أخبار الكرة الإنجليزيةأرسنال365TOPأخبار

خطة الـ1-0 المملة.. هل أرسنال القبيح هو النسخة التي ستحقق الدوري أخيرًا؟

لطالما سُجن أرسنال لسنوات طويلة في قفص “الجمالية الهشة”، حيث كان الفريق يقدم كرة قدم تشبه اللوحات الفنية التي تستدر عطف المحايدين وإعجاب النقاد، لكنها كانت تفتقر إلى “المخالب” التي تحمي تلك الانتصارات في اللحظات الحرجة.

في عهد آرسين فينجر المتأخر، كان أرسنال هو الفريق “اللطيف” الذي يؤكل بدنيًا وذهنيًا في الملاعب الصعبة، لكن ميكيل أرتيتا قرر في الموسم الحالي تمزيق هذا الثوب الرومانسي وارتداء درع “الواقعية البراجماتية” الصرفة، نحن نشهد الآن تحولًا جذريًا يعيد إلى الأذهان حقبة التسعينيات الذهبية وشعارها الخالد “1-0 للمدفعجية”، حيث لم يعد الهدف هو إمتاع المشاهد، بل إحباط الخصم وتفكيك قواه النفسية قبل البدنية.

هذا “الأرسنال الجديد”، الذي يراه البعض “قبيحًا” ويراه أنصاره “ناضجًا”، بات هو العدو اللدود لفرق البريميرليج التي تبحث عن كرة قدم مفتوحة، ليتحول الصراع من مجرد سباق نقاط إلى صراع فلسفي عميق حول كيفية انتزاع الألقاب في عصر “الكرات الثابتة” و”الفنون السوداء” الكروية.

غضب هورزلر.. صرخة المثالية في وجه واقعية أرسنال

لم تكن تصريحات فابيان هورزلر، مدرب برايتون، مجرد رد فعل غاضب على خسارة نقاط ثلاث، بل كانت بمثابة إعلان رسمي عن الهوية الجديدة التي بات أرسنال يفرضها على خصومه، هورزلر، الذي يمثل جيل المدربين الشباب الطامحين لتقديم كرة قدم شاملة وهجومية، شعر بالإهانة الرياضية من الأسلوب الذي اتبعه أرتيتا، وخرج في مؤتمره الصحفي ليوجه سهام نقده بحدة غير مسبوقة قائلًا:

“أعتقد أن هناك فريقًا واحدًا فقط حاول لعب كرة قدم حقيقية اليوم، ولذلك أنا فخور جدًا بأداء لاعبي فريقي. لن أكون أبدًا من النوع الذي يسعى للفوز بهذه الطريقة، أنا أريد تحقيق نتائج جيدة، لكنني أريد أيضًا أن يستمر لاعبو فريقي في التطور وتقديم كرة قدم حقيقية على أرض الملعب”.

هذا التصريح يعكس الهوة السحيقة بين مدرب يرى كرة القدم كعملية تطوير وجمال، وبين أرتيتا الذي يراها “حرب استنزاف”، واصل هورزلر هجومه مشيرًا إلى “إضاعة الوقت المتعمد” و”التمثيل” بقوله:

“في النهاية، بالطبع، ستسعى كل الفرق لإضاعة الوقت ومحاولة الفوز جاهدة، لكنني أعتقد أنه يجب أن يكون هناك حدٌّ لذلك، ويجب أن تحدده رابطة الدوري الإنجليزي والمحكمون، فهم حاليًا يتركونهم يفعلون ما يحلو لهم. لو سألت الآن كل شخص في هذه الغرفة إن كان قد استمتع حقًا بهذه المباراة، فأنا متأكد أن شخصًا واحدًا فقط سيرفع يده لأنه مشجع متعصب لأرسنال، أما البقية فلا مجال لذلك”.

استشهاد هورزلر بـ “متعة المشاهد” هو اعتراف ضمني بأن أرسنال نجح في تحويل المباراة إلى “جحيم تكتيكي” ممل للخصم، ولكنه فعال ومثمر للمدفعجية.

فابيان هورتزيلر - برايتون
فابيان هورتزيلر – برايتون – المصدر: Gettyimages

شعار 1-0 للمدفعجية.. استحضار أرواح حقبة جورج جراهام

تُعيدنا الانتصارات المتكررة لأرسنال بنتيجة (1-0) هذا الموسم إلى زمن المدرب الأسطوري جورج جراهام، حين كان الفريق يلقب بـ “Boring, Boring Arsenal” (أرسنال الممل)، وهي الحقبة التي بنيت على أساس دفاعي صلب لا يقبل القسمة على اثنين.

أرسنال أرتيتا اليوم لا يمانع أن يخرج من الشوط الأول بمعدل أهداف متوقعة (xG) يبلغ 0.01 فقط، كما حدث في ليلة برايتون، طالما أن النتيجة تشير إلى تقدمه، هذا الرقم الصادم يعكس تحولًا تكتيكيًا مرعبًا؛ فالقوة لم تعد في عدد الفرص المصنوعة، بل في “النجاعة” و”الخنق الدفاعي”.

متى موعد مباراة أرسنال ضد برايتون بالجولة 29 في الدوري الإنجليزي 2025-26؟
أرسنال – برايتون (المصدر:Gettyimages)

لقد حقق أرسنال 10 انتصارات هذا الموسم بفارق هدف واحد، وهو ما يثبت أن الفريق بات يمتلك “شخصية البطل” التي تعرف كيف تفوز في أيامها السيئة، بينما كان أرسنال في السابق ينهار إذا لم يسجل الهدف الثاني والثالث، نراه الآن يكتفي بلدغة من بوكايو ساكا، ثم يتحول إلى جدار بشري صلد يستحيل اختراقه، مما يجعل “القبح” التكتيكي هنا أداة سيطرة لا ضعف، ووسيلة لكسر شوكة المنافسين الذين يجدون أنفسهم يركضون خلف سراب الاستحواذ دون أدنى خطورة على مرمى ديفيد رايا.

الفنون السوداء وإدارة المباراة.. حينما يتفوق الخبث على الموهبة

ما وصفه هورزلر بـ “الأساليب غير الأخلاقية” هو في الحقيقة ما يطلق عليه في إنجلترا “Game Management” أو إدارة المباراة بذكاء حاد، أرسنال أرتيتا بات يتقن “الفنون السوداء” التي كانت حكرًا على فرق مثل أتلتيكو مدريد تحت قيادة سيميوني؛ فسقوط ديفيد رايا المتكرر لتلقي العلاج ليس مجرد صدفة طبية، بل هو “تكتيك تبريد” مدروس لإيقاف زخم الخصم وامتصاص حماس الجماهير في ملعب “أميكس”.

أضف إلى ذلك التأخر المتعمد في تنفيذ رميات التماس، والتجمع الجماعي للاعبين قبل بداية الشوط الثاني لاستفزاز الخصم، والمشادات الكلامية التي قادها لاعبون مثل ساكا وفيلتمان في الدقائق الأخيرة، هذه التصرفات تخلق ضغطًا نفسيًا هائلًا يجعل الخصم يركز على “ظلم” التحكيم و”استفزاز” أرسنال بدلًا من التركيز على إنهاء الهجمات.

ميكيل أرتيتا - (المصدر: Getty images)
ميكيل أرتيتا – (المصدر: Getty images)

إن هذا “الخبث الكروي” هو ما جعل أرسنال فريقًا “مكروهًا” خارج شمال لندن، ولكنه جعله أيضًا فريقًا “مخيفًا” لا يمكن هزيمته بالمهارة المجردة، حيث باتوا يمتلكون القدرة على تحويل أي مباراة كرة قدم إلى “معركة شوارع” تكتيكية هم الغالبون فيها دائمًا.

رد أرتيتا وفلسفة الحديقة.. السيادة لا تحتاج إلى مبررات

ميكيل أرتيتا لم يكتفِ بالصمت أمام سيل الانتقادات، بل واجهها ببرود أعصاب يحسد عليه وسخرية لاذعة تعكس ثقته المطلقة في مشروعه. رده بعبارة “يا للمفاجأة!” على شكاوى هورزلر كان بمثابة رسالة مفادها أن صراخ الخصوم هو الموسيقى التي تؤكد نجاح خطته، أرتيتا يدرك أن “الشعبية” لا تضع الكؤوس في الخزائن، ولذلك كان رده التاريخي: “نحن نعتني بحديقتنا”.

موعد مباراة أرسنال القادمة ضد وولفرهامبتون في الدوري الإنجليزي 2026
أرسنال (المصدر:Gettyimages)

هذه الجملة المختصرة تلخص الفلسفة الحالية للنادي؛ أرسنال لا يهتم بكيفية تنسيق الزهور في حدائق الجيران (المنافسين)، ولا يهتم برأيهم في شكل حديقته، طالما أن حديقته هي التي ستثمر لقبًا طال انتظاره منذ عهد “اللا هزيمة” قبل 22 عامًا.

هذا الالتزام الدفاعي الجماعي هو ما يمنح أرتيتا الحق في السخرية من منتقديه، فالفريق الذي يستطيع الفوز وهو في أسوأ حالاته الهجومية هو الفريق الذي يمتلك بالفعل مقومات التتويج بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز.

هل أرسنال حقًا ملك إضاعة الوقت؟ الأرقام تروي قصة مختلفة

لكن قبل أن تتحول الانتقادات التي وجهها فابيان هورزلر إلى “حقيقة راسخة” في أذهان الجماهير، تكشف الأرقام عن مفارقة لافتة؛ فالصورة الشائعة التي ترسم أرسنال كأكبر المذنبين في إهدار الوقت لا تصمد كثيرًا أمام البيانات الإحصائية الخاصة بالدوري الإنجليزي هذا الموسم.

وفق مؤشر الوقت الفعلي للعب الذي يقيس إجمالي زمن توقف اللعب في المباراة الواحدة، يظهر أن أرسنال لا يحتل موقعًا متقدمًا بين الفرق الأكثر استنزافًا للوقت، بل يأتي في المركز السابع عشر بمعدل توقف يبلغ 20:56 دقيقة في المباراة، وهو رقم يضعه ضمن الفرق ذات الإيقاع الأسرع نسبيًا مقارنة بمعظم منافسيه في الدوري.

هذه المفارقة تكشف شيئًا مهمًا: ما يثير غضب الخصوم ليس بالضرورة حجم الوقت الضائع، بل توقيته وتأثيره النفسي، عندما يقوم فريق مثل أرسنال بإبطاء الإيقاع في اللحظات الحاسمة – بعد هدف متقدم أو أثناء ضغط متواصل من الخصم – يصبح كل تأخير صغير مضخمًا في أعين المنافسين والجماهير، حتى لو كانت الصورة الكلية للمباراة أقل تباطؤًا من فرق أخرى في الدوري.

والأكثر إثارة للاهتمام أن قائمة الفرق الأكثر إهدارًا للوقت هذا الموسم تضم أسماء بعيدة تمامًا عن دائرة الاتهام الإعلامي، أندية مثل سندرلاند وبرينتفورد وليدز ونيوكاسل تتصدر المؤشر بفارق واضح، بينما يقع برايتون نفسه – الفريق الذي اشتكى مدربه من أسلوب أرسنال – في قاع الترتيب كأسرع الفرق إيقاعًا في المباريات.

هنا يتضح أن الصراع الدائر ليس مجرد صراع حول الوقت الضائع، بل حول فلسفة اللعب نفسها؛ فهناك فرق ترى في إدارة الإيقاع سلاحًا تكتيكيًا مشروعًا، بينما تعتبرها فرق أخرى خيانة لروح اللعبة الهجومية التي تؤمن بها.

وبين هاتين المدرستين يقف أرسنال أرتيتا في منطقة رمادية مثيرة للجدل: فريق لا يضيع الوقت أكثر من غيره بالأرقام، لكنه يعرف متى يبطئ المباراة بالضبط.. وهو الفارق الصغير الذي قد يحسم سباق لقب كامل.

مؤشر الوقت الضائع في الدوري الإنجليزي الممتاز
موسم 2025/2026 (إحصائيات محدثة حتى 5 مارس 2026)
معدل زمن توقف اللعب في المباراة الواحدة، وفقاً لمعيار “الوقت الفعلي” المعتمد من 365Scores.
الترتيبالناديالوقت الضائعالمنطقة
1سندرلاند24:36مستنزفو الوقت
2برينتفورد24:29
3ليدز يونايتد24:21
4نيوكاسل يونايتد24:06
5أستون فيلا23:53المخططون التكتيكيون
6توتنهام23:53
7إيفرتون23:07
8وست هام يونايتد23:07
9بيرنلي22:58فرق منتصف الجدول
10كريستال بالاس22:18
11تشيلسي22:11
12وولفرهامبتون22:03
13بورنموث22:02
14نوتينغهام فورست21:57
15فولهام21:09إيقاع سريع
16مانشستر يونايتد21:08
17آرسنال20:56
18ليفربول20:13
19مانشستر سيتي20:02
20برايتون19:27كرة قدم نقية

محمود الشوادفي

صحفي مصري، أكتب في 365Scores عن كرة القدم كما تُرى من داخل التفاصيل، بدأت رحلتي الصحفية عام 2019، وأؤمن أن وراء كل رقم حكاية، ووراء كل مباراة فكرة تستحق أن تُروى بأسلوب مختلف.