أبو تريكةأحمد حسام ميدو365TOPتقارير ومقالات خاصة

صدام لم ينتهِ.. أزمة ميدو مع حسن شحاته ما بين العقدة النفسية و”سحر” الجيل الذهبي

في إفريقيا، كرة القدم ليست مجرد لعبة تُحسم بالخطط واللياقة فقط، بل طقس اجتماعي متجذر في الوعي الجمعي، هي مساحة يلتقي فيها الواقع بالأسطورة، والموهبة بالمعتقد، حيث لا يُنظر إلى المباراة كـ90 دقيقة، بل كصراع إرادات واختبار حظ وإيمان، نابع من قارة لم تفصل تاريخيًا بين ما يُرى وما يُعتقد.

ارتبطت كرة القدم الإفريقية منذ عقود بحكايات “ما وراء الملعب”: مشعوذون، طقوس قبل المباريات، تمائم مخفية، وأدعية تُقرأ على الأحذية وغرف الملابس، هذه الممارسات لم تكن دائمًا إيمانًا بالسحر بقدر ما كانت محاولة للسيطرة على الخوف والضغط النفسي، خاصة في بيئات افتقرت طويلًا إلى أدوات الإعداد العلمي الحديث، فتحولت الطقوس إلى بديل للثقة.

كثير من المدربين تعاملوا مع هذه المعتقدات ببراجماتية؛ لم يؤمنوا بها، لكنهم لم يصطدموا بها أيضًا، تركوا اللاعبين يمارسون طقوسهم، إدراكًا منهم أن الاستقرار النفسي قد يكون أهم من كسر قناعة متجذرة، فبعض المعارك الذهنية تُكسب بالطمأنينة لا بالمنطق وحده.

أحمد حسام ميدو – روما – المصدر (Getty images)
أحمد حسام ميدو – روما – المصدر (Getty images)

الغريب ليس وجود هذه القصص في الذاكرة الإفريقية، بل إعادة فتح هذا الملف في قلب أنجح فترات منتخب مصر، وعلى لسان أحد نجومه أحمد حسام ميدو، هنا لا نتحدث عن رواية شعبية، بل شهادة من داخل غرفة البطولات، ما يفتح باب التساؤل حول صناعة النجاح في حقبة مصر التاريخية.

المشكلة الحقيقية ليست في صحة هذه الروايات أو نفيها، بل في تأثيرها، لأنها قد تزرع فكرة أن الإنجاز يأتي من قوى خفية لا من العمل والانضباط، كرة القدم الإفريقية اليوم تقف بين عالمين: عالم يرى أن النصر يُستدعى، وآخر يؤمن أن النصر يُصنع.. والسؤال الأهم: أيهما نريد أن نصدقه؟

وسط هذا الإرث الثقيل، لا تبدو فكرة الحديث عن السحر في كرة القدم الإفريقية غريبة تمامًا، الغريب فقط أن يُعاد فتح هذا الملف في قلب أنجح فترة عرفها منتخب مصر، وعلى لسان أحد أبرز نجومها السابقين.

أحمد حسام ميدو (تصوير:مصطفى الشحات)
أحمد حسام ميدو (تصوير:مصطفى الشحات)

تصريحات ميدو.. زلزال في ذاكرة الجيل الذهبي

 الأزمة بدأت حين خرج أحمد حسام ميدو ليتحدث، لم يكن يناقش مباراة خسرها أو قرارًا فنيًا اختلف عليه، كان يفتح بابًا مغلقًا على واحدة من أكثر الفترات قداسة في تاريخ الكرة المصرية: سنوات التتويج الثلاثي بأمم أفريقيا (2006 – 2008 – 2010)، التي تحولت في الوعي العام إلى نموذج مثالي للانضباط، والقيادة، والنجاح الخالص في تاريخ كرة القدم المصرية، ثلاثية قادة الفراعنة للتربع على عرش أفريقيا.

ميدو لم يلمّح، بل صرّح بشكل مباشر، قال إن حسن شحاتة استعان بمشايخ خلال البطولات لجلب الفوز، وإن بعض اللاعبين طُلب منهم ارتداء أرقام قمصان محددة، وإن الأحذية كانت تُؤخذ قبل المباريات ليوم كامل لـ“القراءة عليها” وهنا كان يقصد الطلاسم وبعض التعاويذ السحرية، وإن مواد معينة كانت تُرش على الأحذية قبل النزول إلى الملعب، لم تكن رواية غامضة، بل تفاصيل مباشرة وصادمة.

محمد أبو تريكة - مصر - أحمد حسن - المصدر (Getty images)
محمد أبو تريكة – مصر – أحمد حسن – المصدر (Getty images)

الأكثر خطورة لم يكن الحديث عن الطقوس، بل عن المؤسسات، حين قال إن اتحاد الكرة اشترى “زئبقًا أحمر” بملايين الجنيهات، انتقل الحديث من نطاق المعتقدات الشخصية إلى دائرة القرار الرسمي والإنفاق العام، وهو ما يحوّل القصة من حكاية غرفة ملابس إلى ملف أخلاقي وإداري كامل.

أما الذروة، فكانت في اتهامه بأن استبعاده من أمم إفريقيا 2010 لم يكن قرارًا فنيًا، بل قرار “الشيخ” وهنا يقصد المشعوذ الذي استعان به المنتخب الصري، ما جعل أخذ الصراع في نطاق مغاير، هنا لا نتحدث حول السحر أو عدمه، بل حول من كان يملك القرار الحقيقي داخل منتخب يُفترض أنه يُدار فنيًا ومؤسسيًا.

هذه ليست اتهامات هامشية، ولا ذكريات لاعب غاضب فقط، هذه رواية تهز صورة مرحلة بأكملها، وتفرض سؤالًا مزعجًا: هل كان الجيل الذهبي نتاج عبقرية كروية خالصة، أم مزيجًا معقدًا من العمل والضغط والمعتقدات الخاطئة؟ والأخطر.. هل نحن مستعدون لمواجهة الحقيقة، أيًّا كانت؟ هذا ما نستعرضه من خلال هذا التقرير.

أبو تريكة
أبو تريكة

ميدو والعقدة النفسية.. رواية الذات في مواجهة التاريخ

القراءة الأولى التي تفسرتصريحات أحمد حسام ميدو لا تتعامل معها باعتبارها كشفًا متأخرًا لحقيقة مخفية، بل بوصفها انعكاسًا لصراع داخلي لم يُحسم أبدً، صراع بين لاعب رأى نفسه أكبر من دوره في تلك المرحلة، وتاريخ جماعي لم يمنحه المساحة التي كان يتوقعها لنفسه.

علاقة ميدو بحسن شحاتة لم تكن يومًا طبيعية، منذ أزمته الشهيرة في أمم أفريقيا 2006 في مباراة السنغال بنصف النهائي عندما استبدل حسن شحاته ميدو بعمرو زكي في الدقيقة 80 في مباراة كان التعادل يخيم على أجوائها ليدور الحوار الشهير بين ميدو والمعلم قبل أن يضيف البديل عمرو زكي هدف التقدم، ليصعد المنتخب إلى المباراة النهائي ويتوج لاحقًا بالبطولة.

ومنذ تلك اللحظة تحوّل الخلاف من فني إلى فلسفي، شحاتة كان يؤمن بالجماعة والانضباط الصارم، بينما كان ميدو يرى نفسه موهبة استثنائية يجب أن تُبنى المنظومة حولها، في كل استبعاد، كان ميدو يرى ظلمًا فنيًا، بينما رأى الجهاز الفني أزمة التزام وسلوك لا علاقة لها بالموهبة.

ميدو وعقدة “الجيل الذي لم يحمل اسمه”

التاريخ لا يرحم الأسماء التي لم تُتوَّج، الجيل الذهبي ارتبط في الذاكرة الشعبية بأسماء مثل أبو تريكة، بركات، وائل جمعة، عماد متعب، وعمرو زكي، لم يُسمَّ يومًا “جيل ميدو”، رغم احترافه الأوروبي المبكر وموهبته الكبيرة، هذا الغياب الرمزي عن الوجدان الجمعي قد يخلق، بمرور الزمن، رغبة لا واعية في إعادة تفسير الماضي، ليس لنفي الإنجاز، بل لتبرير الغياب عنه، وهو ما قد يفعله ميدو.

وفق هذه القراءة، تصريحات ميدو لا تستهدف إسقاط الجيل الذهبي، بل إعادة تموضع الذات داخله، حين يصبح النجاح مرتبطًا بعوامل غير فنية أو غير عادلة، يتحول الغياب من فشل أو خلاف إلى نتيجة “خارجة عن السيطرة”، وهو تفسير أقل قسوة على الذات وأكثر راحة نفسيًا.

منتخب مصر 2006
منتخب مصر 2006

حتى الآن، لم يخرج لاعب أساسي من قلب المجموعة ليؤكد هذه الرواية بشكل مباشر، هذا الصمت يُستخدم كحجة في حد ذاته: لو كانت هذه الممارسات جوهرية ومؤثرة إلى هذا الحد، فلماذا لم تُذكر إلا الآن؟ ولماذا لم تتحول إلى رواية جماعية بدلًا من شهادة فردية؟

وفق هذه الفرضية، تصريحات ميدو ليست كذبًا صريحًا، لكنها أيضًا ليست الحقيقة الكاملة، هي رواية ذاتية لتاريخ جماعي، حيث يتقاطع الإحباط الشخصي مع الذاكرة، فينتج سردٌ مختلف كان أكثر قسوة من الواقع نفسه.

كرة القدم الإفريقية.. حيث الخرافة ممكنة

تجاهل هذه الفرضية تمامًا سيكون نوعًا من السذاجة الفكرية، فإفريقيا، تاريخيًا وثقافيًا، لا تفصل كرة القدم عن المعتقد، الإيمان حاضر بقوة في المجال العام، وأحيانًا ينزلق إلى الخرافة دون حواجز واضحة، قصص السحر في الملاعب الإفريقية ليست استثناءات نادرة، بل حكايات موثقة ومتداولة، ومعترف بها حتى في دول تُعد قوى كروية كبرى داخل القارة كغانا ونيجيريا وبلاد وسط أفريقيا.

في كثير من البلدان الإفريقية، تُدار المباريات كمعارك نفسية وروحية بقدر ما هي مواجهات فنية، الطقوس، الأدعية، والتحصينات ليست دائمًا تعبيرًا عن جهل، بل محاولة للسيطرة على المجهول في لعبة تحكمها التفاصيل الدقيقة والضغوط الهائلة، لذلك، فكرة الاستعانة بشيوخ أو ممارسات غير علمية لا تبدو غريبة في هذا السياق.

منتخب مصر 2006
منتخب مصر 2006

رغم الاحتراف والتنظيم، لم تكن الكرة المصرية يومًا معزولة نفسيًا عن محيطها الإفريقي، مفاهيم مثل “البركة”، “الدعاء”، و“تحصين اللاعبين” ظلت حاضرة في الخطاب الكروي لسنوات طويلة، ومع ضغط البطولات الكبرى، قد تتحول هذه الممارسات من مجرد دعم نفسي إلى اعتقاد فعلي بتأثير غيبي في النتيجة.

شهادات تاريخية متفرقة حول الفترة الذهبية

حديث ميدو عن وجود “مدرسة الشيوخ” منذ الستينيات لا يأتي من فراغ كامل، سبق أن ترددت روايات مشابهة عبر أجيال مختلفة، لكنها بقيت في إطار الهمس أو التلميح دون توثيق مباشر، الجديد هذه المرة ليس الفكرة نفسها، بل الجرأة على طرحها صراحة وعلى لسان اسم معروف.

من هذا المنظور، قد يكون ما قاله ميدو قد حدث جزئيًا، لكن ليس بالضرورة بالحجم أو التأثير الذي صُوِّر به ميدو أكد أن المنظومة الكروية برمتا أنفقت ملايين الجنيهات في هذا الإطار، الفرضية الثانية لا تُبرئ الرواية بالكامل ولا تؤكدها، لكنها تفتح مساحة رمادية فيما بينها، مساحة تعترف بأن الخرافة ممكنة في هذا السياق، دون أن تجعلها مفتاح تفسير كل نجاح أو إخفاق.

مباريات نصف نهائي كأس أمم إفريقيا
كأس أمم أفريقيا (المصدر:Gettyimages)

ميدو والسؤال الجوهري.. هل السحر يصنع بطولات؟

وهنا نصل إلى النقطة الفاصلة في كل هذا الجدل، حتى لو افترضنا – جدلًا لا إقرارًا – أن بعض هذه الممارسات قد حدثت فعلًا، يبقى السؤال الحقيقي: هل كانت هي سبب المجد؟

الإجابة، دينيًا وكرويًا، واضحة وحاسمة: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِلا سحر يصنع فوزًا، ولا خرافة ترفع كأسًا، ولا طقس يمرر كرة أو يسجل هدفًا لا يمكن أن يغير شئ القدر الذي كُتب مهما كان، منتخب مصر لم ينتصر لأن حذاءً قُرئت عليه الطلاسم، أو مادة رُشت قبل مباراة، بل انتصر لأنه امتلك واحدًا من أفضل خطوط الوسط في تاريخ القارة، ودفاعًا صلبًا يعرف متى يضغط ومتى يتراجع، ومدربًا يجيد إدارة البطولات لا المباريات فقط.

ما هو تصنيف المنتخبات المشاركة في كأس أمم إفريقيا 2025؟
كأس أمم أفريقيا

الأهم من كل ذلك، أن هذا المنتخب امتلك شخصية، شخصية لا تنهار تحت الضغط، لا تفقد تركيزها في اللحظات الحاسمة، ولا تبحث عن أعذار حين تشتد المواجهة، هذه الصفات لا تُستحضر بطقس، ولا تُمنح بدعاء، بل تُبنى بالعمل، والتجربة، والانتصارات الصغيرة المتراكمة.

الأهداف التي سُجلت، والمباريات التي حُسمت، والبطولات التي رُفعت، صُنعت داخل الملعب، بالعرق، بالتكتيك، وبالتفوق الفني، أما ما دار خارج الملعب، فمهما كان حقيقيًا أو مٌتخيلًا، لم يكن يومًا جوهر الحكاية ولا سر المجد للفراعنة.

الفراعنة والجيل الذهبي.. السحر الحقيقي كان في الاجتهاد

قد يختلف الناس حول نوايا ميدو، وقد يختلفون حول دقة التفاصيل أو توقيت الخروج بهذه التصريحات، الجدل في حد ذاته مفهوم، لأن الحديث يمس مرحلة مقدسة في ذاكرة الكرة المصرية، ولأن الشهادات المتأخرة دائمًا ما تُقابل بالشك والحذر، لكن ما لا يختلف عليه اثنان، أن منتخب مصر في تلك الحقبة لم يكن بحاجة إلى سحر ليحكم القارة الإفريقية، النتائج لم تكن صدفة، والتتويج المتكرر لم يكن وليد لحظة غيبية، بل ثمرة مشروع كروي واضح المعالم، تكرر نجاحه لأنه بُني على أسس ثابتة.

السحر الحقيقي كان داخل الملعب، كان في عقل حسن شحاتة، وقدرته على إدارة مجموعة مليئة بالنجوم دون أن يفقد السيطرة أو التوازن، كان في قدم محمد أبو تريكة ورفاقه، حين تحولت الموهبة إلى حسم، والهدوء إلى أهداف في أصعب اللحظات.

كأس أمم أفريقيا (المصدر:Gettyimages)

وكان السحر أيضًا في التزام المجموعة، لاعبين قبلوا أن تكون البطولة باسم الفريق لا باسم الفرد، وأن يكون الانضباط جزءًا من الموهبة لا عدوًا لها، هذا النوع من الفرق لا يُصنع بالطقوس، بل بالثقة المتبادلة والعمل اليومي.

وقبل كل شيء، كان هناك توفيق الله، توفيق لا يُشترى ولا يُستدعى، ولا يُحتكر برواية أو تفسير، يأتي مع الصدق في العمل والاجتهاد، وما تبقى بعد ذلك سيظل مجرد حكايات على هامش التاريخ، لا تُغير جوهر الإنجاز، ولا تمس قدسية ما صُنع داخل المستطيل الأخضر في فترة ذهبية للمنتخب المصري.

منصور مجاهد

صحفي مصري منذ 2019، خريج إعلام القاهرة، شغوف بكرة القدم الإنجليزية وصناعة التقارير العميقة، مقدم برامج ومعلق صوتي بخبرة أكثر من 7 سنوات بمجال الإعلام.