السرقة الثالثة؟ هل يصبح ألونسو مدربًا لمانشستر سيتي ويُلدغ ليفربول مجددًا؟
في كرة القدم، لا تأتي الصدمات دائمًا من خسارة نهائي أو إقصاء مفاجئ في ليلة أوروبية قاسية، أحيانًا تكون الضربة الأشد وجعًا في سوق الانتقالات، حيث يُبنى المستقبل وتُسرق الأحلام في صمت، وفي اللحظات الأخيرة تحديدًا، هنا لا يُسمع صوت صافرة، ولا تُرفع راية تسلل، لكن الأثر يكون أعمق وأطول، ليفربول، أحد أكثر الأندية إيمانًا بالتخطيط طويل المدى، وجد نفسه هذا الموسم أمام مشهد مألوف، وكأن التاريخ قرر أن يعيد اختبار إدارة الريد هل يتعلم النادي أم يُلدغ من الجحر ذاته مرة أخرى؟
مانشستر سيتي لم يكتفِ بمنافسة ليفربول داخل المستطيل الأخضر، بل تفوق عليه في الكواليس، حيث تُحسم المعارك الحقيقية قبل أن تبدأ، صفقة مارك جيهي كانت مثالًا صارخًا، لاعب أنهى الكشف الطبي الصيف الماضي، وخطة واضحة تقضي بانتظاره حتى الصيف القادم لضمه مجانًا، خطوة محسوبة بدقة تعكس فلسفة ليفربول الاقتصادية، لكن السيتي ظهر في التوقيت القاتل، وأغلق الدائرة بلا ضجيج، لم تكن الخسارة مجرد مدافع، بل سقوط حجر أساس في مشروع دفاعي كامل.
لم تمر الصدمة الأولى حتى جاءت الثانية، أكثر إيلامًا وأوضح دلالة، أنطوان سيمينيو لم يكن مجرد اسم في قائمة الانتظار، بل قطعة فنية كانت ستغير شكل الهجوم الأحمر، لاعب لديه العديد من المميزات السرعة، الاختراق، وكسر نمط، عنصر كان يُفترض أن يعيد الحيوية لخط هجومي بدأ يفقد أنيابه، لكن مرة أخرى، وفي اللحظات الحاسمة من سوق الانتقالات، تدخل مانشستر سيتي وخطف الصفقة، هنا، لم يعد الأمر سوء حظ، بل نمطًا متكررًا، فمن لا يغلق الجحر، سيُلدغ مرة بعد أخرى.

ومع توالي هذه الضربات، بدأ أثرها يظهر على أرض الملعب، تراجع نتائج آرني سلوت لم يأتِ من فراغ، والمعاناة الهجومية لم تكن مجرد أزمة تكتيك، بل انعكاس مباشر لفرص ضائعة في سوق الانتقالات، الفريق الذي كان يخطط بهدوء للمستقبل، وجد نفسه فجأة يركض خلف الحاضر، بلا الأدوات التي كان يعوّل عليها، وكأن اللدغتين السابقتين لم تكونا كافيتين لاستخلاص الدرس.
اليوم، يقف ليفربول على حافة اللدغة الثالثة، لكن هذه المرة، الخطر لا يتعلق بلاعب أو صفقة، بل بمقعد المدرب نفسه، في الأفق يلوح اسم تشابي ألونسو، وبين أنفيلد والاتحاد، يدور صراع جديد قد لا يُحسم داخل الملعب، وهنا يعود السؤال بثقل أكبر: هل يتعلم ليفربول من أخطائه؟ أم يسمح للتاريخ أن يكرر نفسه للمرة الثالثة؟

تشابي ألونسو.. مدرب لا يعمل في أي مكان
الحقيقة أن تشابي ألونسو ليس مدرب “النتائج السريعة”، ولا رجل إطفاء يُستدعى حين تشتعل الأزمات، هو مدرب مشروع طويل النفس، يؤمن بأن كرة القدم تُبنى ولا تُرتجل، وأن الفوز نتيجة طبيعية لمنظومة متماسكة لا ضربة حظ، فلسفته تعتمد على تفاصيل دقيقة: لاعبين يمتلكون وعيًا تكتيكيًا عاليًا، يفهمون متى يضغطون، متى يبطئون الإيقاع، وكيف تُدار الكرة تحت الضغط دون فقدان السيطرة أو الوقوع في الفوضى.
ما صنعه ألونسو في باير ليفركوزن لم يكن معجزة عشوائية ولا طفرة مؤقتة، بل نتاج منظومة ذكية بُنيت بصبر، ضغط منظم لا يستهلك اللاعبين، بناء لعب هادئ من الخلف، وتحولات هجومية قاتلة حين تُفتح المساحات، كل حركة كانت محسوبة، وكل لاعب كان يعرف دوره داخل السياق العام، وهو ما جعل الفريق يبدو وكأنه يفكر بعقل واحد، وحاول أن يكرر التجربة مع ريال مدريد لكن ظروف الفريق حالت دون ذلك.
وهذا لأن هذه الأفكار لا تُفرض بالقوة، ولا تنجح في بيئة غير مهيأة ذهنيًا، فلسفة ألونسو تحتاج ناديًا مستعدًا للصبر، إدارة تفهم أن البناء يسبق التتويج، ولاعبين يقبلون التعلم وإعادة تشكيل أدوارهم، في بيئة تبحث عن الحل السريع أو النجومية الفردية، قد تتحول هذه الفلسفة إلى عبء بدل أن تكون ميزة.

لهذا، فإن اختيار النادي التالي في مسيرة تشابي ألونسو لا يُعد قرارًا مهنيًا عاديًا، بل مفترق طرق مصيري، خطوة واحدة خاطئة قد تحوّل مدربًا يُنظر إليه كعبقري صاعد إلى اسم يُساء فهمه ويُحاكم مبكرًا، بينما الاختيار الصحيح قد يضعه مباشرة في مصاف كبار مدربي أوروبا، دون حاجة إلى سنوات إثبات إضافية.
ومن هنا، يتغير السؤال الجوهري فلم يعد: من يريد تشابي ألونسو؟ بل أصبح أكثر عمقًا وخطورة: أين يمكن لتشابي ألونسو أن يكون نفسه من جديد دون تشويه، ودون أن يُجبر على التنازل عن فكرته قبل أن تولد كما حدث في سانتياجو بيرنابيو معقل الملكي ريال مدريد؟
لماذا ليفربول بيئة مثالية لفلسفة تشابي ألونسو؟
أسلوب تشابي ألونسو لا يحتاج إلى إعادة اختراع في أنفيلد، بل إلى إعادة توجيه دقيقة، ليفربول تاريخيًا فريق يعيش على الإيقاع العالي، اللعب العمودي، والضغط الذكي، وهي المبادئ نفسها التي تشكل جوهر أفكار ألونسو، لكن مع فارق التنظيم، ألونسو لا يسعى إلى كبح اندفاع ليفربول، بل إلى تهذيبه، وتحويل الطاقة الخام إلى منظومة أكثر اتزانًا وقدرة على التحكم في إيقاع المباريات.
التركيبة البشرية داخل الفريق تمنحه أرضية جاهزة للتنفيذ، وجود لاعبين مثل محمد صلاح، القادر على الحسم دون الحاجة لسيطرة مطلقة، وألكسندر إيزاك بما يملكه من الذكاء والقدرة على التحرك بين الخطوط، يجعل فلسفة ألونسو عملية لا نظرية، ومع انضمام فلوريان فيرتز وجيريمي فريمبونج في الصيف الماضي، تصبح الصورة أوضح؛ لاعبان يعرفان فكر المدرب عن ظهر قلب، وسبق لهما تطبيقه بنجاح في ليفركوزن.

في ليفربول، لن يبدأ ألونسو من الصفر، لن يحتاج إلى سنوات لهدم وبناء، بل إلى أشهر لإعادة الضبط وتوحيد الإيقاع، الفريق لا يعاني من نقص في الموهبة أو الإبداع، بل من غياب المرجعية التكتيكية الواضحة التي تُترجم الإمكانيات الفردية إلى أداء جماعي متماسك ومستمر.
لهذا، فإن ليفربول لا يحتاج مشروعًا جديدًا بقدر ما يحتاج قائدًا يعرف الطريق، مدربًا يفهم تاريخ النادي، ويُدرك أين أخطأ من سبقوه، ويملك القدرة على تصحيح المسار دون صدام أو قطيعة، تشابي ألونسو، في هذا السياق، لا يأتي ليبدأ حكاية جديدة.. بل ليكمل حكاية كانت تنتظر من يعيد صياغتها بالشكل الصحيح.

أنفيلد.. حين يمنحك الجمهور ما لا تملكه الإدارة
ليفربول ليس مجرد نادٍ لكرة القدم، بل منظومة شعورية متكاملة، تُدار بالعاطفة بقدر ما تُدار بالعقل، في أنفيلد، الجمهور ليس عنصر ضغط فقط، بل شريك حقيقي في المشروع، أي مدرب، مهما بلغت كفاءته، يحتاج أولًا إلى القبول الجماهيري قبل أن يُترجم أفكاره فنيًا، وهذه ميزة نادرة يمتلكها تشابي ألونسو دون أن يخوض مباراة واحدة.
تشابي ليس اسمًا غريبًا يُلقى على المدرجات في انتظار الحكم عليه، هو جزء من الذاكرة الجماعية للنادي، من مرحلة ذهبية ما زالت حاضرة في وجدان الجماهير، لاعب ارتدى القميص الأحمر، قاتل من أجله في الليالي الأوروبية، وترك أثرًا لا يُمحى، هذه العلاقة المسبقة تمنحه أفضلية لا تتوفر لأي مدرب آخر وهي الثقة المسبقة، لا المكتسبة.
وهذه الثقة تتحول إلى أثمن ما يمكن أن يحصل عليه أي مدرب طموح فهي تترجم للصبر وتمنحه الوقت لتصحيح الأخطاء، لبناء منظومة، وزرع أفكار دون ضغوط هستيرية أو أحكام متعجلة، في ليفربول، قد يُسامح ألونسو على التعثر المؤقت، لأن الإيمان به موجود مسبقًا، وهنا لا يصبح المدرب موظفًا تحت الاختبار، بل قائدًا يُمنح فرصة حقيقية لصناعة مشروع لا مجرد إدارة موسم.

لماذا مانشستر سيتي حلم أي مدرب؟
في الجهة الأخرى من الصراع، يقف مانشستر سيتي كمنظومة شبه مكتملة، فريق يبدو أقرب إلى آلة دقيقة لا تعرف التوقف، ترسانة هجومية مرعبة، وتخمة نجوم في كل مركز، من هالاند القادر على تحويل أنصاف الفرص إلى أهداف، إلى رودري عقل الفريق النابض، ودوناروما كحارس يمنح الخط الخلفي ثقة إضافية، وإلى جانب هؤلاء، تظهر مواهب شابة جاهزة للانفجار مثل خوسانوف، سيمينيو، وجيهي، ما يجعل الفريق غنيًا بالحاضر والمستقبل معًا.
هذا ليس فريقًا يتعلم كيف يفوز، بل فريق اعتاد الفوز ويعرف طرقه جيدًا، التعامل مع الضغط، إدارة النهائيات، والعودة بعد التعثر، كلها سمات متأصلة في شخصية السيتي، الأهم من ذلك، أن الفريق تشرّب أعلى درجات الوعي التكتيكي تحت قيادة بيب جوارديولا، ما يجعل أي مدرب يخلفه يبدأ من نقطة متقدمة جدًا، لا من مرحلة التعليم أو التصحيح.

إلى جانب الملعب، تقف الإدارة كعامل حاسم، إدارة سخية، حاسمة في قراراتها، ولا تؤمن بالانتظار الطويل إذا كانت الأدوات متاحة، على عكس ليفربول، حيث تُدار الصفقات بحسابات مالية دقيقة وقد تُؤجل الفرص، يمنح مانشستر سيتي مدربه ما يحتاجه فورًا لتنفيذ أفكاره دون قيود كبيرة.
ومع قرار بيب جوارديولا الاستمرار موسمًا إضافيًا لإعادة بناء بعض ملامح الفريق كما أكدت التقارير، يبدو المشهد وكأنه إعداد مسرح هادئ لتسليم الراية، انتقال لا يحمل فوضى، ولا قطيعة فكرية، بل استمرارية محسوبة، تجعل من مانشستر سيتي حلمًا مغريًا لأي مدرب.. حتى لو كان اسمه تشابي ألونسو ويقف على أعتاب ليفربول.

ماذا لو كان تشابي ألونسو اللدغة الثالثة لليفربول؟
يبقى السؤال المحوري هنا : ماذا لو تكررت اللدغة، الإجابة بسيطة فلن تكن مجرد صفقة ضائعة أو مدرب اختار طريقًا آخر، بل بداية تدهور حقيقي في مسار ليفربول، ستتحول تتحول فكرة التخطيط طويل المدى إلى عبء ثقيل لا يُجدي أمام منافسين لا يتركون شيئًا للصدفة؟ عندها، لن تكون الضربة فنية فقط، بل نفسية، تضرب ثقة الجماهير في المشروع، وتُعمّق الإحساس بأن النادي بات دائمًا خطوة متأخرة عن اللحظة الحاسمة.
ليفربول اليوم لا يعاني فقط من نقص تكتيك أو تراجع نتائج، بل من اهتزاز في الاتجاه، فريق كان يُدار على أساس الاستقرار والهوية، بدأ يبدو وكأنه عالق بين ماضٍ مجيد وحاضر متردد، استمرار هذا المسار، مع فقدان الخيار الأمثل لقيادة المرحلة القادمة، قد يحوّل التعثر المؤقت إلى انحدار بطيء، حيث يصبح الاكتفاء بالمنافسة هو السقف، لا العودة للقمة.

وهنا يصبح اختيار تشابي ألونسو أكثر من قرار مهني؛ يتحول إلى لحظة فاصلة في تاريخ ناديين، في أنفيلد، المجد يُكتب من جديد لكنه محفوف بالمخاطر، وفي الاتحاد، الضمان حاضر لكن بلا تأكيد، فإذا اختار ألونسو الطريق الآمن، قد يجد ليفربول نفسه أمام حقيقة قاسية: أن اللدغة الثالثة لم تكن مجرد خسارة، بل إعلانًا عن نهاية مرحلة، وبداية سؤال مؤلم… هل ضاع الوقت الذي كان يمكن فيه إنقاذ كل شيء؟
الاختيار الأصعب لتشابي.. مجد ليفربول أم ضمان السيتي؟
تشابي ألونسو يقف اليوم أمام مفترق طرق نادر في مسيرة أي مدرب، ليفربول يمنحه المعنى قبل النتائج، الهوية قبل الضمانات، والتحدي العاطفي قبل الحسابات الباردة، في أنفيلد، لن يكون مجرد مدرب جديد، بل رمز عودة، وقصة تُستكمل، ورجلًا يُطلب منه أن يعيد للفريق روحه قبل أن يعيد له ألقابه.
في الجهة المقابلة، يعرض مانشستر سيتي الوجه الآخر لكرة القدم الحديثة، الاستقرار، الموارد، والبنية الجاهزة للمنافسة الفورية، في الاتحاد، لن يُطلب من ألونسو أن يخترع العجلة، بل أن يقودها بعد أفضل من صنعها، هنا، سيكون الوريث الطبيعي لإمبراطورية جاهزة، لا المنقذ لمشروع متعثر.
وبين حاجة الفريقين لمهاجم، وبين صفقات خُطفت في الظلام، يبقى السؤال معلقًا فوق المشهد كله: هل يتكرر مسلسل اللدغات؟ وهل تكون هذه تلك المرة الثالثة بالنسبة لليفربول؟ أم يختار تشابي ألونسو الطريق الأصعب، حيث لا يُورث المجد، بل يُكتب.. بقرار شجاع لا يعرف الضمان؟