انتخابات برشلونةبرشلونة365TOPبرشلونة

برشلونة بين الروح والرقم.. خوان لابورتا وفيكتور فونت في مناظرة تاريخية حول المستقبل

في برشلونة، لا تشبه الانتخابات الرئاسية أي انتخابات أخرى في عالم كرة القدم؛ فالأمر هنا لا يتعلق فقط بإدارة نادٍ لكرة القدم، بل بقيادة مؤسسة رياضية وثقافية تمثل جزءًا من هوية كتالونيا نفسها، لذلك تتحول الحملات الانتخابية دائمًا إلى صراع فكري وإعلامي وسياسي، حيث تتداخل كرة القدم مع الاقتصاد والرمزية التاريخية للنادي.

هذا الأحد، يتجه أعضاء نادي برشلونة إلى صناديق الاقتراع لاختيار الرئيس الذي سيقود النادي حتى عام 2031. أكثر من مئة ألف عضو يملكون حق التصويت، في يوم قد يحدد مستقبل أحد أكبر الأندية في العالم، وعلى عكس التوقعات الأولية، انتهى السباق بمرشحين فقط: الرئيس الحالي خوان لابورتا، الذي يسعى لتمديد فترته الثانية في الحكم، ورجل الأعمال الكتالوني فيكتور فونت، الذي يعود لمواجهة الرجل نفسه الذي هزمه في انتخابات عام 2021.

لابورتا، البالغ من العمر ثلاثة وستين عامًا، يعد أحد أهم الشخصيات في تاريخ برشلونة الحديث، فقد كان رئيسًا للنادي بين عامي 2003 و2011، وهي الفترة التي شهدت ولادة جيل استثنائي بدأ مع رونالدينيو وانتهى بفريق بيب جوارديولا الأسطوري الذي سيطر على أوروبا، وعندما عاد إلى الرئاسة في 2021، وعد بإعادة بناء النادي بعد السنوات المضطربة التي أعقبت إدارة جوسيب ماريا بارتوميو.

لكن تلك العودة لم تكن خالية من الجدل، فقد ورث النادي أزمة مالية خانقة، وبدأت الإدارة الجديدة في تطبيق حلول مالية مبتكرة عُرفت داخل برشلونة باسم “الرافعات الاقتصادية”، وهي صفقات تجارية ومالية سمحت للنادي بالحصول على سيولة فورية مقابل بيع أجزاء من حقوقه التجارية المستقبلية.

في المقابل، يقدم فيكتور فونت نفسه كصوت التغيير، رجل أعمال في مجال التكنولوجيا المالية يبلغ من العمر ثلاثة وخمسين عامًا، يطرح مشروعًا قائمًا على تحديث إدارة النادي وإعادة بناء هيكله الرياضي والاقتصادي بطريقة أكثر استدامة؛ ومنذ حملته الأولى قبل خمس سنوات، يحاول فونت إقناع أعضاء برشلونة بأن النادي يحتاج إلى نموذج إداري جديد أكثر احترافية.

مناظرة لابورتا وفونت.. الجولة الأولى: إرث ميسي والخطيئة الكبرى

فونت: “خوان، قبل أن نتحدث عن المستقبل علينا أن نتحدث عن الحقيقة التي يعرفها كل عضو في برشلونة. في انتخابات 2021 وقفت أمام الجماهير وقلت إنك الوحيد القادر على إبقاء ميسي في النادي، قلت إن وجودك هو الضمان الوحيد لاستمراره، وبعد أشهر قليلة فقط وقف أعظم لاعب في تاريخ برشلونة أمام الكاميرات وهو يبكي ويعلن رحيله”.

“هذه ليست مجرد حادثة عابرة، بل لحظة تاريخية كسرت شيئًا داخل هوية النادي، برشلونة خسر اللاعب الذي بنى عصره الذهبي، وخسره بطريقة مهينة، دون وداع يليق بمن قضى أكثر من عشرين عامًا هنا”.

“اليوم نحن لا نتحدث عن مباراة تكريمية عابرة، نحن نتحدث عن مشروع كامل لإعادة بناء العلاقة مع ميسي، مشروع يجعل منه رئيسًا فخريًا للنادي ويعيد ربط علامته الشخصية ببرشلونة للأبد. لأن برشلونة وميسي قصة واحدة، ولا يمكن للنادي أن يتصالح مع تاريخه دون أن يتصالح معه أولًا”.

لابورتا: “فيكتور، من السهل جدًا الحديث بعد وقوع الأحداث. لكنك تتجاهل الحقيقة الأساسية: عندما عدت إلى رئاسة برشلونة في 2021 كان النادي في أسوأ أزمة مالية في تاريخه، لو وافقنا على شروط العقد الذي كان مطروحًا آنذاك لتجديد عقد ميسي، لكنا رهنّا مستقبل النادي لعقود طويلة لصالح مؤسسات مالية وصناديق استثمار. كان علينا أن نختار بين لاعب واحد – مهما كان عظيمًا – وبين المؤسسة نفسها”.

خوان لابورتا - رئيس برشلونة (المصدر Gettyimages)
خوان لابورتا – رئيس برشلونة (المصدر Gettyimages)

“اخترت برشلونة، اخترت أن أحمي النادي حتى لو كان الثمن مؤلمًا؛ ومع ذلك، دعني أكون واضحًا: ميسي سيظل دائمًا جزءًا من برشلونة. سيعود يومًا ما إلى بيته، لكن ليس عبر شعارات انتخابية ولا عبر وعود تستخدم اسمه لكسب الأصوات”.

الجولة الثانية: الاقتصاد.. الرافعات أم رهن المستقبل؟

فونت: “دعنا نتحدث عن الاقتصاد إذن، خلال السنوات الأخيرة اخترعت مصطلحًا جديدًا في عالم كرة القدم: الرافعات الاقتصادية؛ الحقيقة أن هذه الرافعات لم تكن سوى بيع أجزاء من أصول النادي من أجل الحصول على سيولة مؤقتة. لقد بعتم حقوقًا تجارية وإعلامية للنادي مقابل أموال فورية، بينما المستقبل أصبح أقل وضوحًا”.

“النتيجة؟ ديون برشلونة ما زالت الأكبر في كرة القدم العالمية، وتصل إلى أكثر من مليار وأربعمئة مليون يورو، وفي الوقت نفسه نرى النادي يعاني حتى لتسجيل لاعبين جدد بسبب القيود المالية”.

فيكتور فونت المرشح لرئاسة برشلونة.. المصدر: Gettyimages
فيكتور فونت المرشح لرئاسة برشلونة.. المصدر: Gettyimages

“مشروعنا مختلف تمامًا، نحن نريد تحويل برشلونة إلى مؤسسة حديثة قادرة على توليد إيرادات قياسية تصل إلى مليار وستمئة مليون يورو، من خلال الاقتصاد الرقمي والشراكات العالمية، برشلونة لا يمكن أن يدار بعقلية رد الفعل، ولا عبر شبكة من الأصدقاء والمقربين داخل الإدارة”.

لابورتا: “هذا الخطاب يبدو جميلًا في المؤتمرات الاقتصادية، لكنه بعيد عن الواقع، عندما عدنا إلى الإدارة كان النادي عمليًا على حافة الإفلاس، لم تكن هناك سيولة، ولم يكن بالإمكان تسجيل اللاعبين، وكان علينا أن نتخذ قرارات صعبة جدًا في وقت قصير”.

“الرافعات التي تنتقدها هي التي سمحت لنا بإعادة بناء الفريق والمنافسة من جديد. بدونها لم يكن برشلونة قادرًا حتى على التعاقد مع لاعبين كبار أو العودة للمنافسة على الدوري”.

“أنت تتحدث عن نماذج مالية معقدة وعن أرقام على الورق، لكن أعضاء برشلونة يريدون رؤية فريقهم يفوز. يريدون رؤية البطولات تعود إلى المتحف، نحن فزنا بالدوري، وعدنا إلى المنافسة الأوروبية، وبدأنا مشروعًا رياضيًا جديدًا. هذه ليست نظريات، هذه نتائج”.

الجولة الثالثة: المشروع الرياضي وفوضى القرارات

فونت: “إذا كنا نتحدث عن النتائج، فلنتحدث عن الطريقة التي تُدار بها القرارات الرياضية في برشلونة، خلال السنوات الأخيرة شهد النادي سلسلة من القرارات المتناقضة؛ إقالة مدربين، تغيير الاتجاهات، وضبابية في المشروع الرياضي.

“حتى وصول المدرب الحالي لم يكن جزءًا من خطة واضحة، بل جاء في لحظة ارتباك بعد سلسلة من الأحداث داخل الإدارة، ما نطرحه نحن هو نموذج مختلف تمامًا”.

“نريد إعادة بناء الهيكل الرياضي للنادي، بدءًا من أكاديمية لاماسيا التي كانت دائمًا قلب برشلونة. لدينا خطة لإعادة تنظيم العمل الفني بمشاركة خبراء عملوا في أكبر المشاريع الكروية الأوروبية؛ الفكرة بسيطة: بناء نظام قوي يستمر لعقود، بغض النظر عن اسم الرئيس أو المدرب”.

لابورتا: “هذا كلام نظري مرة أخرى، الحقيقة أن الفريق اليوم يلعب كرة قدم رائعة، وأن المشروع الرياضي يسير في الاتجاه الصحيح. لدينا جيل جديد من اللاعبين الشباب الذين يمثلون مستقبل النادي، ولدينا جهاز فني يعمل بثقة واستقرار.

“أما الهجمات على الإدارة الرياضية فهي جزء من الحملة الانتخابية لا أكثر، ديكو يعمل بجد من أجل بناء فريق قادر على المنافسة في أوروبا، ونحن ندعم المدرب بكل الوسائل الممكنة”.

خوان لابورتا - برشلونة (المصدر:Gettyimages)
خوان لابورتا – برشلونة (المصدر:Gettyimages)

“الأخطر في خطابك أنك تحاول خلق حالة من الشك حول استقرار الفريق في لحظة حاسمة من الموسم. برشلونة بحاجة إلى الهدوء، لا إلى إثارة الشكوك”.

الجولة الرابعة: هوية النادي.. الشعبوية أم الإدارة الحديثة؟

فونت: “في النهاية، هذه الانتخابات ليست بين شخصين فقط، إنها بين نموذجين مختلفين لإدارة برشلونة، النموذج الأول يعتمد على الكاريزما الشخصية والخطابات العاطفية، أما النموذج الثاني فيعتمد على مؤسسات قوية، إدارة احترافية، واستراتيجية واضحة طويلة المدى؛ برشلونة أكبر من أي رئيس، وما نريده هو بناء مؤسسة لا تعتمد على شخصية واحدة مهما كانت”.

لابورتا: “أنت تسميها شعبوية، وأنا أسميها فهمًا حقيقيًا لروح برشلونة، هذا النادي ليس شركة تكنولوجية ولا مشروعًا استثماريًا بحتًا. إنه مؤسسة اجتماعية وثقافية يعيشها الملايين من المشجعين؛ الرئيس يجب أن يكون قادرًا على الدفاع عن النادي في وجه الضغوط الخارجية، وأن يقود الجماهير في اللحظات الصعبة، وأعتقد أن الأعضاء يعرفون جيدًا من وقف معهم عندما كان النادي في أصعب لحظاته”.

من هو الأنسب لقيادة برشلونة؟

بعد ساعات من الجدل المحتدم والمناظرات التي لن تنتهي بين خوان لابورتا وفيكتور فونت، يظل السؤال المعلق في أزقة “لاس رامبلاس” وبين كراسي الكامب نو: من الأنسب؟

لابورتا هو الخيار “العاطفي والعملي” في آن واحد، هو الرجل الذي يعرف كيف يتعامل مع الضغوط الخارجية، ويمتلك الكاريزما التي تعيد الثقة للجماهير واللاعبين؛ نجاحه في ولايته الحالية (رغم الصعوبات المالية) بجلب لقب الليجا وإعادة البريق الأوروبي تحت قيادة فليك، يجعله المرشح المفضل للأغلبية التي تخشى التغيير الجذري في وقت الانتصارات، فهو يمثل “برشلونة الشجاع” الذي يهاجم في الملعب وفي المكاتب.

فونت أم لابورتا؟.. برشلونة بين رقصة ميسي الأخيرة وواقعية مشروع فليك
فونت أم لابورتا؟.. برشلونة بين رقصة ميسي الأخيرة وواقعية مشروع فليك

أما فيكتور فونت، فهو الخيار “العقلاني والمستقبلي”، برنامجه يركز على سد الثغرات الهيكلية التي يعاني منها النادي منذ عقود، هو يرى أن زمن “الرئيس الملهم” قد انتهى، وأن النادي بحاجة إلى “مجلس إدارة مؤسسي” يشبه شركات التكنولوجيا الكبرى لضمان البقاء في قمة الهرم الكروي دون السقوط في فخ الإفلاس؛ فهو يمثل “برشلونة المنظم” الذي يبني نجاحه على العلم والبيانات.

يوم الأحد، لن يصوت أعضاء برشلونة فقط على اسم الرئيس، بل سيصوتون على الطريقة التي يريدون بها رؤية ناديهم في العقد القادم، هل يستمرون مع “جنون” لابورتا الذي حقق المعجزات، أم ينتقلون إلى “هدوء” فونت الذي يعد بالاستقرار؟ النتائج التي ستعلن ليلة الأحد ستحدد ما إذا كان برشلونة سيبقى “أكثر من مجرد نادٍ” بمفهومه التقليدي، أم سيتطور ليصبح مؤسسة عالمية بآليات حديثة.

محمود الشوادفي

صحفي مصري، أكتب في 365Scores عن كرة القدم كما تُرى من داخل التفاصيل، بدأت رحلتي الصحفية عام 2019، وأؤمن أن وراء كل رقم حكاية، ووراء كل مباراة فكرة تستحق أن تُروى بأسلوب مختلف.