365TOPأخبارتقارير ومقالات خاصةكأس العالم 2022كرة قدم
الأكثر تداولًا

رجل النهائيات والمواعيد الكبرى المظلوم.. آنخيل دي ماريا

صحيح أن عند ذِكر الأرجنتين لن يأتِ إلى رأس الكثيرين سوى ليونيل ميسي بإعتباره الساحر الذي قلما يفشل في نشر سحره على الجميع، صاحب كاريزما طاغية يتأثر به الصغير والكبير، لكن عندما ترتفع جرعة الأدرينالين وتزداد حدة دقات القلب وتغزو الإثارة مجريات مباراة للتانجو، ستجد كل الأعين تبحث عن “رجل الظل” آنخيل دي ماريا.. بلا شك.

في غُرف صناعة أفلام السينما، عندما يُمنح الممثل ورق السيناريو يطلب منه المخرج أن يُلخص له في كلمات بسيطة ما شعر به تجاه الشخصية التي سيؤديها في فيلمه.. ربما أن كنت تبحث عن وصف لشخصية “دي ماريا” ستكون: ” المظلوم وقت الإشادة، وأول الحشود وقت التضحية “.

فإذا كنت تبحث عن “محرك” يغير مجريات الأحداث ويضع الكثير من البهارات على المشهد ليخرج في أبهى صوره، فقط ضع “دي ماريا” وأترك له المساحة الكافية للتعبير عن نفسه وسيُشكل لك ركعة البازل المرسومة بمخيلتك.

دي ماريا الذي عبث بدفاعات أبطال العالم في مباراة الأرجنتين وفرنسا بنهائي كأس العالم قطر 2022، أثبت للمرة الثالثة على أنه بطل الحسم “رجل النهائيات واللحظات الكبرى”.. ضع الجميع تحت ضغط وأنظر نحو السحر الذي سينثره دي ماريا.

المُلفت أكثر في نهائي الحلم ضد فرنسا، كانت دموع “دي ماريا”، التي لم تسقط مرة أو اثنين بل سقطت مرات حتى دخل في نوبة بكاء بمجرد تسديد ركلة الجزاء الحاسمة في شباك “هوجو لوريس”.

بالرغم أن “دي ماريا” كان بطل لقطة تقدم الأرجنتين 2-0، وبدونه تكتيكيًا -ربما- كان التانجو سيجد صعوبة بالغة في تحقيق لقب كأس العالم. لكن وفي قرار غريب جدًا، قرر ليونيل سكالوني سحبه من الملعب قرب الدقيقة 65، لتسير القافلة بدون محركها لبقية المباراة.

أن كنت من هواه قراءة تعبيرات الوجه، فكل ما جاء على ملامح وجه “دي ماريا” عندما وجد رقم قميصه على اللوحة التي يحملها الحكم، ليعلن استبداله باكرًا، ربما فسرته السيدة “أم كلثوم” في إحدى أغنياتها فترة السبعينات: ” آه من فرحة أحلامي ومن خوف ظنوني.. “.

لم تمر سوى 10 دقائق بعد خروج “دي ماريا” من الملعب، وبدأت القذائف تتوالى على مرمى الأرجنتين، ومع كل هدف كانت الكاميرا تنقل مشاعر اللاعب الجالس على مقاعد البدلاء حينها وهو في نوبة بكاء امتدت تقريبًا لمدة ساعة كاملة، في مشهد كان يلمس القلب بقوة. حتى انهار تمامًا مع صافرة نهاية المباراة التي أعلنت تتويج الأرجنتين بطلًا.

مشاعر “دي ماريا” في نهائي كأس العالم 2022 ربما شعر بها الجميع حول العالم، حتى وأن جزء كبير من الفرنسيين تشاركوا معه البكاء لحظة وداعه في حديقة الأمراء قبل أشهر قليلة، الجميع أحبه جدًا حد التعلق.

سوء الحظ الذي رافق “دي ماريا” طوال مسيرته، ربما كان السبب الرئيسي في المشاعر المتدفقة التي ظهرت في نهائي مونديال قطر 2022 أمام الجميع وأمام عدسات الكاميرات. بكاء التعلق بالاشياء التي لا تكتمل.. بكاء الخوف من الفقد بعد لذة الحصول.

فمثلًا في بداية مسيرة “دي ماريا” الاحترافية مع ريال مدريد، والتي تزامنت مع فترة تدريب جوزيه مورينيو للميرينجي، وبالرغم من اعتماد المدرب البرتغالي عليه واعتباره ركيزة أساسية في تشكيلته كجناح، إلا أن الحظ دائمًا لم يكن في صفه بسبب كثرة إصاباته.

رحل مورينيو وجاء من بعده كارلو أنشيلوتي ليقود كتيبة الميرينجي، لكن لسخرية القدر وصل “جاريث بيل” في ميركاتو 2013 إلى ريال مدريد قادمًا من توتنهام! صفقة فسرها البعض بأنها ربما ستنهي على مكان دي ماريا كجناح في تشكيلة الفريق الملكي.

لكن أنشيلوتي كان له نظرة ثاقبة لا تخيب، حين فكرة في تغيير مصير “دي ماريا” مع ريال مدريد تمامًا، فقرر تغيير مركزه ليُشركه في التشكيلة كصانع ألعاب بدلًا من جناح، ولأن الأرجنتيني متعدد المهام بالفطرة نجح في مركزه الجديد وكأنه متمرس فيه منذ نعومة أظافره.

ليكون “دي ماريا” رجل الظل أو رجل المهام الصعبة في مشهد الحسم في التتويج بـ”العاشرة”؛ لقب دوري أبطال أوروبا الذي غاب طويلًا عن ريال مدريد، في ليلة كانت شاهدة أيضًا على تتويج الأرجنتيني بجائزة أفضل لاعب في المباراة، بعدما قال كلمته في أكثر من مناسبة طوال المباراة.

في نفس العام، لعب دي ماريا مع الأرجنتين في مونديال البرازيل 2014، ووصل مع التانجو إلى المباراة النهائية لملاقاة ألمانيا، لكن لسوء الحظ تعرض دي ماريا لإصابة قوية منعته من لعب النهائي.

في ذلك التوقيت، خرج طبيب الأرجنتين ليؤكد أن دي ماريا سيحصل على حقنة مسكنة لمساعدته على لعب المباراة النهائية في كأس العالم 2014، ما أزعج ريال مدريد كثيرًا، وخرج النادي الإسباني ليعترض بقوة بعدما أرسل خطاب إلى “فيفا” يطالب فيه بمنع حدوث ذلك حفاظًا على دي ماريا، ما ساهم في منع اللاعب من اللعب وقتها.

خسر الأرجنتين نهائي مونديال البرازيل 2014 بهدف قاتل لـ”ماريو جوتزه” في الدقائق الأخيرة من الوقت الإضافي، في ليلة غاب عنها محرك التانجو الوحيد؛ دي ماريا.

ولأن “الحلو مبيكملش” كما يقول المصريين، جاء موعد تجديد عقد “دي ماريا” مع ريال مدريد الذي شارف على الانتهاء، حينها طالب اللاعب بزيادة راتبه فقط من أجل الموافقة على التجديد، فكان يتقاضى قرابة الـ 3 مليون يورو حينها، شعر الأرجنتيني بضرورة مكافآته براتب أعلى أو على الأقل مساواته مع الوافد الجديد على الفريق؛ جاريث بيل الذي كان يحصل على 14 مليون يورو راتبًا سنويًا.

إدارة ريال مدريد فاجئته بالرفض، “لينهار مع هذا الرفض حلمه تمامًا” شعر حينها وكأن سيعاني طوال حياته من الوقوف في منتصف الأشياء التي لا تكتمل، فقرر وضع كلمة النهاية على مسيرته مع الميرينجي، ليتجه إلى الدوري الإنجليزي لإيجاد نفسه من جديد، لكن هذه المرة يصطدم بالهولندي “فان خال” بعد توقيع عقد مع مانشستر يونايتد.

ربما العلاقة السيئة جدًا الحالية بين دي ماريا وفان خال، كانت بدايتها مع وصوله إلى مانشستر يونايتد، هناك اصطدم بأفكار المدرب الهولندي التي لم ينجح في تطبيقها على الإطلاق، ومؤخرًا في مونديال قطر 2022، أطلق دي ماريا تصريحات أكد فيها أن “فان خال” من أسوء المدربين الذين قابلهم في مسيرته!

مرت الأيام وبدأ القدر يبتسم مجددًا لـ”دي ماريا” بعد خروجه من مانشستر يونايتد إلى باريس سان جيرمان، خرج من البريميرليج كمنبوذ وتحول إلى واحد من أهم لاعبي العالم مرة أخرى.

لكن حتى عندما كان أهم لاعب في باريس سان جيرمان، فكان هناك نيمار دا سيلفا يتم الإشادة به واعتباره نجم الفريق الأول هناك، لكن أين “دي ماريا” من الإشادة والدعم؟! سأترك لك أنت الإجابة على ذلك.

في العام الماضي 2021، بدأ الجميع يضع آنخيل دي ماريا في القالب الذي يجب أن يُضع فيه بالتمام، هو لا يقل أبدًا عن ليونيل ميسي، بل هو وميسي كان عليهما السير معًا أبد الدهر وهو ما حدث..

في صيف 2021، خاض منتخب الأرجنتين منافسة شرسة على لقب كوبا أمريكا، وبعد غياب طويل جدًا عن هذا اللقب، نجح رجل اللحظات الصعبة وبطل النهائيات؛ في أن يكون في مشهد الحسم ليضع هدفًا في شباك البرازيل منح التانجو كأس كوبا أمريكا الغائبة منذ سنوات عديدة.

الجميع ترك هدف دي ماريا الذي جلب الذهب للأرجنتين، وظل الإعلام والجماهير تتحدث عن أول لقب يفوز به ليونيل ميسي مع منتخب بلاده!

ويبدو أن الرب استجاب ومسح بيده على رأسه أخيرًا، ليأخذ منه كل خوفه من البقاء في منتصف الأشياء هذه المرة، مثلما يحدث في كل مرة طول مسيرته.. هذه المرة أنت البطل يا دي ماريا.. ابتسم رجاءًا.

سارة علي

صحفية من مصر، بدأت العمل الصحفي منذ 2012

4113 مقال