أخبار الكرة الإسبانيةالدوري الإسباني365TOPأخبار

هل تحول مبابي إلى كريستيانو رونالدو العجوز مبكرًا؟

في عالم كرة القدم، يُعد “التحول” علامة على النضج، لكنه في حالة كيليان مبابي مع ريال مدريد يبدو أقرب لعملية “تقاعد فني مبكر” نُفذت ببراعة إحصائية مضللة، لقد ساد الاعتقاد لسنوات أن مبابي هو التجسيد العصري لنسخة كريستيانو رونالدو في أوج عنفوانه؛ ذلك الجناح الذي يطوي العشب بسرعات خرافية ويطلق القذائف من زوايا مستحيلة.

لكن المشهد الذي نتابعه الآن في “السانتياجو برنابيو” يكشف عن فجوة كبيرة بين الصورة الذهنية والواقع التكتيكي؛ فمبابي لم يرث من رونالدو “الرقم 7” التاريخي بخصائصه الشمولية، بل استنسخ -عن وعي أو دونه- نسخة “رونالدو العجوز”؛ ذلك المهاجم الذي حصر نفوذه في الأمتار الأخيرة من الملعب، وفقد رغبة الارتداد، وبات أسيرًا لانتظار الكرة داخل الصندوق.

هذا التحول لم يكن تدريجيًا تفرضه العوامل البيولوجية كما حدث مع البرتغالي، بل بدا وكأنه “فقدان مفاجئ للبوصلة” التقنية، بينما كان رونالدو في شبابه يمثل تهديدًا وجوديًا للحراس من مسافات تتجاوز الثلاثين ياردة، محققًا أكثر من 130 هدفًا من خارج المنطقة بفضل كاحل يمتلك دقة جراحية وقوة انفجارية، يظهر مبابي كلاعب “مبتور الأطراف” بمجرد خروجه من حدود منطقة الجزاء.

يضع مبابي سجله المتواضع (37 هدفًا فقط من بعيد مقابل جيش من الأهداف داخل الصندوق) في خانة “المهاجم الثاني” الكلاسيكي، لا الجناح العصري ولا المهاجم الصريح المتكامل، نحن أمام معضلة تقنية فريدة: لاعب يمتلك سرعة الجناح، لكنه يفتقد لجرأة تسديداته؛ كما يفتقر لتمركز المهاجم الصريح وحدة ارتقاءاته الرأسية؛ ليبقى عالقًا في منطقة رمادية، محاولًا تقليد “خريف” أسطورته وهو لا يزال في “ربيع” مسيرته، دون أن يمتلك الأدوات التي جعلت من ذلك الخريف ذهبيًا.

كيف استنسخ مبابي خريف رونالدو وتجاهل ربيعه؟

تكمن المعضلة الكبرى في رحلة تحول مبابي إلى نسخة “رونالدو المتأخرة” في الفارق الجوهري بين “التطور الاضطراري” و”الفقر التقني”؛ فرونالدو لم يغادر أطراف الملعب إلا بعد أن استنزف كل قطرة عرق في صراعات السرعة والمراوغة، وبعد أن أثبت للعالم أنه يمتلك “ترسانة” تسديد تتجاوز حدود المنطق، حيث كان يسجل من ركلات حرة تبدو وكأنها تتحدى قوانين الفيزياء، ومن تسديدات بعيدة المدى تباغت الحراس قبل أن يدركوا مسار الكرة.

موعد مباراة ريال مدريد ضد ألافيس بالجولة 33 في الدوري الإسباني 2026
كيليان مبابي – ريال مدريد (المصدر:Gettyimages)

أما مبابي، فيبدو وكأنه قفز مباشرة إلى “المرحلة الختامية” من مسيرة رونالدو دون أن يمتلك الأدوات التقنية التي جعلت تلك المرحلة ممكنة.، الإحصائيات التي تشير إلى تسجيل هدفه رقم 37 فقط من خارج منطقة الجزاء مقابل قرابة 400 هدف من داخلها، ليست مجرد أرقام، بل هي “شهادة وفاة” لصورة الجناح المرعب الذي كان يُنتظر منه أن يفكك الدفاعات بمهاراته الفردية وتسديداته العابرة للقارات.

اللاعبعدد المبارياتأهداف من خارج المنطقة (لعب مفتوح)جميع الأهداف من خارج المنطقة (بإضافة الركلات الحرة)
كيليان مبابي563 مباراة36 هدف37 هدف
كريستيانو رونالدوأول 563 مباراة26 هدف59 هدف
مبابي vs رونالدو.. من الأكثر في الأهداف خارج منطقة الجزاء؟

والمقارنة بين اللاعبين وإن كانت في صالح مبابي من حيث العدد، فيجب أن لا نغفل البداية التي اتجه لها كريستيانو رونالدو، فبينما كانت بدايته في الدوري الإنجليزي في سن صغير، وتدرجه من الجناح الأيمن إلى الأيسر ثم اكتشاف قدراته التهديفية المرعبة سواء من التسديدات البعيدة أو الركلات الحرة المباشرة أو الرأسيات، فاحتاج البرتغالي إلى وقت أطول بكثير للوصول إلى نفس عدد أهداف مبابي حاليًا، فكان يكبره سنًا بعامين كاملين، إلا أنه يتفوق بالطبع في الركلات الحرة خاصةً خلال فترته الأولى في مانشستر يونايتد.

يعاني مبابي اليوم من “أنيميا” حادة في دقة التسديد من المسافات البعيدة؛ فلا هو يمتلك دقة الـR2 المقوسة التي تمنح الجناح الأيسر هيبته، ولا هو يمتلك القوة الغاشمة التي تجعله خطيرًا في الكرات الثابتة، حيث نجد أن سجله يخلو تقريبًا من الأهداف من ركلات حرة مباشرة (باستثناء محاولة وحيدة ناجحة مع ريال مدريد)، مما يجعله لاعبًا “أحادي البعد” تكتيكيًا بمجرد خروجه من دائرة الـ18 ياردة.

هذا الانكفاء التكتيكي نحو الداخل خلق أزمة هوية مزدوجة؛ فمبابي يرفض أن يكون “مهاجمًا صريحًا” يتقيد بمهام المحطة الهجومية والصراعات البدنية مع قلوب الدفاع، وهو الدور الذي يتطلب براعة في الألعاب الرأسية وقدرة على حماية الكرة تحت الضغط، وهي مقومات يفتقدها بوضوح مقارنة برونالدو الذي تحول في مدريد إلى “وحش” في الهوائيات.

وفي الوقت نفسه، هو لم يعد ذلك الجناح الذي يمنح فريقه العمق الدفاعي أو التغطية العكسية، بل بات يمارس دور “المهاجم الثاني” المتطلب؛ ذلك الذي يريد الكرة في مساحات ضيقة دون أن يبذل مجهودًا في استعادتها، فقدان مبابي لبوصلة التسجيل من خارج المنطقة – والذي تجلى في صيامه لمدة أربعة أشهر هذا الموسم قبل هدفه الأخير ضد ألافيس – يعكس تراجعًا في الثقة الفنية بقدر ما يعكس قصورًا في الإمكانات.

لقد تحول مبابي من لاعب “يصنع الحدث” من أي مكان في الملعب، إلى لاعب “ينتظر الحدث” داخل المنطقة، محاكيًا في ذلك أسلوب رونالدو في سنواته الأخيرة، ولكن مع فارق شاسع في “الجودة النوعية” للتنفيذ؛ فرونالدو كان يمتلك “غريزة القاتل” التي تعوض نقص السرعة، بينما يبدو مبابي حاليًا وكأنه فقد سرعة الجناح ولم يكتسب بعد حكمة القناص، ليصبح “أسير منطقة الجزاء” في وقت كان من المفترض فيه أن يكون “ملك الملعب” بأكمله.

علاوة على ذلك، يبرز التناقض الصارخ عند مقارنة “الخريطة الحرارية” لمبابي بمتطلبات اللعب في ريال مدريد؛ فالنادي الملكي الذي تعود على أجنحة تسجل من “أنصاف الفرص” وتصنع الرعب بتسديدات مباغتة، يجد نفسه الآن أمام نجم يميل بشكل غريزي للجهة اليسرى لكنه يعجز عن تقديم الإضافة النوعية التي تتجاوز حدود التمركز داخل الصندوق.

كيليان مبابي - ريال مدريد - المصدر (Getty images)
كيليان مبابي – ريال مدريد – المصدر (Getty images)

اقتصار أهداف مبابي هذا الموسم على خمسة أهداف فقط من خارج المنطقة، مع وجود فترات جفاف طويلة، يثير الجدل حول ما إذا كان مبابي يمتلك أصلًا “خصائص الجناح المراوغ” أو “المسدد البارع”، الحقيقة المرة هي أن مبابي يفتقد للدقة الجراحية في توجيه الكرة من المسافات البعيدة، وهو ما يجعل المدافعين يتجرؤون على منحه مساحات خارج المنطقة لعلمهم أن خطورته الحقيقية تكمن فقط في “الانفجار” داخل الست ياردات.

هذا التحول المبكر إلى نسخة “رونالدو العجوز” لا يعكس نضجًا بقدر ما يعكس “هروبًا تكتيكيًا” من متطلبات المركز؛ فمبابي يختار الطريق الأسهل للوصول للمرمى عبر التمركز الثابت، متخليًا عن أهم ميزة كانت تجعله فريدًا وهي “الشمولية”.

والنتيجة هي لاعب يسجل الأرقام لكنه لا يغير مجريات اللعب بالصورة التي تليق بوريث عرش “البرنابيو”، ليصبح السؤال الآن ليس متى سيسجل مبابي، بل كيف سيسجل؟ وهل سيبقى سجين هذا الروتين الذي يجرده من أسلحته الأكثر فتكًا خارج الصندوق؟

التصنيف / المنافسةتفاصيل الأهداف من خارج المنطقةالإجمالي
المسيرة الإجماليةمن لعب مفتوح (36) + ركلات حرة (1)37
توزيع أهداف اللعب المفتوحباريس (18) – ريال مدريد (14) – فرنسا (3) – موناكو (1)36
الركلات الحرة المباشرةهدف وحيد (بقميص ريال مدريد)1
مسيرته في الدوري الإسبانيالموسم الماضي (5) – الموسم الحالي (5)10
أهداف الموسم الحالي (الليجا)سوسيداد (1) – إسبانيول (1) – بلباو (2) – ألافيس (1)5

هل نحن أمام بداية النهاية لأسطورة الجناح الشامل؟

تستقر الحقيقة المُرّة في قاع هذا التقرير كحجرٍ ثقيل؛ إن كيليان مبابي لم يعد ذلك “الشبح” الذي يطارد المدافعين من مسافات بعيدة، بل تحوّل إلى لاعب “أحادي المنطقة” يقتات على أنصاف الفرص داخل الصندوق، وهو تحوّل يثير القلق بقدر ما يثير الجدل.

مقارنة مبابي بكريستيانو رونالدو في هذه المرحلة ليست مجرد مقارنة رقمية، بل هي كشف عن عجز فني وتكتيكي؛ فرونالدو الذي سجل أكثر من 130 هدفًا من خارج المنطقة كان يمتلك “سلطة” فنية مطلقة على الكرة، بينما يظهر مبابي وكأنه فقد “عصاه السحرية” في التسديد بعيد المدى، مكتفيًا بومضات نادرة تأتي بعد شهور من الجفاف.

كريستيانو رونالدو - كيليان مبابي - المصدر (Getty Images)
كريستيانو رونالدو – كيليان مبابي – المصدر (Getty Images)

هذا “التقزّم” في الخصائص الفنية يجعل من مبابي نسخة كربونية من “رونالدو العجوز” الذي فقد الرغبة في الركض والقدرة على المراوغة، لكن دون امتلاك تلك “الحاسة السادسة” أو القوة الانفجارية في الركلات الحرة التي كانت تميّز البرتغالي حتى في أسوأ أيامه.

المعضلة التكتيكية التي يواجهها ريال مدريد اليوم هي امتلاك نجم يطالب بحقوق “الأسطورة”، بينما يقدم مردود “المهاجم الموضعي”، مبابي الحالي لا يرتد دفاعيًا، ولا يساهم في بناء اللعب من الأطراف بفاعلية، ولا يشكل تهديدًا حقيقيًا في الكرات الثابتة أو التسديدات المقوّسة من خارج المنطقة؛ هو ببساطة لاعب ينتظر أن تُخدم عليه المنظومة ليضع اللمسة الأخيرة.

هذا النموذج من اللاعبين قد يحقق الأرقام، لكنه لا يصنع العصور الذهبية، خاصة وأن الفجوة الزمنية بين أهدافه من خارج المنطقة – كما رأينا في صيامه الطويل هذا الموسم – تشير إلى أن سلاح “التسديد” لديه بات معطّلًا أو يفتقد للثقة الجراحية.

إذا استمر مبابي في هذا المسار، فلن يكون “رونالدو الجديد”، بل سيكون مجرد “مهاجم ثانٍ” عالق في جسد جناح، يفتقد للبوصلة التي تقوده لاستعادة هيبته خارج حدود الـ 18 ياردة، ليظل السؤال قائمًا: هل يمتلك مبابي الشجاعة الفنية للتمرد على نسخته “العجوز” والعودة ليكون ذلك الإعصار الذي لا يعرف الحدود؟ أم أن “فخ مدريد” قد ابتلع طموحاته مبكرًا؟

محمود الشوادفي

صحفي مصري، أكتب في 365Scores عن كرة القدم كما تُرى من داخل التفاصيل، بدأت رحلتي الصحفية عام 2019، وأؤمن أن وراء كل رقم حكاية، ووراء كل مباراة فكرة تستحق أن تُروى بأسلوب مختلف.