق أكثر مرونة ونضجًا.

روبن أموريم - مانشستر يونايتد
روبن أموريم – مانشستر يونايتد المصدر : (Gettyimages)

في النهاية، تبدو قصة أموريم مع مانشستر يونايتد انعكاسًا لصراع دائم بين الفكرة والواقع، بين العناد المشروع والرغبة في البقاء، هو مدرب يؤمن أن الهوية تُبنى بالصبر، لكن الواقع القاسي للدوري الإنجليزي لا يمنح الكثير من الوقت.

تأثير الضغط الإعلامي على قرارات روبين أموريم

صحيح أن روبن أموريم كان يدرك منذ لحظة وصوله أن كل قرار سيوضع تحت المجهر، وأن أي تعثر سيتحول إلى عاصفة، لكنه حتى الآن، يبدو عاجزًا عن ترويض هذا الضغط أو تحويله إلى حافز إيجابي.

تصريحاته الأولى جاءت متحدية، مشبعة بروح التحدي وبنبرة من يفرض فلسفته مهما كانت العواقب، في البداية، منحت هذه اللغة انطباعًا بالقوة والثقة، لكنها مع تتابع النتائج السلبية تحولت إلى سلاح ضده، كل كلمة صارت تُستحضر ضده، وكل تعثر يُقرأ كدليل على عناد أو سوء تقدير، ليجد المدرب نفسه محاصرًا بين ما قاله بالأمس وما يعيشه اليوم.

على أرض الملعب، انعكس هذا الصراع بوضوح، قرارات تكتيكية بدت أحيانًا وكأنها رد فعل على النقد أكثر من كونها حلولًا مدروسة، عناد في بعض الخيارات، وتغييرات مفاجئة بلا تمهيد في خيارات أخرى، وكأن المدرب يحاول في كل مباراة إثبات أنه على حق، لا أن يمنح الفريق ما يحتاجه فعلًا للفوز.

روبن أموريم - مانشستر يونايتد -(المصدر:Gettyimages)
روبن أموريم – مانشستر يونايتد -(المصدر:Gettyimages)

في البريميرليج، لا ينجح من يتحدى الضجيج دائمًا، ولا من يستسلم له بالكامل، الناجح هو من يعرف متى يغلق أذنيه، ومتى يصغي للنقد البناء دون أن يفقد بوصلته، وحتى هذه اللحظة، لم يظهر روبن أموريم أنه وجد هذا التوازن الدقيق، وهو ما جعله في مواجهة مفتوحة مع الإعلام، ومع الجماهير، وربما مع نفسه أيضًا.

هل المشكلة في المدرب أم في منظومة مانشستر يونايتد؟

اختزال أزمة مانشستر يونايتد في اسم روبن أموريم وحده يبدو حلًا سهلًا، لكنه في الحقيقة هروب من مواجهة المشكلة الحقيقية، ما يعيشه النادي اليوم هو نتيجة تراكمات إدارية وفنية امتدت لسنوات، من قرارات متناقضة، واختيارات غير متسقة، ومشاريع تُطلق دون أن يُمنح لها الزمن أو الأدوات اللازمة للنجاح.

مانشستر يونايتد أصبح نادٍ يغيّر المدربين أكثر مما يغيّر فلسفته، كل مدرب يأتي بفكرة مختلفة، بتشكيل مختلف، وباحتياجات مختلفة، ثم يُترك وحيدًا في مواجهة ضغط النتائج والإعلام والجماهير، قبل أن يُضحّى به ليبدأ الدوران من جديد، في هذه الدوامة، يتحول المدرب من صانع مشروع إلى كبش فداء، ويضيع جوهر الأزمة وسط تبديل الأسماء.

روبن أموريم قد يكون ارتكب أخطاء، وقد يكون فشل في بعض القرارات، لكن تحميله كامل المسؤولية يغفل سؤالًا أكثر إيلامًا: ماذا قدمت المنظومة له؟ هل وُضعت له خطة واضحة؟ هل كانت التعاقدات منسجمة مع فلسفته؟ أم أنه، كمن سبقوه، أُلقي به في بحر مضطرب وطُلب منه السباحة وحده؟

السؤال الأهم الذي يجب أن يُطرح داخل أروقة أولد ترافورد ليس: هل نُقيل أموريم؟ بل هل نعرف أصلًا من نريد أن نكون؟ لأن استمرار الوضع الحالي، سواء ببقاء المدرب أو رحيله، يعني استمرار النزيف ذاته، ويُقرّب مانشستر يونايتد خطوة إضافية من التحول إلى نادٍ يعيش على أمجاد الماضي بدلًا من أن يصنع مستقبله.

منصور مجاهد

صحفي مصري منذ 2019، خريج إعلام القاهرة، شغوف بكرة القدم الإنجليزية وصناعة التقارير العميقة، مقدم برامج ومعلق صوتي بخبرة أكثر من 7 سنوات بمجال الإعلام.