أخبار365TOPبرشلونةتقارير ومقالات خاصةريال مدريدقصص 365Scoresكرة القدم الإسبانيةكرة قدم

فانوس رمضان – لوكا مودريتش “ساحر البلقان” الذي أوقع العالم في حبه

في شهر رمضان المبارك تتزين الشوارع بالفوانيس، ويتهادى به الأحباء، هدية قيمة وثمينة تصنع بشكل مبتكر كل عام ليتماشى مع تطورات العصر وتظل قيمته مهما اختلف الزمن وتقول الأسطورة بأن له قدر من السحر على تحقيق المعجزات وتحويل الأحلام إلى حقائق وواقع ملموس.

هديتنا في رمضان ستكون فانوس يومي، في صورة لاعب أو مدرب كان له مفعول السحر في اسعاد جماهيره، وتقديم لهم البطولات على طبق من ذهب وادخل في قلوبهم سرور يساوي فرحتك بأول فانوس جلبه لك أحد والديك في طفولتك. وهي الفقرة اليومية طوال شهر رمضان على موقع 365Scores

في الحلقة التاسعة من ” فانوس رمضان“، سنقضي وقتًا رائعًا مع المخضرم لوكا مودريتش، صاحب الجسد النحيل الذي عاش طفولته لاجئًا وكان الشاهد الأول على أقسى لحظة في حياته، حين قُتل جده أمام عينه في حرب البقان.

طفولة ربما لم يكن يتخطاها أي شخص غيره، وربما كانت ستظل عائق نفسي كبير أمام أحدهم، طفولة ستقتحم حياته بشتى الطرق الماساوية في كل مرحلة يمر بها

زلاتكو داليتش - لوكا مودريتش - منتخب كرواتيا
زلاتكو داليتش – لوكا مودريتش – منتخب كرواتيا – المصدر: Gettyimages

شخص غير الساحر لوكا، ربما كان مشتتًا الآن بين بقاع الأرض غير قادر على نفض غبار الماضي القاسي الذي يزوره في أحلامه ويسبب له الهلاوس من حين لآخر.. ربما كان سيظل حبيس أفكاره.. يشاهدها وغيره يحققها له بكل سهولة.

لكن ولأن الأقدار تعرف أصحابها وتسير نحو من تريده، قُدر لمودريتش أن يكون أسطورة تحمل على الأعناق وتهتف بإسمها الحناجر وتصفق لها كل الأيدي من عظمة ما تقدمه.

طفولة مؤلمة ورفض متتالِ لموهبة لوكا مودريتش

في قرية صغيرة متعرج طرقها بالكامل تقع بجانب جبال فيليبيت في كرواتيا؛ قضى لوكا الصغير أغلب أوقات طفولته هناك، في منطقة شهدت على فصل أسود في تاريخ كرواتيا.. فصلِ استمر لما يزيد عن 20 عامًا تقريبًا.

حين وقعت تلك المنطقة فريسة لحروب انفصال يوغوسلافيا عام 1991، حربِ كبدت قلوب النساء والرجاء الكثير هناك.. وأسقطت ضحايا وقتلى بالآلاف، حرب كانت شاهدة على جرائم وحشية بالجملة وإبادات جماعية شتى!

من بين الجرائم البشعة، تلك التي شهد عليها “لوكا” بنفسه، حين قٌتل جده برصاص غادر أثناء خروجه لرعي أغنامه أمام منزله وأمام أعين الطفل الصغير ذو الخمس سنوات فقط!

بعد تلك الواقعة.. وعندما كان عمر “لوكا” لا يزال في السادسة! تم إلقاء القبض على عائلته التي كانت تكافح من أجل حماية نفسها في ظل تواجد الميليشيات والجنود الصرب في كل مكان.

لوكا مودريتش - ريال مدريد - (المصدر:Gettyimages)
لوكا مودريتش – ريال مدريد – (المصدر:Gettyimages)

وخلال عملية نقل عائلته إلى مكان الأسرى نجحت الأسرة في الفرار كاملة العدد إلى المخيمات التابعة للجيش الكرواتي في مدينة تُدعى “زادار”، تلك المدينة التي أكملوا فيها شوطًا كبيرًا من حياتهم، حتى عمل والده هناك كمهندس طيران بأحد المعسكرات التابعة للجيش الكرواتي!

أما والدته فكانت تُدعى “رودوجكا” وشغلت أغلب وقتها في حياكة الملابس والعمل في النسيج، بينما لوكا وأشقائه قضوا أوقات طفولتهم في لعب كرة القدم مع الأطفال المتواجدين في المخيمات تلك.

أول الغيث قطرة

بسبب حبه وولعه بكرة القدم منذ الصغر، فكرت أسرته في أن تضعه على أول الطريق، فقام والده بالتشكيل له في أكاديمية نادي زادار، فريق الندينة التي عاشوا فيها في كرواتيا لفترة.

هناك وفي اختبارات التقديم، جاء القدر بشخص يُدعى “توميسلاف باسيتش”، هو نفسه الذي كان يدير أكاديمية نادي زادار، شعر المدرب بأن موهبة لوكا ومهاراته لمست قلبه، فآمن بموهبة الطفل لوكا وقرر ضمه إلى الأكاديمية لتنطلق بداية لوكا مودريتش.

مّر لوكا بعدة تخبطها في مسيرته الكروية في مرحلة المراهقة، حتى أن تألقه في لعبة كرة القدم لم يكن في كرواتيا بل في البوسنة، عندما تم رفضه بشكل متتالي من عدة أندية كرواتية على رأسهم نادي “هايدوك سبليت” بسبب نقص هرمون النموس وضعف جسده.

لوكا مودريتش - كرواتيا
لوكا مودريتش – كرواتيا

لكن بعد ذلك آمن به المسؤولين في نادي دينامو زغرب، ومن شدة إعجابهم بمهارات الطفل المراهق قاموا بالتوقيع معه على عقد طويل جدًا مُدته 10 سنوات كاملة!

اكتسب لوكا المزيد من الخبرة حتى تمت إعارته إلى إنتر زابريسيتش في البوسنة في موسمه التالي مع دينامو لينطلق في رحلة احترافية غير عادية، تألق ابن الـ 18 عامًا وقدم أداءًا مبهرًا مع ناديه الجديد حتى أنه حصد جائزة أفضل لاعب في الدوري البوسني في ذلك التوقيت.

صدمة لـ لوكا بطلها برشلونة

خلال تلك المرحلة من عمره، كان لوكا مشجعًا من الدرجة الأولى لنادي “برشلونة” الإسباني!.. قد تستغرب جدًا لكن من شدة حبه لبرشلونة قام بعرض نفسه على النادي أيضًا.. حيث كان يعتقد أنه يحمل شبه كبير مع أسطورة البلوجرانا يوهان كرويف!

وهناك.. تعرض لوكا لصدمة كبرى بعدما تم رفضه من جانب إدارة برشلونة، ولنفس السبب الذي رُفض بسببه في بداياته؛ ضعف هيئته وجسده وقصر قامته!

لوكا مودريتش - ريال مدريد (المصدر Gettyimages)
لوكا مودريتش – ريال مدريد (المصدر Gettyimages)

يقول “يوهان كركيتش سينيور” كشاف نادي برشلونة الذي عرض مودريتش على الفريق الكتالوني: ( لقد أحضرته إلى برشلونة للتعرف عليه، التقينا وترك لنا انطباعًا جيدًا للغاية، حيث كان يتحدث الإنجليزية بطلاقة وكان يبدو عليه الذكاء الخارق ).

وتابع يوهان: ( ومع ذلك، تم رفضه من قِبل برشلونة لأنه كان لاعبًا لديه عقلية الفوز، والنادي لم يكن يفكر كثيرًا في المستقبل! فقط تفكيره كان منحصرًا على المدى القصير ).

تألق مع توتنهام يضعه في ريال مدريد.. أول وأخر تمرد في حياته

في تلك الأثناء كان هناك عرض آخر على طاولة لوكا، لكنه لم يفكر فيه أبدًا إلا بعد يأتيه جواب نهائي من برشلونة، وبعدما تم رفضه وافق على هذا العرض سريعًا بقلة حيلة.. لينتقل على إثره من أجل اللعب في لندن في الدوري الإنجليزي وعبر بوابة نادي توتنهام!

قضى لوكا مع توتنهام 4 سنوات تقريبًا بداية من 2008 وحتى 2012، قدم فيهم كل شيء.. تطورت موهبته ولفت الأنظار نحو بشكل كبير، حتى أن قبل نهاية عقده وصله عرض لا يُرفض تمامًا من الغريم اللدود للنادي الذي كان يعشقه في طفولته.. ريال مدريد!

رد فعل لوكا بعدما وصله عرض الميرينجي كان مختلف تمامًا، لم يقل أن هذا النادي هو الغريم للنادي الذي أحبه (برشلونة)، لن أقبل به وسانتظر عرضًا من ناديي المفضل! لا وافق على الفور.. وتمسك بالميرينجي ووقف في وجه دانيال ليفي رئيس توتنهام الذي كان يتمسك بقوة ببقاء اللاعب الكرواتي!

منتخب البرازيل ومنتخب كرواتيا في كأس العالم 2022

تمرد لوكا لأول مرة في مسيرته.. للمرة الأولى يظهر بوجه لا يُحبه أبدًا.. لكن وكما يقولون عندما تأتِ الفرصة أن لم تتمسك بها بكل ما أوتيت من قوة فلا تلوم الزمن على شيء!

في عام 2012 وصل لوكا مودريتش أخيرًا إلى سانتياجو برنابيو ليكون ضمن صفوف ريال مدريد، وبسبب محاولة توتنهام عركلة الصفقة كان وصول لوكا قبل انطلاق الموسم مباشرة فلم يلحق الموسم التحضيري.

أسوء صفقة تحولت إلى الأكثر عبقرية وسحر

لكن بعد يومين فقط من وصوله إلى مدريد، سجل ظهوره الأول في مباراة الكلاسيكو ضد برشلونة في بطولة كأس السوبر الإسباني! وشارك كبديل لمسعود أوزيل في الدقيقة 83، ليحتفل في نهاية المباراة بأول ألقابه مع الفريق الأبيض!

لكن لعدم انسجامه مع الفريق سريعًا، لم يعتبره مدرب الميرينجي وقتها جزءًا أساسيًا من تشكيلته! فظل حبيسًا على مقاعد البدلاء لفترة حتى وإن شارك كان يشارك في وقت صغير ويظهر بإمكانيات محدودة جدًا.. هكذا قضى أول موسمه مع الفريق الأبيض حتى صدمته الجماهير هناك.

لم يكن أحد رحيمًا عليه، ففي استطلاع رأي أعدته صحيفة “ماركا” تم تصنيفه من جانب جماهير الميرينجي بأنه أسوء صفقة أتت إلى الفريق!

عانى الكرواتي كثيرًا حتى جاء كارلو أنشيلوتي إلى قيادة ريال مدريد في موسم 13/14، ومنذ ذلك الحين بات لوكا حجر الأساس الذي يعتمد عليه المدرب الإيطالي بالأكثر، وثق أنشيلوتي في لوكا ذو الجسد الصغير حتى قدم موسمًا ولا أروع.

يورجن كلوب ولوكا مودريتش خلال مباراة ريال مدريد ضد ليفربول (المصدر:Gettyimages)
يورجن كلوب ولوكا مودريتش خلال مباراة ريال مدريد ضد ليفربول (المصدر:Gettyimages)

في موسم حقق فيه مودريتش مع ريال مدريد كل شيء تقريبًا، كأس ملك إسبانيا أمام برشلونة والسوبر الإسباني واللقب العاشر من دوري أبطال أوروبا بعد غياب طويل جدًا دام لأكثر من 12 عامًا لم يصعد فيهم الميرينجي على منصات التتويج في أوروبا.

وفي عام 2014 وبعد رحيل تشابي ألونسو عن متوسط ميدان ريال مدريد، أصبح هو القطعة الأساسية في ركعة شطرنج كارلو أنشيلوتي ليضع بجواره توني كروس في ثنائية لا تزال تلقي بسحرها إلى وقتها هذا.. ليعود الفضل لأنشيلوتي في صنع وسط ميدان ريال مدريد في السنوات الـ12 الأخيرة.

لوكا مودريتش الساحر المبدع الذي كان قادرًا على تقديم سحره بأساليب ستبهرك في كل مرة حد التصفيق له ورفع القبعة.

مودريتش الذي لم يتأثر أبدًا برفض جماهير ريال مدريد له في البداية واعتباره صفقة سيئة! ولم يسمح لماضيه وطفولته القاسية بأن تعكر عليه ما يتمناه في مستقبله.. لوكا الشاب المهذب الذي يعرف ماذا سيقول ومتى يقول.. أصبح الآن مودريتش الساحر الذي لا يتوقف عن نثر سحره في كل مكان يضع فيه قدماه!

لوكا مودريتش - منتخب كرواتيا - كأس العالم 2022
لوكا مودريتش – منتخب كرواتيا – كأس العالم 2022 – المصدر: Gettyimages

لوكا مودريتش ابن قرية زادار التي لم يخرج منها لاعب كرة قدم قبله، الذي يتحاكى عنه الصغار والكبار في كرواتيا.. المسيطر الأول على جائزة الأفضل في بلاده.. والذي جلب لوطنه فضية كأس العالم 2018 وبرونزية كأس العالم 2022 بعدما سمح التاريخ لكرواتيا أن تشارك في تلك البطولة في أواخر التسعينات للمرة الأولى في تاريخها.

إنجاز لا ولن يحققه أي فريق إلا إن كان بين لاعبيه رجل مثل لوكا مودريتش.. الساحر العبقري والعجوز الشاب الذي لا يتوقف أبدًا عن إبهارك بمهاراته ورشاقته.

سارة علي

صحفية من مصر، بدأت العمل الصحفي منذ 2012

4118 مقال

المقالات المتعلقة